وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ السَّبْتِ وَيَوْمُ الشَّكِّ وَيَوْمُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً
الشروح عليها
مسألة: (وأفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ شَهْرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ) وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ .
وقال: حديثٌ حسنٌ.
١٠٩٩ - مسألة: (ويُكْرَهُ إفْرادُ رَجَبٍ بالصومِ) قال أحمدُ: إن صام رجلٌ أفْطَرَ فيه يَوْمًا أو أيّامًا، بقَدْرِ ما لا يَصُومُه كلَّه. وذلك لِما روَى أحمدُ، بإسْنادِه عن خَرَشَةَ بنِ الحُرِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أكُفَّ المُتَرَجِّبِين، حتى يَضَعُوها في الطَّعامِ، ويقولُ: كُلُوا، فإنَّما هو شَهْرٌ كانت تُعَظِّمُه الجاهِلِيَّةُ . وبإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا رَأَى النّاسَ، وما يُعِدُّونَه لرَجَبٍ، كَرِهَه،
وقال: صُومُوا منه، وأفْطِرُوا . وعن ابنِ عباسٍ نحوُه، وبإسْنادِه عن أبي بَكْرَةَ، أنَّه دَخَل على أَهْلِهِ وعندَهم سِلالٌ جُدُدٌ وكِيزانٌ، فقالَ: ما هذا؟ فقالُوا: رَجَبٌ نَصُومُه. فقالَ: أجَعَلْتُمْ رَجَبًا رمضانَ، فأكْفَأَ السِّلالَ، وكَسَر الكِيزانَ. قال أحمدُ: مَن كان يَصُومُ السَّنَةَ صامَه، وإلَّا فلا يَصُومُه مُتَوالِيًا، بل يُفْطِرُ فيه، ولا يُشَبِّهُه برمضانَ. ١١٠٠ - مسألة: (و) يُكْرَهُ (إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ويَوْمِ السَّبْتِ، ويَوْمِ الشَّكِّ، ويَوْمِ النَّيْرُوزِ (١) ، والمِهْرَجانِ ، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصومِ، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، مثلَ مَن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، فيوافِقُ صومُه يومَ الجُمُعَةِ، أو مَن عادَتُه صَوْمُ أوَّلِ يومٍ مِن الشَّهْرِ أو آخِرِه، أو يومِ نِصْفِه ونحوِ ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ، قال: قيل لأبى عبدِ اللهِ: صِيامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ فذَكَرَ حديثَ النَّهْىِ أن يُفْرَدَ، ثمَّ قال: إلَّا أن يَكُونَ في صِيامٍ كان يَصُومُه،
أمَّا أن يُفْرَدَ فَلَا.
قال: قُلْتُ: رَجُلٌ كان يَصُومُ يومًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، فوَقَعَ فِطْرُه يومَ الخَمِيسِ، وصَوْمُه يومَ الجُمُعَةِ، وفِطْرُه يومَ السَّبْتِ، فصامَ الجُمُعَةَ مُفْرَدًا، فقالَ: هذا الآنَ لم يَتَعَمَّدْ صَوْمَه خاصَّةً، إنّما كُرِهَ أن يَتَعَمَّدَ الجُمُعَةَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُكْرَهُ إفْرادُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه يومٌ، فأَشْبَهَ سائِرَ الأَيَّامِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ:«لا يَصُومّنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًا بَعْدَهُ».
وقال محمدُ بنُ عَبَّادٍ: سَأَلْتُ جابِرًا: أنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صومِ يومِ الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عليهما . وعن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل عليها يومَ الجُمُعَةِ، وهي صائِمَةٌ فقالَ:«أصُمْتِ أمْسِ؟». قالت: لا. قال:«أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا؟». قالت: لا. قال:«فَأَفْطِرِى». رَواه البخارىُّ . وسُنَّةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَكْرُوهَ إفْرادُه؛
لأنَّ نَهْيَه مُعَلَّلٌ بكَوْنِها لم تَصُمْ أمْسِ ولا غَدًا.
