وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا
الشروح عليها
مسألة: (وإنْ باعَه مِن الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّ «مِن» للتَّبْعِيضِ، و «كُلَّ» للعَدَدِ، فَيَكُونُ ذلك العَدَدُ منها مَجْهُولًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ، بناءً على قَوْلِه في الإِجَارَةِ إذا أجَرَه كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو الأَشْبَهُ. كالمَسْأَلَةِ التى قَبْلَها؛ لأنَّ «مِن» وإنْ أُعْطِيَتِ البَعْضَ، فما هو بَعْضٌ مَجْهُولٌ، بل قد جَعَلَ لكُلِّ جُزْءٍ مَعْلُومٍ منها ثَمَنًا مَعْلُومًا، فهو كما لو قال: قَفِيزًا منها. وكمسألةِ الإِجارَةِ.
فصل: وإن قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا، أو أنْقُصَكَ قَفِيزًا. لم يَصِح؛ لأنَّه لا يَدْرِى أَيَزِيدُه أم يُنْقِصُه.
وإنْ قال: على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَجْهُولٌ.
وإنْ قال: على أَنْ أزِيدَك قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ الأُخْرَى. أو وَصَفَهُ بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتُك هذه الصُّبْرَةَ، وقَفِيزًا مِن هذه الأُخْرَى بعَشَرَةِ دَراهِمَ.
وإنْ قال: على أن أنْقُصَك قَفِيزًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا قَفِيزًا، كُلَّ قَفِيزٍ بدرهم وشئٍ مَجْهُولٍ.
ولو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ على أَنْ أزيدَك قَفِيزًا من هذهِ الصُّبْرَةِ الأُخْرَى. لم يَصِحَّ؛ لإِفْضَائِه إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في التَّفْصيلِ، لأنَّه يَصِير قَفِيزًا وشَيْئًا بدِرْهَمٍ، وهما لا يَعْرفَانِه؛ لعَدَمِ مَعْرِفَتِهما بكمِّيَّةِ ما في الصُّبْرَةِ مِن القفْزَانِ.
ولو قَصَدَ أنِّى أحُطُّ ثَمَنَ قَفِيزٍ مِن الصُّبْرَةِ، ولا أحْتَسِبُ به، لم يَصِحَّ؛ للجَهَالَةِ التى ذَكَرْنَاها.
وإن عَلِمَا قَدْرَ قُفْزَانِ الصُّبْرَةِ، أو قال: هذه عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بِعْتُكَهَا، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ أزيدَكَ قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ. أو وَصَفَه بصِفَةٍ يُعْلَمُ بها، صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ بعْتكَ كُلَّ قَفِيزٍ وعُشْرَه بدِرْهَمٍ.
وإنْ لم يُعْلَمِ القَفِيزُ ، أو جَعَلَه هِبَةً، لم يَصِحَّ.
وإنْ أَرادَ أنِّى لا أحْتَسِبُ عليك بثَمَنِ قَفِيزٍ منها، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّهما لَمّا عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ، عَلِمَا ما يَنْقُصُ مِن الثَّمَنِ.
ولو قال: على أَنْ أنقُصَكَ قَفِيزًا. صَحَّ؛ لأنَّ مَعْناهُ: بِعْتكَ تِسْعَةَ أقْفِزَةٍ بعَشَرَةِ دَراهِمَ. وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ، أنَّه يَصِحُّ في جَمِيعِ المَسَائِلِ، على قِياسِ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه يُجيزُ الشَّرْطَ الواحِدَ .
ولا يَصِحُّ ما قالَه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَجْهُولٌ، فلا يَصِحُّ بَيْعُه،
بخِلافِ الشَّرْطِ الذى لا يُفْضِى إلى الجَهَالَةِ. وما لا تَتَساوَى أجْزَاؤُه؛ كالأَرْضِ، والثَّوْبِ، والقَطِيعِ مِن الغَنَمِ، فيه نحوٌ مِن مَسائِلِ الصُّبْرَةِ.
وإنْ قال: بِعْتُك هذه الأرْضَ -أو: هذه الدَّارَ. أو: هذا الثَّوْبَ. أو: هذا القَطِيعَ- بأَلْفِ دِرْهَمٍ. صَحَّ إذا شَاهَدَاه.
