وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ وَالْجُلُوسُ وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (ويُكْرَهُ تَجْصِيصُه، والبِناءُ عليه، والجُلُوسُ، والوَطْءُ عليه، والاتِّكاءُ إليه، والكِتابَةُ عليه) لِما روَى جابِرٌ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُجَصَّصَ القَبْرُ،
وأن يُبْنَى عليه، وأن يُقْعَدَ عليه. رَواه مسلمٌ،
والترمِذِىُّ . وزاد: وَأن يُكْتَبَ عليها.
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ ذلك من زِينَةِ الدُّنْيَا، فلا حاجَةَ بالمَيِّتِ إليه. وكَرِه أحمدُ أن يُضْرَبَ على القَبْرِ فُسْطاطٌ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ- أوْصَى حينَ حضَره المَوْتُ أن لا تَضْرِبُوا علىَّ فُسْطَاطًا. وروَى أبو مَرْثَدٍ الغَنَوىُّ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا». رَواه مسلمٌ .
وقال الخَطّابىُّ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أن تُوطَأَ القُبُورُ.
قال : ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا قد اتَّكَأ على قَبْرٍ، فقالَ:«لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ». وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأنْ يَجْلِسَ أحَدُكمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ». رَواه مسلمٌ .
ويُكْرَهُ التَّغَوُّطُ بينَ القُبُورِ؛ لِما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ أَطَأ عَلَى جَمْرَةٍ، أوْ سَيْفٍ، أحَبُّ إلىَّ مِنْ أنْ أطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِى أوَسَطَ الْقُبُورِ قضَيْتُ حَاجَتى، أوْ وَسَطَ السُّوقِ». رَواه الخَلَّالُ، وابنُ ماجه .
فصل: ولا يَجُوزُ اتِّخاذُ السُّرُجِ على القُبُورِ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهنَّ المَسَاجِدَ والسُّرُجَ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، بمَعْناه .
ولو أَبِيحَ لم يَلْعَنِ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن فَعَلَه، ولأنَّ. فيه تَضْيِيعًا للمال في غيرِ
فائدَةٍ. ولا يَجُوزُ اتخاذُ المَساجِدِ على القُبُورِ، لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَعَنَ الله اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مثلَ ما صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ تَخْصِيصَ القُبُورِ بالصلاةِ عندَها يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الأصْنامِ بالسُّجُودِ لها. وقد رُوِىَ أنَّ ابْتِداءَ عِبادَةِ الأَصْنامِ تَعْظِيمُ الأمْواتِ،. باتِّخاذِ صُوَرِهم، ومَسْحِها، والصلاةِ عندَها .
فصل: ويُسْتَحَبُّ خَلْعُ النِّعالِ لمَن دَخَل المَقَابرَ؛ لِما روَى بَشِيرُ بنُ الخَصاصِيَةِ، قال: بَيْنَا أنا أُماشِى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا رجلٌ يَمْشِى في القُبُورِ، عليه نَعْلان، فقالَ له: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَتّيْنِ ، أَلْقِ سِبْتِيَتّيْكَ». فنَظَرَ الرجلُ، فلَمّا عَرَف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَلَعَهما، - فرمَى بهما. رَواه أبو داودَ . قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ، [أذْهَبُ إليه].
وأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْن بذلك بَأْسًا. قال جَرِيرُ بنُ حازِمٍ: رَأَيْتُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، يَمْشِيان بينَ القُبُورِ بنِعالِهما. ومنهم مَن احْتَجَّ بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَيِّت إذا دُفِنَ، وتَوَلَّى عنه أصْحَابُه: «إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نعَالِهِم». رَواه البُخارِىّ .
وقال- الخَطّابِىُّ : يُشْبِهُ أن يَكُونَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كَرِه للرجلِ المَشْىَ في نَعْلَيْه؛ لِما فيه مِن الخُيَلاءِ،
فإنَّ نِعالَ السِّبْتِ مِن لِباسِ أهلِ التَّنَعَّمِ،
قال عَنْتَرَةُ :
* يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأمِ * ولَنا، أمْرُه عليه السَّلامُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ النَّدْبُ، ولأنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْن أقْرَبُ إلى الخُشُوعِ، وزِىِّ أهْلِ التَّواضُعِ، واحْتِرامِ أمْوَاتِ المُسْلِمِينَ. وإخْبارُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهم لا يَنْفِى الكَراهَةَ، إنَّما يَدُلّ على وُقوع هذا منهم، ولا نِزاعَ فيه.
