وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن نَوَى الحاضِرُ صومَ يَوْمٍ، ثم سافَرَ في أثْنائِه، فله الفِطْرُ. وعنه، لا يُباحُ) إذا سافَرَ في أثْناءِ يَوْمٍ مِن رمضانَ، فهل له فِطْرُ ذلك اليومِ؟ فيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما، جَوازُ الفِطْرِ. وهو قولُ عَمْرِو ابنِ شُرَحْبِيلَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانيةُ، لا يُباحُ له فِطْرُ ذلك اليوم. وهو قولُ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، ويَحْيَى الأنْصارِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ،
فإذا اجْتَمَعا فيها غَلَب حُكْمُ الحَضَرِ، كالصلاةِ. ولَنا، ما روَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَداه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ.
قُلْتُ: ألستَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ رَواه أبو داودَ . ولأنَّه أحَدُ الأمْرَيْن المَنْصُوصِ عليهما في إباحَةِ الفِطْرِ،
فإذا وُجِد في أثْناءِ النَّهارِ أباحَه، كالمَرَضِ، وقِياسُهم على الصَّلاةِ لا يَصِحُّ،
فإنَّ الصومَ يُفارِقُ الصلاةَ؛ لأنَّ الصلاةَ يَلْزَمُ إتْمامُها بنِيَّتِها،
بخِلافِ الصومِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُباحُ له الفِطْرُ حتى يُخَلِّفَ البُيوتَ وراء ظَهْرِه، ويَخْرُجَ مِن بينِ بُنْيانِها.
وقال الحسنُ: يُفْطِرُ في بَيْتِه إن شاء يومَ يُرِيدُ الخُروجَ. ورُوِىَ نَحْوُه عن عَطاءٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ الحسنِ قولٌ شاذٌّ، وقد رُوِى عنه خِلافُه. ووَجْهُه ما روَى محمدُ بنُ كَعْبٍ، قال: أتَيْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ في رمضانَ، وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له راحِلَتُه، ولَبِس ثِيابَ السَّفَرِ، فدَعا بطَعام فأكَلَ، فَقُلْتُ له: سُنَّةٌ؟ فقالَ: سُنَّةٌ. ثم رَكِب. رَواه التِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. ولَنا، قولُه تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وهذا شاهِدٌ، ولا يُوصَفُ بكَوْنِه مُسافِرًا حتى يَخْرُجَ مِن البَلَدِ، ومَهْما كان في البَلَدِ فله أحْكامُ الحاضِرِين، ولذلك لا يَقْصُرُ الصلاةَ.
فأمّا أنَسٌ فيَحْتَمِلُ أنَّه كان بَرَز مِن البَلَدِ خارِجًا منه، فأتاه محمدُ بنُ كَعْبٍ في ذلك المَنْزِلِ.
١٠٥١ -
(وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا مَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَقَالَ: اقْتَرِبْ،
قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَكَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَالصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهَا، وَهِيَ آكَدُ لِأَنَّهَا مَتَى وَجَبَ إِتْمَامُهَا لَمْ يَقْصُرْ بِحَالٍ وَتَرْكُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ سَوَاءٌ سَافَرَ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَيُعَايَا بِهَا. وَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَافِرًا
وإنْ نَوَى الحاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ، ثم سافَرَ فى أثْنائِه، فله الفِطْرُ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، سواءٌ كان طَوْعًا أو كَرْهًا. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ، ولكنْ لا يُفْطِرُ قبلَ خُروجِه.
وعنه، لا يجوزُ له الفِطْرُ مُطْلَقًا. ونقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ نوَى السَّفَرَ مِنَ اللَّيْلِ، ثم سافَرَ فى أثْناءِ النَّهارِ، أفْطَرَ،
وإنْ نوَى السَّفَرَ فى النَّهارِ، وسافَرَ فيه، فلا يُعْجِبُنِى أنْ يُفْطِرَ فيه. والفَرْقُ أنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ مِنَ اللَّيْلِ تَمْنَعُ الوجُوبَ، إذا وُجِدَ السَّفَرُ فى النَّهارِ، فيكونُ الصِّيامُ قبلَه مُراعًى،
بخِلافِ ما إذا طرَأَتِ النِّيَّةُ والسَّفَرُ فى أثْناءِ النَّهارِ. قاله فى «القَواعِدِ».
وعنه، لا يجوزُ له الفِطْرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بجِماعٍ، ويجوزُ بغيرِه. فعلى المَنْعِ، لو وطِئَ وجَبَتِ الكفَّارَةُ، على الصَّحيحِ. وجعَلَها بعضُ الأصحابِ كمن نوَى الصَّوْمَ فى سفَرِه، ثم جامَعَ. على ما تقدَّم قرِيبًا. وعلى الجَوازِ، وهو المذهَبٌ، الأَفْضَلُ له أنْ لا يُفْطِرَ. ذكَرَه القاضِى، وابنُ عَقيلٍ، وابنُ الزَّاغُونِىِّ، وغيرُ هم. واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ اذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا،
وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
فيُعايَى بها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.