وإنْ قال: بِعْتُكَ نِصْفَه -أو: ثُلُثَه. أو: رُبْعَه- بكَذا. صَحَّ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ مِن الثَّوْبِ كُلَّ ذِرَاعٍ بدِرْهَمٍ. أو: مِن القَطِيعِ، كُلَّ شاةٍ بدِرْهَمٍ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
فصل: ويَصِحُّ بَيعُ الصُّبْرَةِ جُزافًا مع جَهْلِ المُتَبايِعَيْنِ بِقَدْرِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وقد نصَّ عليه أحمدُ. ودَلَّ عليه حَدِيثُ ابنِ عمرَ، وهو قَوْلُه: كُنّا نَشْتَرِى الطَّعامَ مِن الرُّكْبَانِ جُزَافًا، فِنَهَانَا رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ نَبِيعَه حتَّى نَنْقُلَه مِن مكانِه. مُتَّفَقٌ عليه . ولأَنَّه مَعْلُومٌ بالرُّؤْيَةِ، فَصَحَّ بَيْعُه، كالثِّيَابِ، والحَيَوانِ. ولا يضُرُّ عَدَمُ مُشَاهَدَةِ باطِنِ الصُّبْرَةِ،
فإنَّ ذلك يَشُقُّ؛ لكَوْنِ الحَبِّ بَعْضُه على بَعْضٍ، ولا يُمْكِنُ بَسْطُها حَبَّةً حَبَّةً، ولأنَّ الحبَّ تَتَسَاوَى أجْزَاؤُه في الظاهِرِ، فاكْتُفِىَ برُؤْيَةِ ظاهِرِه،
بخِلافِ الثَّوْبِ، فإنَّ نَشْرَه لا يَشُقُّ، وتَخْتَلِفُ أجْزَاؤُهُ، ولا يَحْتَاجُ إِلى مَعْرِفَةِ قَدْرِها مع المُشَاهَدَةِ؛ لأنَّه عَلِمَ ما اشْتَرَى بأبْلَغِ الطُّرُقِ، وهو الرُّؤْيَةُ.
وكذلك لو قال: بِعْتُكَ نِصْفَ هذه الصُّبْرَةِ. أو: جُزْءًا منها مَعْلُومًا. لأَنَّ ما جازَ بَيْعُ جُمْلَتِه، جازَ بَيْعُ بَعْضِه، كالحَيَوانِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: ولا يَصِحُّ هذا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّبْرَةُ مُتَسَاوِيَةَ الأَجْزَاءِ،
فإن كانت مُخْتَلِفَةً، مثلَ صُبْرَةِ بَقَّالِ القَرْيةِ، لم يَصِحَّ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لأنَّه يَشْتَرِى منها جُزْءًا مُشاعًا، فيَسْتَحِقُّ مِن جَيِّدِها ورَدِيئها بقِسْطِه. ولا فَرْقَ بينَ الأَثْمانِ والمُثْمَنَاتِ في صِحَّةِ بَيْعِها جُزَافًا.
وقال مالِكٌ: لا يَجُوزُ في الأَثْمانِ؛ لأنَّ لها خَطَرًا, ولا يَشُقُّ وَزْنُها ولا عَدَدُها، فأَشْبَهَ الرَّقِيقَ، الثِّيابَ. ولَنا، أَنَّه مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، فأشْبَهَ المُثْمَنَاتِ والنُّقْرَةَ والحَلْىَ.
ويَبْطُلُ بذلك ما قَالَه. وأمّا الرَّقِيقُ، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُهم إذا شاهَدَهُم ولم يَعُدَّهُم،
وكذلك الثِّيَابُ إذا نَشَرَها ورَأَى جَمِيعَ أَجْزَائِها.
فصل: فإنْ كان البائِعُ يَعْلَمُ قَدْرَ الصُّبْرَةِ، لم يَجُزْ بَيْعُها جُزَافًا. نَصَّ عليه أحْمَدُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ. وكَرِهَهُ عطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ. وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ. قال مالِكٌ: لم يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ يَنْهَوْنَ عن ذلك. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ، فقد رَوَى بكرُ بنُ محمدٍ، عن أبِيهِ، عنه، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، وقد عَرَفَ كَيْلَه. فقلتُ له: إنّ مالِكًا يقولُ: إذا باعَ الطّعَامَ ولم يَعْلَمِ المُشْتَرِى،
فإنِ اخْتَارَ أَنْ يَرُدَّه رَدَّهُ. قال: هذا تَغْلِيطٌ شَدِيدٌ، ولكنْ لا يُعْجِبُنِى إذا عَرَفَ كَيْلَه، إلَّا أَنْ يُخْبِرَه،
فإنْ باعَه، فهو جائِزٌ عليه، وقد أساءَ. ولم يَرَ أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ بذلك بأْسًا؛ لأنَّه إذا جازَ البَيْعُ بيع جَهْلِهما بمقْدارِه فمع العِلْمِ مِن أحَدِهما أوْلَى. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَى الأَوْزَاعِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن عَرَفَ مَبْلَغَ شَئٍ فلا يَبعْه جُزافًا حتَّى يُبَيِّنهُ» . قال القاضى: وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطعام مُجازَفَةً، وهو يَعْلَمُ كَيْلَه . وأيضًا الإِجْماعُ الذى نَقَلَه مالِكٌ.