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ السَّبْتِ بالصومِ. ذَكَرَه أَصحابُنا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ». قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ورُوِىَ أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ، عن أُخْتِه الصَّمَّاءِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ عِنَبٍ، أوْ عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ».
رَواه أبو داودَ . قال: اسمُ أخْتِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ أو جُهَيْمَةُ.
قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا صِيامُ يومِ السَّبْتِ يَنْفَرِدُ به، فقد جاء فيه حديثُ الصَّمّاءِ. والمَكْرُوهُ إفْرادُه،
فإن صام معه غيرَه لم يُكْرَهْ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجُوَيْرِيَةَ.
وإن وافَقَ صَوْمًا لإِنْسانٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما قَدَّمْناه.
فصل: ويُكْرَهُ صِيامُ يَوْمِ الشَّكِّ، وهو يَوْمُ الثَّلاثِينَ مِن شَعْبانَ إذا كانت السَّماءُ مُصْحِيَةً ولم يَرَوُا الهِلالَ، إلَّا أن يُوافِقَ صَوْمًا كان يَصُومُه، كمَن عادَتُه صومُ يَوْمٍ وفِطْرُ يومٍ، أو صومُ يَوْمِ الخَمِيسِ، أو صومُ آخِرِ يومٍ مِن الشَّهْرِ، وشِبْهُ ذلك، أو مَن صام قبلَ ذلك بأيّامٍ، فلا بَأْسَ بصومِه، لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رمضانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه . ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لقَوْلِ عَمّارٍ: مَن صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - . حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ، والمِهْرَجانِ بالصومِ. ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّهُما يَوْمان يُعَظِّمُهُما الكُفّارُ، فيَكُونُ تَخْصِيصُهما بالصِّيامِ دونَ غيرِهما مُوافَقَةً لهم في تَعْظِيمِهما، فكُرِهَ، كيومِ السَّبْتِ. وعلى قِياسِ هذا، كلُّ عِيدٍ للكُفّارِ، أو يومٍ يُفْرِدُونَه بالتَّعْظِيمِ، يُكْرَهُ إفْرادُه بالصومِ، لِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، فلا يُكْرَهُ؛ لما ذَكَرْنا في الفُصُولِ المُتَقَدِّمَةِ. فصل في الوِصالِ: وهو أن لا يُفْطِرَ بينَ اليَوْمَيْن أو الأَيّامِ بأكْلٍ وشُرْبٍ. وهو مَكْرُوهٌ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه كان يُواصِلُ اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: واصَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ، فواصَلَ الناسُ، فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فقالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ. فقالَ:«إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى». مُتَّفَقٌ عليه . وهذا يَقْتَضِى اخْتِصاصَه بذلك، ومَنْعَ إلْحاقِ غيرِه به، وقولُه:«إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» يَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ: إنِّي أُعانُ على الصيامِ، ويُغْنِيه اللهُ تعالى عن الشَّرابِ والطَّعامِ، بمَنْزِلَةِ مَن طَعِمَ وشَرِبَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: إنِّي أُطْعَمُ حَقِيقَةً، وأُسْقَي حَقِيقَةً، حَمْلاً للَّفْظِ على حَقِيقَتِه، والأوَّلُ أَظْهَرُ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لو طَعمَ وشَرِب حقِيقَةً لم يَكُنْ مُواصِلاً، وقد أقَرَّهُم على قَوْلِهم: إنَّكَ تُواصِلُ. والثانى، أنَّه قد رُوِىَ أنَّه قال:«إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّى وَيَسْقِينِى». وهذا يَقْتَضِى أنَّه في النَّهارِ،
ولا يَجُوزُ الأَكْلُ في النَّهارِ له ولا لغيرِه. إذا ثَبَت هذا،
فإنَّ الوِصالَ غيرُ مُحَرَّمٍ. وظاهِرُ قَوْلِ الشافعىِّ أنَّه حَرامٌ؛ لظاهِرِ النَّهْىِ. ولَنا، أنَّه تَرَك الأَكْلَ والشُّرْبَ المُباحَ، فلم يَكُنْ مُحَرَّمًا، كما لو تَرَكَه في حالِ الفِطْرِ،
فإن قِيلَ: فصومُ يومِ العِيدِ مُحَرَّمٌ مع كَوْنِه تَرْكًا للأَكْلِ والشُّرْبِ المُباحِ. قُلْنا: ما حُرِّمَ تَرْكُ الأَكْلِ والشُّرْبِ بنَفْسِه، وإنّما حُرِّمَ بنِيَّةِ الصومِ، ولهذا لو تَرَكَه مِن غيرِ نِيَّةِ الصومِ لم يَكُنْ مُحَرَّمًا.
