وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وقَضَتَا
الشروح عليها
مسألة: (والحامِلُ والمُرْضِعُ إذا خافَتا) الضَّرَرَ (على أنْفُسِهما، أفْطَرَتَا، وقَضَتا، وإن خافَتا على وَلَدَيْهما، أفْطَرَتا، وقَضَتا، وأطْعَمَتا عن كل يومٍ مِسْكِينًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الحامِلَ والمُرْضِعَ إذا خافَتا على أنْفُسِهما إذا صامَتا، فلهما الفِطْرُ، وعليهما القَضاءُ لا غيرُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهُما بمَنْزِلَةِ المَرِيضِ الخائِفِ على نَفْسِه.
وإن خافَتا على وَلَدَيْهِما، أفْطَرتا، وعليهما القَضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يومٍ. رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال اللَّيْثُ: الكَفّارَةُ على المُرضِعِ دُونَ الحامِلِ. وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ المُرْضِعَ يُمْكِنُها أن تَسْتَرْضِعَ لوَلَدِها،
بخِلافِ الحامِلِ، ولأنَّ الحَمْلَ مُتَّصِلٌ بالحامِلِ، والخَوْفُ عليه كالخَوْفِ على بعضِ أعضائِها.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا كَفّارَةَ عليهما؛ لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، رجلٌ مِن بنِى كَعْبٍ ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ، أوِ الصِّيَامَ». واللَّهِ لقد قالَهما رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَدَهما أو كِلَيْهما. رَواه النّسائِىُّ، والتِّرْمِذِيُّ .
وقال: حديثٌ حسنٌ. ولم يَأْمُرْ بكَفّارَةٍ، ولأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لعُذْرٍ فلم يَجِبْ به كَفّارَةٌ، كالفِطْرِ للمَرَضِ. ولَنا، قولُ الله تِعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. وهما داخِلَتان في عُمُوم الآيَةِ. قال ابنُ عباسٍ: كانت رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ والمرأةِ الكَبِيرَةَ، وهما يُطِيقان الصيامَ، أن يُفْطِرا، أو يُطْعِما مَكانَ كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، والحُبلَى والمُرْضِعُ إذا خافَتَا على أوْلادِهما أفْطَرَتا، وأَطْعَمَتا. رَواه أبو داودَ . ورُوِىَ ذلك عن ابنَ عُمَرَ ، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ.
ولأنَّه فِطْرٌ بسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ مِن طريقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفّارَةُ، كالشَّيْخِ الهِمِّ ، وخَبَرُهم لم يَتَعَرَّضْ للكَفّارَةِ، فكانت مَوْقُوفَةً على الدلِيلِ، كالقَضاءِ،
فإنَّ الحديثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا مِن هاتَيْن؛ لأنَّه يُفْطِرُ بسَبَبِ نَفْسِه. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الواجِبَ في طعامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعِ شَعِيرٍ. والخِلافُ فيه كالخِلافِ في إطعامِ المساكينِ في كَفّارَةِ الجِماعِ، على ما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه.
فصل: ويَجِبُ عليهما القَضاءُ مع الإِطْعامِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ: لا قَضاءَ عليهما؛ لأنَّ الآيَةَ تَناوَلَتْهما، وليس فيها إلَّا الِإطعامُ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ». ولَنا، أنَّهما يُطِيقانِ القضاءَ، فلَزِمَهما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيَةُ أوْجَبَتِ الإِطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ للقَضاءِ، وأخَذْناه مِن دَلِيلٍ آخَرَ. والمُرادُ بوَضْعِ الصومِ، وَضْعُه في مُدَّةِ عُذْرِهما, كما جاء في حديثِ عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ».
ولا يُشْبِهان الشيخَ الهِمَّ ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِران عليه. قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ. يَعْنِى، ولا أقولُ بقولِ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ في مَنْعِ القَضاءِ.
فصل: فإن عَجَزَتا عن الإِطْعامِ، سَقَط عنهما بالعَجْزِ، ككَفّارَةِ الوَطْءِ، بل السُّقُوطُ ههُنا أوْلَى؛ لوُجُودِ العُذْرِ. ذَكَره شيخُنا في «الكافِى».
وقِيلَ: لا يَسْقُطُ. وقد ذَكَرْناه.
وقال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: يَسْقُطُ ههُنا، ولا يَسْقُطُ عن الكَبِيرِ العاجِزِ، والمَرِيضِ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه؛ لأنَّهما بَدَلٌ عن نَفْسِ الصومِ، وتلك جُبْرانٌ لنَقْصِ الصوم. واللهُ أعلمُ.
١٠٥٢ -
(وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ) وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ، وَالْحَضَرِ،
فَإِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ،
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بِجِمَاعٍ لِآكَدِيَّتِهِ، فَعَلَى الْمَنْعِ يُكَفِّرُ مَنْ وَطِئَ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ كَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ جَامَعَ.
[صَوْمُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ] (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) الضَّرَرَ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) كُرِهَ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَيُجْزِئُ فَإِنْ (أَفْطَرَتَا وقَضَتَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ كَالْمَرِيضِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَلِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ
بِخِلَافِ الْكَبِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إِطْعَامَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ كَالْمَرِيضِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً
والحامِلُ والمُرضِعُ إذا خافَتا على أنْفُسِهما، أفْطَرَتا، وقَضَتا. يعْنِى، مِن غيرِ إطْعامٍ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم، وذكَرَ بعضُهم رِوايةً بالإِطْعامِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هو نصُّ أحمدَ فى رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ وصالحٍ، وذكَرَه وتأَوَّلَه القاضِى على خَوْفِها على وَلَدِها. وهو بعيدٌ. انتهى.
فائدة: يُكْرَهُ لهما الصَّوْمُ والحالَةُ هذه، قوْلًا واحِدًا.
قال: (والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا. وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً) .
أما كون الحال والمرضع إذا خافتا على أنفسهما تفطران فلأن ذلك بمنزلة المرض ولذلك لا كفارة عليهما؛ لأن الفطر لمرض لا كفارة فيه.
وأما كونهما يقضيان فلعموم قوله تعالى:{فعدة من أيام أخر}، وقياساً على المرض.
وأما كونهما إذا خافتا على ولديهما يفطران فلأن خوفهما خوف على آدمي أشبه خوفهما على أنفسهما.
وأما كونهما يقضيان فلما تقدم من الآية والقياس.
وأما كونهما يطعمان لكل يوم مسكينا فلأنهما يطيقان الصوم فيدخلان في عموم قوله تعالى:{وعلى الذين يُطِيقُونه فدية طعام مسكين}.
وقد رروي عن ابن عباس أنه قال:«نزلت رخصة للشيخ الكبير والحامل والمرضع».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.