ولأنَّ البائِعَ لا يَعْدِلُ إلى البَيْعِ جُزَافًا مع عِلْمِه بقَدْرِ الكَيْلِ، إلَّا للتَّغْرِيرِ ظَاهِرًا، وقد قال عليه السّلامُ:«مَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا». فصارَ كتَدْلِيسِ العَيْبِ .
فإنْ باعَ ما عَلِمَ كَيْلَه صُبْرَةً، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ لازِمٌ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشافِعِىِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ لهما, لا تَغْرِيرَ مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو عَلِمَا كَيْلَه أو جَهِلاهُ. ولم يَثْبُتْ ما رُوِى مِن النَّهْى فيه، وإنَّما كَرِهَه أحمدُ كراهَةَ تنزِيهٍ؛ لاخْتِلافِ العُلَماءِ فيه. ولأنَّ تَسْويَتَهما في العِلْمِ والجَهْلِ أبعدُ مِن التَّغْرِيرِ.
وقال القاضِى وأصحاِبُه: هذا بمنزِلَةِ التَّدْلِيسِ والغِشِّ، إن عَلِمَ به المُشْتَرِى فلا خيارَ له؛ لأَنَّه دَخَلَ على بصيرَةٍ، فهو كمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً، يَعلَمُ تَصْرِيَتَها.
وإن لم يَعْلَمْ أنَّ البائِعَ كِان عالِمًا بذلك، فله الخِيارُ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ. وهذا قولُ مالِكٍ؛ لأَنَّه غِشٌّ وغَرَرٌ مِن البائِعِ، فصَحَّ العَقْدُ معه، ويَثْبُتُ للمُشْتَرِى الخِيارُ. وذَهَبَ بعضُ أصحابِه إلى أنَّ البَيْعَ فاسِدٌ، والنَّهْىَ يَقْتَضِى الفَسَادَ.
فصل: فإنْ أخْبَرَهُ البائِعُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ بذلك الكَيْلِ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ.
فإنْ قَبَضَه باكْتِيَالِه، تمَّ البَيْعُ والقَبْضُ،
وإنْ قَبَضَه بغيرِ كَيْلٍ، كان بمَنْزِلَةِ قَبْضِه جُزَافًا؛ إن كان المَبِيعُ باقِيًا كَالَه عليه،
فإنْ كان قدْرَ حَقِّهِ الذى أَخْبَرَه، فقد اسْتَوْفاهُ،
وإنْ كان زائِدًا رَدَّ الفَضْلَ،
وإنْ كان ناقِصًا أخَذَ النَّقْصَ،
وإنْ كان قد تَلِفَ فالقَوْلُ قَوْلُ القابِضِ [في قَدْرِه] مع يَمِينِه، سواءٌ قَلَّ القَبْضُ أو كثُرَ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ وبقاءُ الحَقِّ. وليس للمُشْتَرِى التَّصَرُّفُ في الجميعِ قبلَ كَيْلِه؛ لأنَّ للبائِع فيه عُلْقَةً، فإنَّه لو زاد، كانتِ الزِّيَادَةُ له، ولا يَتَصَرَّفُ في أَقَلَّ مِن حَقِّه، بغيرِ كَيْلٍ؛ لأنَّ ذَلك يَمْنَعُه مِن مَعْرِفَةِ كَيْلِه.
وإنْ تَصَرَّفَ فيما يَتَحَقَّقُ أنَّه مُسْتَحَقٌّ له، مثلَ أَنْ يكونَ حَقُّه قَفِيزًا، فيَتَصَرَّفَ في ذلك أو في أقَلَّ منه بالكَيْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في حَقِّه بعدَ قبْضِه، فجازَ، كما لو كِيل له. والثانى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التُّصَرُّفُ في الجَمِيعِ، فلم يَجُزْ له التَّصَرُّفُ في البَعْضِ، كما قبلَ القَبْضِ.
وإن قَبَضَه بالوَزْنِ، فهو كما لو قَبَضَه جُزَافًا.