وأمَّا النَّهْىُ، فإنَّما أتَى به رَحْمَةً لهم، ورِفْقًا بهم؛ لِما فيه مِن المَشَقَّةِ عليهم. كما نَهَى عبدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن صِيامِ النَّهارِ وقِيامِ اللَّيْلِ، وعن قِراءَةِ القُرآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ. وقالت عائشةُ: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ رَحْمَةً لهم . وهذه قَرِينَةٌ صارِفَةٌ عن التَّحْرِيمِ، ولهذا لم يَفْهَمْ منه أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّحْرِيمَ؛ بدَلِيلِ أنَّهُم واصَلُوا بَعْدَه،
ولو فَهِمُوا منه التَّحْرِيمَ لَما فَعَلُوه. قال أبو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فلمّا أبَوْا أن يَنْتَهُوا، واصَلَ بهم يومًا ويَوْمًا، ثمَّ رَأَوُا الهِلالَ، فقالَ:«لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ»، كالمُنَكِّلِ لهم حينَ أَبَوْا أن يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عليه .
فإن واصَلَ إلى السَّحَرِ جازَ؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:«لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ إلَى السَّحَرِ». أَخْرَجَه البخاريُّ . وتَعْجِيلُ الفِطْرِ أَفْضَلُ لِما قَدَّمْناه. فصل في صومِ الدَّهْرِ: روَى أبو قَتادَةَ، قال: قِيلَ يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَن صام الدَّهْرَ؟ قال:«لَا صَامَ، وَلَا أفْطَرَ، أوْ لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِرْ». قال التِّرْمِذِىُّ : هذا حديثٌ حسنٌ. وعن أبي موسى، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ».
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: فَسَّرَ مُسَدَّدٌ حَدِيثَ أبى موسى: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» فلا يَدْخُلُها، فضَحِكَ،
وقال: مَن قال هذا؟ وأين حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَرِه ذلك، وما فيه مِن الأحادِيثِ؟ قال أبو الخَطّابِ: إنَّما يُكْرَهُ إذا أدْخَلَ فيه يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا أفْطَرَ يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ رَجَوْتُ أن لا يَكُونَ بذلك بَأْسٌ. وَرُوِىَ نَحْوُ هذا عن مالكٍ، وهو قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ جَماعَةً مِن الصحابَةِ كانُوا يَسْرُدُون الصومَ، منهم أبو طَلْحَةَ، قِيلَ: إنَّه صام بعدَ مَوْتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أرْبَعِين سَنَةً.
قال شيخُنا : ويَقْوَى عِنْدِى أنَّ صومَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ،
وإن لم يَصُمْ هذه الأيّامَ،
فإن صامَها فقد فَعَل مُحَرَّمًا، وإنّما كُرهَ صومُ الدَّهْرِ؛ لما فيه مِن المَشَقَّةِ والضَّعْفِ وشِبْهِ التَّبَتُّلِ المَنْهِىِّ عنه؛ لأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعبدِ اللهِ ابنِ عَمْروٍ:«إنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ!»
قُلْتُ: نعم. قال: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ لَهُ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». وذَكَر الحَدِيثَ. رَواه البخارىُّ .
فصل: ويُكْرَهُ اسْتِقْبالُ رمضانَ باليومِ واليَوْمَيْن؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عليه . وما وافَقَ مِن هذا كُلِّه عادَةً فلا بَأْسَ؛ لهذا الحَدِيثِ، وقد دَلَّ هذا الحَدِيثُ بمَفْهُومِه على جَوازِ التَّقَدُّمِ بأكْثَرَ مِن يَوْمَيْن. ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فأمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ».