فأمّا إن كان للماشِى عُذْرٌ يَمْنَعُه مِن الخَلْعِ؛ مِن شَوْكٍ يَخافُ منه على قَدَمَيْه، أو نَجاسَةٍ تَمَسُّهما، لم يُكْرَهِ المَشْىُ فيهما؛ لأنَّ العُذْرَ يَمْنَعُ الوُجُوبَ في بعضِ الأحْوالِ، فالاسْتِحْبابُ أوْلَى. ولا يَدْخُلُ في الاسْتِحْبابِ نَزْعُ الخِفافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أراد أن يَخْرُجَ إلى الجِنازَةِ لَبس خُفَّيْه، مع أمْرِه بخَلْعِ النِّعالِ.
فأمّا غيرُ النِّعالِ ممّا يُلْبَسُ كالتُّمُشْكَاتِ وغيرِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُخْلَعُ قِياسًا على النِّعالِ. والثانِى، أنَّ الكرَاهَةَ لا تَتَعَدَّى النِّعالَ. ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّ النَّهْىَ غيرُ مُعَلَّل، فلا يَتَعَدَّى مَحَلَّه.
فصل: والدَّفْنُ في مَقابِرِ المسلمين أعْجَبُ إلى أبى عبدِ اللهِ مِن الدَّفْنِ في البُيُوتِ؛ لأنَّه أقَلّ ضرَرًا على الأحْياءِ مِن الوَرَثةِ، وأشْبَهُ بمَساكنِ الآخِرَةِ، وأكْثَرُ للدُّعاءِ له، والتَّرَحُّمِ عليه. ولم يَزَل الصحابةُ والتّابِعُون ومَن بعدَهم يُقْبَرُون في الصَّحارَى.
فأمّا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنَّما قُبِر فِى بَيْتِه، قالَتْ عائشةُ: لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُه مَسْجِدًا. رَواه البُخارىُّ» .
ولأَّنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَدْفِنُ أصْحابَه في البَقِيعِ، وفِعْلُه أوْلَى مِن فِعْلِ غيرِه، وإنَّما أصحابُه رَأَوْا تَخْصِيصَه بذلك. ولأنَّه رُوِىَ:«يُدْفَنُ الأنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ». وصِيانَةً له عن كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وتَمْيِيزًا له عن غيرِه - صلى الله عليه وسلم -
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ في المَقْبَرَةِ التى يَكْثُرُ فيها الصّالِحُون؛ لتَنَالَه بَرَكَتُهم،
وكذلك في البِقاعِ الشَّرِيفَةِ. فقد رَوَى البُخَارِىُّ، ومسلمٌ ، أنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمّا حَضرَه المَوْتُ، سَأل الله تَعالَى أن يُدْنِيَه إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرِ.
فصل: وجَمْعُ الأقَارِبِ في الدَّفْنِ حسنٌ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ حَضَر عثمان بنَ مَظْعُونٍ: «أدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ ». ولأنَّه أسْهَلُ لزِيارَتِهم، وأكْثَرُ للتَّرَحُّمِ عليهم.
ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأبِ ثم مَن يَلِيه في السِّنِّ والفَضِيلَةِ إذا أمْكَنَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حيت قُتِل.
قال أحمدُ: أمّا القَتْلَى فعلى حديثِ جابِرِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِى مَصَارِعِهمْ».
وروَى ابنُ ماجه ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بقَتْلَى أُحُدٍ أن يُرَدُّوا إلى مَصارِعِهم. ولا يُنْقَلُ المَيِّتُ مِن بَلَدٍ إلى آخَرَ، إلَّا لغَرَض صَحِيح. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. قال عبدُ اللهِ بنُ أبى مُلَيْكَةَ: تُوُفِّىَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بكر بالحُبْشِى ، فحُمِلَ إلي مَكَّةَ، فدُفِنَ، فلَمّا قَدِمَتْ عائشةُ أتَتْ قَبْرَه، ثم قالَتْ: واللهِ لو حَضَرْتُك ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ،
ولو شَهِدْتُك ما زُرْتُك . ولأنَّ ذلك أخَفُّ لمُؤْنَتِه وأسْلَمُ له مِن التَّغْيِيرِ.