فأمّا إنْ أعْلَمَهُ بكَيْلِه، ثم باعَهُ إيّاهُ مُجازَفَةً، على أنَّه له بذلك الثَّمَنِ، سواءٌ زادَ أو نَقَصَ، لم يَجُزْ؛ لِما رَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن الحَكَمِ، قال: قَدِمَ طَعامٌ لعثمانَ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال:«اذْهَبُوا بِنَا إلى عثمانَ نُعِينُه على طعامِه». فَقامَ إلى جَنْبِه، فقال عثمانُ: في هذه الغِرَارَةِ كذا
وكذا، وأبِيعُها بكذا وكذا. فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ». قال أحمدُ: إذا أخْبَرَه البائِعُ أنَّ في كُلِّ قارُورَةٍ مَنًّا ، فأَخَذَ بذلك، ولا يَكْتَالُه، فلا يُعْجِبُنى؛ لقولِه لعثمانَ:«إذَا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ». قيلَ له: إنَّهُم يَقُولُونَ: إذَا فُتِحَ فَسَدَ. قال: فَلِمَ لا يَفْتَحُونَ واحِدَةً ويَزِنونَ الباقِىَ؟.
فصل: ولو كالَ طَعامًا، وآخر يُشَاهِدُه، فلِمَنْ شاهَدَ الكَيْلَ شِراؤُه بغيرِ كَيْلٍ ثانٍ؛ لأَنَّه شاهَدَ كَيْلَه، أشْبَهَ ما لو كِيلَ له.
وعنه، يَحْتَاجُ إلى كَيْلٍ؛ للخَبَرِ، وكالبَيْعِ الأوَّلِ.
ولو كالَهُ البائِعُ للمُشْتَرِى، ثم اشْتَراهُ منه، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
ولو اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا، فاكْتَالاهُ، ثم اشْتَرَى أحَدُهما حِصَّةَ شَرِيكِه قبلَ تَفرُّقِهِما، فهو جائِزٌ.
وإن لم يَحْضُر المُشْتَرِى الكَيْلَ، لم يَجُزْ إلَّا بكَيْلٍ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا بدَّ مِن كَيْلِه.
وإن باعَه للثانِى في هذه المواضِعِ على أنَّه صُبْرةٌ، جازَ، ولم يَحْتَجْ إلى كيْلٍ ثانٍ. وقَبْضُهُ بنَقْلِه، كالصُّبْرَةِ.
فصل: قال أحمدُ في رجُلٍ يَشْتَرِى الجَوْزَ، فيَعُدُّ في مِكْتَلٍ ألفَ جَوْزَةٍ، ثم يأخُذُ الجَوْزَ كُلَّه على ذلك العِيارِ: لا يَجُوزُ.
وقال في رجُلٍ ابْتاعَ أعْكامًا كَيْلًا،
وقال للبائِعِ: كِلْ لِى عِكْمًا منها، وآخُذُ ما بَقِىَ على هذا الكَيْلِ: أكْرَهُ هذا حتَّى يَكِيلَها كُلَّها. قال الثَّوْرِىُّ: كان أصْحَابُنا يَكْرَهُونَ هذا. وذلك؛ لأنَّ ما في العُكُومِ يَخْتَلِفُ، فلا يُعْلَمُ ما في بَعْضِها بكَيْلِ البَعْضِ، والجَوْزُ يَخْتَلِفُ، فيكوَنُ في أحَدِ المِكْيَلَيْنِ أكْثَرُ مِن الآخَرِ، فلا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بالكَيْلِ، كما لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ المَكِيلِ بالوَزْنِ, ولا المَوْزُونِ بالكَيْلِ.
فصل: وإذا باعَ الأدْهانَ في ظُرُوفِها جُمْلَةً، وقد شاهَدَها، جازَ؛ لأنَّ أجْزَاءَها لا تَخْتَلِفُ، فهِى كالصُّبْرَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في العَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، وسائِرِ المائِعَاتِ التى لا تَخْتلِفُ.
فإن باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، أو باعَهُ رَطْلًا منه، أو أرْطالًا مَعْلُومَةً، يَعْلَمُ أنَّ فيها أكْثَرَ منها، أو باعَهُ أجْزاءً مُشاعَةً، أو جُزْءًا، أو باعَهُ إيَّاهُ مع الظَّرْفِ بعَشَرَةِ دَراهِمَ، أو بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، جازَ.
وإن باعَهُ السَّمْنَ والظَّرْفَ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وهما يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه قد عُلِمَ المَبِيعُ والثَّمَنُ.