وهذا حديثٌ حسنٌ. فيُحْمَلُ الأَوَّلُ على الجَوازِ، وهذا على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، جَمْعًا بينَهما.
١١٠١ -
(وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَفِيهِ دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ، وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ،
فَلَوْ أَفْطَرَ مِنْهُ أَوْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا، وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي " الْإِرْشَادِ " (وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» .
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ (وَيَوْمُ السَّبْتِ) ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. . . . فَذَكَرَهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إِفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآجُرِّيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الشُّذُوذِ، أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، (وَيَوْمُ الشَّكِّ) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَهُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَلَمْ يَتَرَاءَ النَّاسُ الْهِلَالَ،
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ: أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، قَالَ: أَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ صَوْمُهُ،
وَقِيلَ: يَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَلَا يَصِحُّ اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ: لِلنَّهْيِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى صَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ،
وَلَا يُكْرَهُ مَعَ عَادَةٍ أَوْصَلَتْهُ بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ وِفَاقًا، وَبَعْدَهُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَلَا عَنْ وَاجِبٍ لِجَوَازِ النَّفْلِ الْمُعْتَادِ فِيهِ كَغَيْرِهِ،
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ صَوْمُهُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ لِلشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. (وَ) يُكْرَهُ (يَوْمُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) هُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ شَهْرِ الرَّبِيعِ، وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ عَشَرَ مِنَ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ مِنْ تَعْظِيمِهِمَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُ بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ صَوْمُ كُلِّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ (إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) هُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا بَعْدَهُ؛
لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ الْوِصَالُ وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الْأَيَّامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُبَاحٌ لَهُ،
وَلَا يُكْرَهُ إِلَى السَّحَرِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى.
ويُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بالصَّوْمِ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به كثيرٌ منهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وحكَى الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ في تحْريمِ إفْرادِه وَجْهَيْن.
قال في «الفُروعِ»: ولعَلَّه أخَذَه مِن كراهَةِ أحمدَ.
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُكْرَهُ إِفْرادُ غيرِ رجَبٍ بالصَّوْمِ، وهو صحيحٌ لا نِزاعَ فيه. قال المَجْدُ: لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فائدتان؛ إحداهما، تزُولُ الكراهَةُ بالفِطْرِ مِن رَجَبٍ،
ولو يَوْمًا، أو بصَوْمِ شَهْرٍ آخرَ مِنَ السَّنَةِ.
قال المَجْدُ: وإنْ لم يَلِهِ. الثَّانيةُ،
قال في «الفُروعِ»: لم يذْكُرْ أكثرُ الأصحابِ اسْتِحْبابَ صوْمِ رَجَبٍ وشَعْبانَ. واسْتَحَبَّه ابنُ أبي مُوسَى وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ السَّبْتِ، وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، إِلَّا أَنْ يُوافِقَ عَادَةً.
في «الإِرْشَادِ». قال ابنُ الجَوْزِىِّ، في كتابِ «أَسْبَابِ الهِدَايَةِ»: يُسْتَحَبُّ صوْمُ الأشْهُرِ الحُرُمِ وشَعْبانَ كلِّه. وهو ظاهرُ ما ذكَرَه المَجْدُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»،
وقال: آكدُ شَعْبانَ يَوْمُ النِّصْفِ. واسْتَحَبَّ الآجُرِّىُّ صوْمَ شَعْبانَ، ولم يذْكُرْ غيرَه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه نِزاعٌ؛ قيل: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رجَبٍ وشَعْبانَ.