فأمّا إن كان فيه غَرَضٌ صحيحٌ جاز. قال أحمدُ: ما أعْلَمُ بنَقْلِ الرجلِ يَمُوتُ في بَلَدِه إلى بَلْدَةٍ أُخْرَى بَأْسًا. وسُئِل الزُّهْرىُّ عن ذلك، فقالَ: قد حُمِل سعدُ بنُ أبى وَقَّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ زيدٍ مِن العَقِيقِ إلى المَدِينَةِ.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ماتَ ابنُ عُمَرَ ههُنا، فأوْصَى أن لا يُدْفَنَ ههُنا،
وأن يُدْفَنَ بسَرِفٍ .
فصل: وإذا تَنازَعَ اثْنان مِن الوَرَثَةِ، فقالَ أحَدُهما: يُدْفَنُ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ.
وقال الآخرُ: يُدْفَنُ في مِلْكِه. دُفِن في الُمسَبَّلَةِ؛ لأنَّه لا مِنَّةَ فيها، وهو أقَلُّ ضرَرًا على الوارِثِ .
فإن تَشاحّا في الكَفَنِ، قُدِّمَ قولُ مَن قال نُكَفِّنُه مِن مِلْكِه؛ لأنَّ ضرَرَه على الوارِثِ بلُحُوقِ المِنَّةِ، وتَكْفِينُه مِن مالِه قَلِيلُ الضَّرَرِ. وسُئِل أحمد عن الرجلِ يُوصِى أن يُدْفَنَ في دارِه. قال: يُدْفَنُ في المَقابِرِ مع المسلمين،
وإن دُفِن بدارِه أضَرَّ بالوَرَثَةِ.
وقال: لا بأْسَ أن يَشتَرِىَ الرجلُ مَوْضِعَ قَبْرِه، ويُوصِىَ أن يُدْفنَ فيه، فَعَل ذلك عثمانُ، وعائشةُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ الله عنهم.
وإذا تَشاحَّ اثْنان في الدَّفْنِ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَةِ، قُدِّمَ أسْبَقُهما، كما لو تَنازَعا في مَقاعِدِ الأسْواقِ، ورِحابِ المَساجِدِ،
فإن تَساوَيا أُقْرِعَ بَيْنَهما.
فصل: وإن تَيَقَّنَ أنَّ المَيِّتَ قد بَلِىَ وصار رَمِيمًا، جاز نَبْشُ قَبْرهِ، ودَفْنُ غيرِه فيه.
وإن شَكَّ في ذلك رَجَع إلى قولِ أهلِ الخِبْرَةِ.
فإن حَفَر، فوَجَدَ فيها عِظامًا دَفَنَهَا، وحَفَر في مَكانٍ آخَرَ. نَصَّ عليه. واسْتَدلَّ بأنَّ كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَىٌّ. وسُئِل أحمدُ عن المَيِّتِ يُخْرَجُ مِن قَبْرِه إلى غيرِه. فقال: إذا كان شئٌ يُؤْذِيه، قد حُوِّلَ طَلْحَةُ، وحُوِّلَتْ عائشةُ. وسُئِل عن قَوْم دُفِنُوا في بَساتِينَ ومَواضِعَ رَدِيئَةٍ. فقالَ: قد نَبَش مُعاذ امرأتَه وقد كانَتْ كُفنَتْ في خُلْقَان، فكَفَّنَهَا. ولم يَرَ أبو عبدِ اللهِ - بَأْسًا أن يُحَوَّلُوا.