وإن لم يَعْلَمَا ذلك، جازَ أيضًا؛ لأنَّه قد رَضِىَ أَنْ يَشْتَرِىَ الظَّرْفَ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، وما فيه كذلك، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى ظَرْفَيْنِ، في أَحَدِهما سَمْنٌ وفى آخرَ زَيْتٌ، كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ وَزْنَ الظَّرْفِ يَزِيدُ ويَنقُصُ، فيَدْخُلُ على غَرَرٍ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَيْعَ كُلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا يَصِحُّ؛ لذلك ، فكذلك إذا جَمَعَهُما، كالأَرْضِ المُخْتَلِفَةِ الأَجْزَاءِ، والثِّيابِ وغَيْرِها.
فأمّا إنْ باعَهُ كُلَّ رَطْلٍ بدِرْهَمٍ، على أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ، فيحْتَسبَ عليه بوَزْنِه، ولا يكونُ مَبِيعًا، وهما يَعْلَمانِ زِنَةَ كُلِّ واحِدٍ منهما، صَحَّ؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ الدُّهْنَ عَشَرَةٌ، والظَّرْفَ رَطْلان، كان مَعْنَاهُ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أرْطَالٍ باثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
وإنْ كانَا لا يَعْلَمَانِ زِنَةَ الظَّرْفِ والدُّهْنِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى جَهالَةِ الثَّمَنِ في الحالِ. وسواءٌ جَهِلَا زِنَتَهُما جَمِيعًا، أو زِنَةَ أحَدِهما؛ لذلك .
فصل: وإنْ وَجَدَ في ظَرْفِ الدُّهْنِ رُبًّا ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ، وإسحاقُ: إنْ كان سَمَّانًا عندَه سَمْنٌ، أَعطَاهُ بوَزْنِه سَمْنًا،
وإن لم يَكُنْ عِنْدَه سَمْنٌ، أعْطَاهُ بقَدْرِ الرُّبِّ مِن الثَّمَنِ. وأَلزَمَهُ شُرَيْحٌ بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا بكُلِّ حالٍ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إنْ شاءَ أخَذَ الذى وَجَدَ، ولا يُكَلَّفُ أَنْ يُعْطِيَه بقَدْرِ الرُّبِّ سَمْنًا. ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ المَكِيلَ ناقِصًا، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى صُبْرَةً فوَجَدَ تحتَها رَبْوَةً، أو اشْتَرَاها على أنَّها عَشَرَةُ أَقفِزَةٍ، فبانَتْ تِسْعَةً، فإنَّه يأخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، كذلك هذا. فعلى هذا، إنَّما يَأْخُذُ المَوْجُودَ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ،
ولا يَلْزَمُ البائِعَ أَنْ يُعْطِيَه سَمْنًا، سواء كان مَوْجُودًا عندَه، أو لم يكُنْ،
فإن تَرَاضَيَا على إعْطائِه سَمْنًا، جازَ. ١٥٧٨ - مسألة: (وإنْ باعَه بمائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا، لم يَصِحَّ. ذَكَرَه القاضِى. [ويجئُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ) إذا باعَه بمائةِ درهم إلَّا دينارًا لم يَصِحَّ] ، لأنَّه قَصَدَ اسْتِثْنَاءَ قِيمَةِ الدِّينارِ، وذلك غيرُ مَعْلُومٍ، واسْتِثْناءُ المَجْهُولِ مِن المَعْلُومِ يُصَيِّرُه مَجْهُولًا، ولأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ. ويجئُ على قولِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ في مَن اسْتَثْنَى في الإِقْرَارِ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا من عَيْنٍ، فإنَّه يَصِحُّ.
فعلى هذا يُحْذَفُ مِن الجُمْلَةِ بقيمَةِ الدِّينارِ.
ولو قال: بمائَةٍ إلَّا قَفِيزًا مِن حِنْطَةٍ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ مِن غيرِ الجِنْسِ.
فأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فهما كالجِنْسِ الواحِدِ. (فصلٌ في تفريقِ الصَّفْقَةِ: وهو أَنْ يجمَعَ بينَ ما يَجُوزُ بَيْعُه و) بَيْنَ (ما لا يَجُوزُ) صَفْقَة واحِدَةً، بثَمَنٍ واحِدٍ (وله ثَلاثُ صورٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا ومَجْهُولًا) كَقَوْلِك: بِعْتُك هذه الفَرَسَ، وما في بَطْنِ هذه الفَرَسِ الأُخْرَى، بكذا. فهذا بَيْع باطِلٌ بكُلِّ حالٍ، ولا أَعلَمُ في بُطْلانِه خِلافًا؛ لأنَّ المَجْهُولَ لا يَصِحُّ بَيْعُه بجهالَتِه، والمَعْلُومَ مَجْهُولُ الثَّمَنِ ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه إنَّما تَكُونُ بتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عليهما، والمَجْهُولُ لا يُمكنُ تَقْوِيمُه، فيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ.
(وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ)
وَكَذَا مَعْطُوفَيْهِ (لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ " وَكَلَّ " لِلْعَدَدِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ الْكُلُّ لَا الْبَعْضُ فَانْتَفَتِ الْجَهَالَةُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ، كَمَا إِذَا أَجَّرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ،
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ: " إِذَا بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا،
بِخِلَافِ مِنَ الدَّارِ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا،
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ كُلَّهَا، وَلَا قَدْرًا مَعْلُومًا
بِخِلَافِ: أَجَّرْتُكَ دَارِي كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِهِ وَبِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا أَوْ أَنْقُصَكَهُ لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَوَصَفَهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ بِهَا، صَحَّ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ وَقَفِيزًا مِنَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ،
فَإِنْ عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ؛ صَحَّ فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ مِنْهَا قَفِيزًا صَحَّ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ،
وَيَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا مَعَ جَهْلِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِقَدْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ رُؤْيَةِ بَاطِنِهَا
بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ بَيْعُهَا إِذَا تَسَاوَى مَوْضِعُهَا،
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ بَلْ إِنْ ظَهَرَ تَحْتَهَا رَبْوَةٌ، أَوْ فِيهَا حَجَرٌ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَاطِنَهَا رَدِيئًا؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِابْنِ عَقِيلٍ: احْتِمَالٌ يَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا فَاتَ إِذَا أَمْكَنَ،
فَإِنْ بَانَ بَاطِنُهَا خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي
بِخِلَافِ الْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ،
وَإِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا جُزَافًا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بَيْعُ دُهْنٍ وَنَحْوِهِ فِي ظَرْفٍ مَعَهُ مُوَازَنَةُ كُلِّ رِطْلٍ بِكَذَا مَعَ عِلْمِهَا بِمَبْلَغِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ إِنْ عَلِمَا زِنَةَ الظَّرْفِ،
وَإِنْ بَاعَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ فَيَحْسِبُ بِوَزْنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مَبِيعًا، فَيَصِحُّ إِنْ عَلِمَا مَبْلَغَهُ، وَإِلَّا فَلَا لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ،
وَإِنْ بَاعَهُ جُزَافًا بِظَرْفِهِ، أَوْ دُونَهُ صَحَّ، أَوْ بَاعَهُ فِي ظَرْفِهِ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَطْرَحَ مِنْهُ وَزْنَ الظَّرْفِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ زَيْتًا فِي ظَرْفٍ فَوَجَدَ فِيهِ رُبًّا، صَحَّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَهُ الْخِيَارُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرُّبِّ، وَأَلْزَمَهُ شُرَيْحٌ بِقَدْرِهِ سَمْنًا،
وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)
وَمِثْلَهُ بِدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمًا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولَةٌ،
وَيَلْزَمُ مِنَ الْجَهْلِ بِهَا الْجَهْلُ بِالثَّمَنِ، وَالْعِلْمُ بِهِ شَرْطٌ (وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) مِنَ الْإِقْرَارِ إِذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ (أَنَّهُ يَصِحُّ) فِي الْبَيْعِ كَسَائِرِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَعَلَى هَذَا تُحْذَفُ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلَّهُ
فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاء من غير الجنس الْجِنْسِ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا تَخْرِيجَ صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنَ الْإِقْرَارِ قَالَ: لِأَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فَقِيلَ: بِاتِّحَادِ النَّقْدَيْنِ وَكَوْنِهِمَا قِيَمَ الْأَشْيَاءِ وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ،
وَقِيلَ: لِأَنَّ قِيمَةَ الذَّهَبِ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،