وقيل: يُكْرَهُ، فيُفْطِرُ ناذِرُهما بعضَ رَجَبٍ. وإِفْرَادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ. يعْنِي، يُكْرَهُ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ، ونصَّ عليه. قال المَجْدُ: لا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقال الآجُرِّىُّ: يَحْرُمُ صَوْمُه. ونقَل حَنْبَلٌ، لا أُحِبُّ أنْ يَتَعَمَّدَه . قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا يجوزُ صَوْمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يوْمِ الجُمُعَةِ. وحكَاه في «الرِّعايَةِ» وَجْهًا. ويَوْمِ السَّبْتِ. يعْنِي، يُكْرَهُ إفْرادُ يوْمِ السَّبْتِ بالصَّوْمِ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أنَّه لا يُكْرَهُ صِيامُه مُفْرَدًا، وأنَّه قوْلُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثرِ العُلَماءِ، وأنَّه الذي فَهِمَه الأَثْرَمُ مِن رِوايَتِه،
وأنَّ الحَدِيثَ شاذٌّ أو مَنْسُوخٌ.
وقال: هذه طرِيقَةُ قُدَماءِ أصحابِ الإِمامِ أحمدَ الذين صَحِبُوه؛ كالأَثْرَمِ، وأبى داوُدَ،
وأنَّ أكثرَ أصحابِنا فَهِمَ مِن كلامِ الإمامِ أحمدَ الأخْذَ بالحدِيثِ. انتهى. ولم يذْكُرِ الآجُرِّىُّ كراهةَ غيرِ صَوْمِ يوْمِ الجُمُعَةِ، فظاهِرُه، لا يُكْرَهُ غيرُه. ويَوْمِ الشَّكِّ. يعْنِي، أنَّه يُكْرَهُ صَوْمُه. واعلمْ أنَّه إذا أرادَ أنْ يصُومَ يومَ الشَّكَّ؛ فَتارَةً يصُومُه لكَوْنِه وافَق عادَتَه، وتارَةً يصُومُه موْصُولاً قبلَه، وتارةً يصُومُه عن قَضاءِ فَرْضٍ، وتَارَةً يصُومُه عن نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أو مُطْلَقٍ، وتارةً يصُومُه بِنيَّةِ الرَّمَضانيَّةِ احْتِياطًا، وتارةً يصُومُه تطَوُّعًا مِن غيرِ سبَبٍ، فهذه سِتُّ مَسائِلَ؛
إحْداها، إذا وافَق صَوْمُ يوْمِ الشَّكِّ عادَتَه، فهذا لا يُكْرَهُ صَوْمُه، وقد اسْتَثْناه المُصَنِّفُ في كلامِه بعدَ ذلك. الثَّانيةُ، إذا صامَه موْصُولاً بما قبلَه مِنَ الصَّوْمِ،
فإنْ كان موْصُولاً بما قبلَ النِّصْفِ، فلا يُكْرَهُ، قوْلاً واحدًا،
وإنْ وَصَلَه بما بعدَ النِّصْفِ، لم يُكْرَهْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيلَ: يُكْرَهُ. ومَبْناهما على جَوازِ التَّطَوُّعِ بعدَ نِصْفِ شَعْبانَ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يُكْرَهُ، ونصَّ عليه، وإنَّما يُكْرَهُ تقَدُّمُ رَمَضانَ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن.
وقيل: يُكْرَهُ بعدَ النِّصْفِ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن». وأطْلقَهما في «الحاوِيَيْن». ومالَ صاحِبُ «الفُروعِ» إلى تحْريمِ تقَدُّمِ رَمَضانَ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن. الثَّالثةُ، إذا صامَه عن قَضاءِ فَرْضٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يُكْرَهُ.
وعنه، يُكْرَهُ صَوْمُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَضاءً. جزَم به الشِّيرَازِىُّ في «الإيضَاحِ»، وابنُ هُبَيْرَةَ فى «الإِفْصَاحِ»، وصاحِبُ «الوَسِيلَةِ» فيها.
قال في «الفُروعِ»: فيتَوَجَّهُ طَرْدُه في كلِّ واجِبٍ للشَّكِّ في بَزاءَةِ الذِّمَّةِ. الرَّابعةُ، إذا وافَق نَذْرٌ مُعَيَّنٌ يوْمَ الشَّكِّ، أو كان النَّذْرُ مُطْلَقًا، لم يُكْرَهْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صَوْمُه، قوْلًا واحدًا. الخامسةُ، إذا صامَه بنِيَّةِ الرَّمَضانِيَّةِ احْتِياطًا، كُرِهَ صَوْمُه. ذكَرَه المَجْدُ وغيرُه، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ». السَّادسةُ، إذا صامَه تَطوُّعًا مِن غيرِ سبَبٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، يُكْرَهُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، كما قطَع به المُصَنِّفُ هنا.