٨٠٧ -
(وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) وَتَزْوِيقُهُ وَتَحْلِيقُهُ؛ وَهُوَ بِدْعَةٌ (وَالْبِنَاءُ) عَلَيْهِ، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. لَاصِقَةً أَوْ لَا، لِقَوْلِ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبَّةِ وَالْبَيْتِ وَالْحَظِيرَةِ فِي مِلْكِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَيُكْرَهُ فِي صَحْرَاءٍ لِلضِّيقِ وَالتَّشَبُّهِ بِأَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَكَرِهَ فِي " الْوَسِيلَةِ " الْبِنَاءَ الْفَاخِرَ كَالْقُبَّةِ،
وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ مُلَاصِقٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْلِيمِهِ وَحِفْظِهِ دَائِمًا، فَهُوَ كَالْحَصْبَاءِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، أَوْ يَخُصُّ مِنْهُ،
وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا تَبَقَّى، وَالْمَنْقُولُ هُنَا الْمَنْعُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ عَمَّنِ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ لِغَيْرِهِ، قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حفر قَبْرٌ فِي مُسْبَلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِإِزَالَتِهِ.
وَقَالَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الصَّحْرَاءَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ؛ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يُتَّبَعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ، ذَكَرَهَا الْمَجْدُ. (وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (وَالْجُلُوسُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» . (وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْخَلَّالُ مَرْفُوعًا «لِأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ] أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» ،
وَفِي " الْكَافِي " إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى قَبْرِ مَنْ يَزُورُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ جَازَ لِلْحَاجَةِ (وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ رَأَى عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِهِ» .
مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْإِسْرَاجُ عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَلَا بَيْنَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
فَلَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عِنْدَهَا،
وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا،
وَيُسَنُّ خَلْعُهُ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
١ - فَصْلٌ يَسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا، وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، لِقَوْلِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ. رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالطَّبَرَانِيُّ. فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ،
وَلَا يُكْرَهُ. وَفِي تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ، وَسُؤَالِهِ، وَانْتِخَابُهُ النَّقِيَّ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسَ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ويُكْرَهُ تَجْصيصُه، والبِناءُ والكِتابَةُ عليه.
أمَّا تَجْصِيصُه، فمَكْروهٌ بلا خِلافٍ نعْلَمُه.
وكذا الكِتابَةُ عليه، وكذا تزْويقُه، وتخْليقُه، ونحوُه، وهو بِدْعَةٌ.
وأمَّا البِناءُ عليه، فمَكْروهٌ. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، سواءٌ لاصَقَ البِناءُ الأرْضَ أم لا، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: أطْلَقَه أحمدُ، والأصحابُ.
وقال صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمَجْدُ، وابنُ تَميمٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرُهم: لا بأْسَ بقُبَّةٍ وبَيْتٍ وحظيرةٍ فى مِلْكِه. وقدَّمه فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، لكنِ اخْتارَ الأوَّلَ.
وقال المَجْدُ: يُكْرَهُ ذلك فى الصَّحراءِ، للتَّضْييقِ والتَّشَبُّهِ بأبْنِيَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: ويُكْرَهُ إنْ كان فى مُسَبلَةٍ. قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُه الصَّحراءُ.
وقال فى «الوَسِيلَةِ»: يُكْرَهُ البِناءُ الفاخِرُ كالقُبَّةِ.
قال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُه لا بأْسَ ببِناءٍ.
وعنه، مَنْعُ البِناءِ فى وَقْفٍ عامٍّ.
وقال أبو حَفْص: تَحْرُمُ الحُجْرَةُ، بل تُهْدَمُ. وحرَّم الفُسْطاطَ أيضًا.
وكَرِهَ الإمامُ أحمدُ الفُسْطاطَ والخَيْمَةَ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: متى بنَى ما يخْتَصُّ به فيها، فهو غاصِبٌ.
وقال أبو المَعالِى: فيه تَضْيِيقٌ على المُسْلِمين، وفيه فى مِلْكِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إسْرافٌ وإضاعَةُ مالٍ. وقال فى «الفُصولِ»: القُبَّةُ والحظيرةُ والتُّرْبَةُ، إنْ كان فى مِلْكِه، فعَل ما شاءَ،
وإنْ كان فى مُسَبَّلَةٍ، كُرِهَ التَّضْييقُ بلا
فائدةٍ، ويكونُ اسْتِعْمالًا للمُسَبَّلَةِ فيما لم تُوضَعْ له.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.