فَإِذَا اسْتُثْنِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ لَمْ يُؤَدِّ الْجَهَالَةَ غَالِبًا، وَعَلَى كِلَيْهِمَا لَا يَجِيءُ صِحَّةُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَهُ الْجَهْلُ فِي حَالِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ حَالَ الْعَقْدِ،
وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهُ بِالثَّمَنِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَفِيهِ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسَرَّا ثَمَنًا بِلَا عَقْدٍ، ثُمَّ عَقَدَاهُ بِآخَرَ فَالْأَوَّلُ هُوَ الثَّمَنُ،
وَلَوْ عَقَدَاهُ سِرًّا بِثَمَنٍ وَعَلَانِيَةً بِأَكْثَرَ فَكَنِكَاحٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
[فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ] ِ الصَّفْقَةُ: الْمَرَّةُ مِنْ صَفَقَ لَهُ بِالْبَيْعَةِ، وَالْبَيْعُ: ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ وَهِيَ عَقْدُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى تَفْرِيقِهَا أَيْ: تَفْرِيقُ مَا اشْتَرَاهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا) يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ
وإنْ باعَه مِنَ الصُّبْرَةِ، كُلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ
-وكذا مِنَ الثَّوْبِ، كلَّ ذَراعٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدِرْهَمٍ- لم يصِحَّ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الوَجيزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يصِحُّ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو الأشْبَهُ، كبَيْعِ الصُّبْرَةِ كلِّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ «مِن» وإنْ أعْطَتِ البَعْضَ، فما هو بعضٌ مَجْهولٌ، بل قد جعلَ لكُلِّ جُزْءٍ مَعْلومٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منها ثَمَنًا مَعْلُومًا، فهو كما لو قال: قَفِيزًا منها. انتهى. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، وقالَا، بِناءً على قوْلِه فى الإِجارَةِ: إذا أجَرَه كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَمٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واخْتارَه فى «الفائقِ». قال فى «عُيونِ المَسائلِ»: إذا باعَه مِنَ الصُّبْرَةِ كلَّ قَفِيزٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدِرْهَمٍ، صحَّ؛ لتَساوِى أجْزائِها، بخِلافِ بَيْعِه مِنَ الدَّارِ كلَّ ذِراعٍ بدِرْهَمٍ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاخْتِلافِ أجْزائِها. ثم قال بعدَ ذلك: إذا باعَه مِن هذه الصُّبْرَةِ كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، لم يصِحَّ؛ لأنَّه لم يَبِعْه كلها ولا قَدْرًا مَعْلُومًا منها،
بخِلافِ قوْلِه: أَجَرْتُك هذه الدَّارَ، كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَمٍ. فإنَّه يصِحُّ هُنا فى الشَّهْرِ الأوَّلِ فقط؛ للعِلْمِ به وبقِسْطِه مِنَ الأُجْرَةِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَم إِلَّا دِينَارًا، لَمْ يَصِحَّ. ذَكَرَهُ الْقَاضِى. وَيَجِئُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ أَنَّهُ يَصِحُّ.
وإنْ باعَه بمائَةِ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا، لم يصحَّ. ذكَرَه القاضى. وهو المذهبُ. جزَم به فى «المُجَرَّدِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. ويَجِئُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ، إنَّه يصِحُّ. يعْنِى، إذا أقَرَّ واسْتَثْنَى عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، على ما ذكَرَه المُصَنِّفُ عنه فى كتابِ الإِقْرارِ، أنَّه يصِحُّ. فيَجِئُ هنا كذلك. قال ابنُ مُنَجَّى: ولقائِلٍ أَنْ يقُولَ: الصِّحَّةُ فى الإقْرارِ اخْتلَفَ الأصحابُ فى تَعْليلِها، فعَلَّلَها بعضُهم باتِّحادِ النَّقْدَيْن، وكوْنِهما قِيَمَ الأشْياءِ وأُرُوشَ الجِنايَاتِ، وعلَّلَها بعضُهم بأنَّ قِيمَةَ الذَّهَبِ يعْلَمُها كثير مِنَ النَّاسِ،
فإذا اسْتَثْنَى أحَدُهما مِنَ الآخَرِ، لم يُؤدِّ إلى الجَهالَةِ غالِبًا. قال: وعلى كِلا التَّعْلِيلَيْن لا يَجِئُ صحَّةُ البَيْعِ، على قَوْلِ الخِرَقِىِّ فى الإِقْرارِ؛ لأنَّ المُفْسِدَ للبَيْعِ الجَهْلُ فى حالِ العَقْدِ، ألَا تَرَى أنَّه فَصْلٌ فِى تَفْريقِ الصَّفْقَةِ: وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَلَهُ ثَلاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا، بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا، فَلَا يَصِحُّ.
إذا باعَه برَقْمِه لم يصِحَّ؛ للجَهْلِ به حالَ العَقْدِ،
وإنْ عُلِمَ بعدَه. وعلى كِلا التَّعْلِيلَيْن لا يخْرُجُ الثَّمَنُ عن كَوْنِه مَجْهُولًا حالَةَ العَقْدِ، وفارَقَ هذا الإِقْرارَ؛ لأن الإِقْرارَ بالمَجْهُولِ يصِحُّ. قال: وهذا قَوْلٌ مُتَّجِهٌ، لا دَافِعَ له. انتهى.