قال في «الكَافِى»: قالَه أصحابُنا. قال الزَّرْكَشِىُّ: هو قوْلُ القاضى، وأبى الخَطَّابِ، والأكْثَرِين. قال المَجْدُ: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ رَحِمَه اللهُ.
وقيل: يَحْرُمُ صَوْمُه، فلا يصِحُّ. وهو احْتِمالٌ في «الكَافِى»، ومالَ إليه فيه. واخْتارَه ابنُ البَنَّا، وأبو الخَطَّابِ في «عِباداتِه الخَمْسِ»، والمَجْدُ، وغيرُهم. وجزَم به ابنُ الزَّاغُونِىِّ وغيرُه. ومالَ إليه في «الفُروعِ». وهما رِوايَتان في «الرِّعايَةِ».
وعنه، لا يُكْرَهُ صَوْمُه. حكَاه الخَطَّابِىُّ عنِ الإِمامِ أحمدَ. السَّابعةُ، يوْمُ الشَّكِّ هو يَوْمُ الثَّلاثِين مِن شَعْبانَ، إذا لم يكُنْ في السَّماءِ عِلَّةٌ ليْلَةَ الثَّلاثِين، ولم يتَراءَ النَّاسُ الهِلالَ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال القاضى، وأكثرُ الأصحابِ: أو شَهِدَ به مَن رُدَّتْ شَهادَتُه. قال القاضى: أو كان في السَّماءِ عِلَّةٌ، وقلنا: لا يجِبُ صَوْمُه. ويَوْمِ النَّيْرُوزِ والمِهْرَجانِ. يعْنِي، يُكْرَهُ صَوْمُهما. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. واخْتارَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
المَجْدُ أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّهم لا يُعَظِّمُونَهما بالصَّوْمِ.
فوائد؛ منها، قال المُصَنِّفُ، والمَجْدُ،
ومَن تَبِعَهما: وعلى قياسِ كَراهَةِ صَوْمِهما كُلُّ عيدٍ للكُفَّارِ، أو يوْمٍ يُفْرِدُونَه بالتَّعْظيمِ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا يجوزُ تَخْصِيصُ صَوْمِ أعْيادِهم. ومنها، النَّيْروزُ والمِهْرَجانُ، عِيدان للكُفَّارِ. قال الزَّمَخْشَرِىُّ : النَّيْرَوزُ؛ الشَّهْرُ الثَّالثُ مِن شُهُورِ الرَّبيعِ، والمِهْرَجانُ؛ اليومُ السَّابعُ مِنَ الخَريفِ. ومنها، يُكْرَهُ الوِصَالُ؛ وهو أنْ لا يُفْطِرَ بينَ اليَوْمَيْن فأكثرَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيلَ: يَحْرُمُ. واخْتارَه ابنُ البَنَّا. قال الإمامُ أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأوْمَأَ إلى إباحَتِه لمَن يُطِيقُه. وتزُولُ الكراهَةُ بأَكْلِ تَمْرَةٍ ونحوِها،
وكذا بمُجَرَّدِ الشُّرْبِ، على ظاهرِ ما رَواه المَرُّوذِىُّ عنه.
ولا يُكْرَهُ الوِصالُ إلى السَّحَرِ. نصَّ عليه، ولكنْ ترَك الأوْلَى، وهو تَعْجِيلُه الفِطْرَ. ومنها، هل يجوزُ لمَن عليه صَوْمُ فَرْضٍ أنْ يتَطَوَّعَ بالصَّوْمِ قبلَه؟ فيه رِوايَتان. وأطْلقَهما في «الهِدَايَةِ»، و «المُغْنِي»، والمَجْدُ في «شَرْحِه»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»؛ إحداهما، لا يجوزُ،
ولا يصِحُّ. وهو المذهبُ، نصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
وقال في «الحاوِيَيْن»: لم يصِحَّ في أصحِّ الرِّوايتَيْن. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الإفادَاتِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ،
ويصِحُّ. قدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «النَّظْمِ». قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةَ عَشرَةَ»: جازَ على الأصَحِّ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. فعلى المذهبِ، وهو عدمُ الجَوازِ، فهل يُكْرَهُ القَضاءُ في عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، أم لا يُكْرَهُ؟ فيه رِوايَتان. وأطْلقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «الفَائقِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ الكَراهَةِ. وهذه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطَّريقَةُ هى الصَّحيحَةُ، وهى طريقةُ المَجْدِ في «شَرْحِه»، وتابعَه في «الفُروعِ».