قلتُ: فيما قالَه نَظَرٌ، فإنَّ قَوْلَه: على كلا التَّعْلِيلَيْن لا يخْرُجُ الثَّمَنُ عن كَوْنِه مَجْهُولًا حالَةَ العَقْدِ. غيرُ مُسَلَّمٍ؛
فإن كثيرًا مِن النَّاسِ، بل كلَّهم إلَّا القَليلَ، يعْلَمُ قِيمَةَ الدِّينارِ مِنَ الدَّراهِمِ، فلا تحْصُلُ الجَهالَةُ حالَةَ العَقْدِ لغالِبِ النَّاسِ على التَّعْليلِ الثَّانى.
قوله فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ: أحَدُها ، باعَ مَجْهُولًا ومعْلُومًا، فلا يصحُّ. بلا نزاعٍ، وقد أطْلَقَ كثيرٌ مِنَ الأصحابِ الجَهْلَ. قال فى «الفُروعِ»: يجهَل قِيمَتَه مُطْلَقًا. قال فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»: مَجْهولًا لا مَطْمَعَ فى مَعْرِفَةِ قِيمَتِه. الثَّانِيَةُ، بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ ما يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِى نصِيبِهِ بقِسْطِهِ. فِى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
وقال فى «الرِّعايتَيْن»: وإنْ جمَع بينَ مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ،
وقيل: يتَعذَّرُ عِلْمُ قِيمَتِه. انتهى.
فأمَّا إنْ قال: كُلُّ واحدٍ بكذا. ففيه وَجْهان. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيين»، و «الفائِق». قال فى «التَّلْخيصِ»: أصْلُ الوَجْهَيْن إنْ قُلْنا: العِلَّةُ اتِّحادُ الصَّفْقَةِ. لم يصِحَّ البَيْعُ،
وإنْ قُلْنا: العِلَّةُ جهَالَةُ الثَّمَنِ فى الحالِ. صحَّ البَيْعُ. وعلى التَّعليلِ الأوَّلِ، يدْخُلُ الرَّهْنُ، والهِبَةُ، والنِّكاحُ، ونظائِرُها. وذكَر التَّعْلِيلَيْن فى «الفُروعِ». وجزَم ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» بالصِّحَّةِ فى المَعْلُومِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدة: لو باعَه بمِائَةٍ ورَطْلِ خَمْرٍ، فسَد البَيْعُ. وخرَّج فى «الانْتِصارِ»، صِحَّتَه على رِوايَةٍ.
قال: (وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح. ذكره القاضي. ويجيء على قول الخرقي أنه يصح) .
أما كون البيع بما ذكر لا يصح على المذهب؛ فلأن قيمة الدينار مجهولة
ويلزم من الجهل بها الجهل بالثمن، والعلم به شرط لما تقدم.
وأما كونه يجيء على قولٍ أنه يصح؛ فلأنه
قال في الإقرار: يصح استثناء العين من الورِق والورِق من العين.
فعلى هذا يكون البيع صحيحاً لأن الاستثناء صحيح فكان البيع صحيحاً كسائر الاستثناءات الصحيحة.
ولقائل أن يقول: الصحة في الإقرار اختلف الأصحاب في تعليلها فعللها بعضهم باتحاد النقدين وكونهما قيم الأشياء وأرش الجنايات، وبعضهم بأن قيمة الذهب يعلمها كثير من الناس فإذا استثنى أحدهما من الآخر لم يؤد إلى الجهالة غالباً، وعلى كلا التعليلين لا يجيء صحة البيع على قول الخرقي في الإقرار لأن المفسد للبيع الجهل في حال العقد. ألا ترى أنه إذا باعه برقمه لا يصح للجهل حال العقد وإن علم بَعده.
وعلى كلا التعليلين لا يخرج الثمن عن كونه مجهولاً حال العقد. وفارق هذا الإقرار لأن الإقرار بالمجهول يصح وهذا قول متوجه لا دافع له. فصل في تفريق الصفقة قال المصنف رحمه الله: (وهو: أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز. وله ثلاث صور: إحداها: باع معلوماً ومجهولاً فلا يصح).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز؛ فبيان لمعنى تفريق الصفقة.
وأما قوله: وله ثلاث صور؛ فلأن تفريق الصفقة تارة يجمع معلوماً ومجهولاً، وتارة مشاعاً ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، وتارة مشاعاً لا ينقسم الثمن عليه بالأجزاء.
وأما كون البيع لا يصح إذا باع معلوماً ومجهولاً؛ فلأن ما بعضه مجهول يكون كله مجهولاً.
ولأن الثمن ينقسم على المبيع بالقيمة، والمجهول لا يمكن تقويمه فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.