وقال: هذه الطَّريقةُ هى الصَّحيحَةُ. قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»: وهذا أقْوَى عندِى.
قال في «الفُروعِ»: لأنَّا إذا حرَّمْنا التَّطَوُّعَ قبلَ الفَرْضِ، كان أبْلَغَ مِنَ الكراهَةِ، فلا يَصِحُّ تَفْرِيعُها عليه. انتهى. ولنا طريقةٌ أُخْرَى، قالَها بعضُ الأصحابِ، وهي إنْ قُلْنا بعَدَمِ جَوازِ التَّطَوُّعِ قبلَ صَوْمِ الفَرْضِ، لم يُكْرَهِ القَضاءُ في عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، بل يُسْتَحَبُّ؛ لِئَلَّا يخْلُوَ مِنَ العِبادَةِ بالكُلَّيَّةِ.
وإنْ قُلْنا بالجَوازِ، كُرِهَ القَضاءُ فيها؛ لتَوْفيرِها على التَّطَوُّعِ؛ لبيانِ فَضْلِه فيها مع فَضْلِ القَضاءِ.
قال في «المُغْنِى»: قالَه بعضُ أصحابنا.
وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»: ويُباحُ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَىِ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، قَضاءُ رَمَضانَ في عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ. وعنه، يُكْرَهُ.
وقال في «الكُبْرَى» أيضًا: ويَحْرُمُ نفْلُ الصَّوْمِ قبلَ قَضاءِ فَرْضِه لحُرْمَتِه. نصَّ عليه.
وعنه، يجوزُ.
فائدة: لو اجْتَمعَ ما فُرِضَ شَرْعًا ونَذْرٌ، بُدِئَ بالمَفْروضِ شَرْعًا، إنْ كان لا يخافُ فَوْتَ المَنْذورِ،
وإنْ خِيفَ فَوْتُه، بُدِئَ به، ويَبْدَأُ بالقَضاءِ أيضًا إنْ كان النَّذْرُ مُطْلَقًا.
قال: (ويكره إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان إلا أن يوافق عادة) .
أما كون إفراد رجب بالصوم يكره إذا لم يوافق عادة فلما روي عن خرشة قال:«رأيت عمر يضرب أكف الناس حتى يضعوها في الطعام -يعني في رجب- ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه. ثم يقول: صوموا منه وأفطروا».
ولأن في صومه كله تشبيهاً برمضان.
وأما كون إفراد يوم الجمعة بالصوم يكره كما تقدم فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده» متفق عليه.
وأما كون إفراد يوم السبت بالصوم يكره كما تقدم فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
فإن قيل: هذا لا يختص بالإفراد؟ .
قيل: قد تقدم في حديث أبي هريرة ما يدل عدم كراهية صومه مع غيره فتعين حمل هذا الحديث على صومه مفرداً.
وأما كون صوم يوم الشك وهو الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان يكره كما تقدم فلما روى عمار:«من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم».
وقد قيل: أنه حرام كذلك.
وأما كون صوم يوم النيروز والمهرجان يكره كما تقدم فلأنهما من أعياد الكفار ففي صومهما تعظيم لهما وتشبيه بأهلهما في التعظيم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يوافق عادة له فعائد إلى صوم يوم الجمعة وإلى المهرجان. وإنما لم يكره إذا كان له عادة بصوم ذلك الزمن لأن العادة لها أثر في مثل ذلك وقد دل عليه قوله عليه السلام:«لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.