وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ صَحَّ وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ
الشروح عليها
مسألة: (وَإنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ) والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ساقاهُ على صِغَارِ الشَّجَرِ على ما بَيَّنْتُه. قال أحمدُ في رِوَايةِ المَرُّوذِيِّ، في مَن قال لرَجُلٍ: اغْرِسْ في أرْضِي هذه شَجَرًا أو نَخْلًا، فما كان من غَلَّةٍ، فلك بِعَمَلِكَ كذا وبهذا سَهْمًا، مِن كذا
وكذا. فأجازَه، واحْتَجَّ بحَدِيثِ خَيبَرَ في الزَّرْعِ والنَّخْلِ، لكنْ بشَرْطِ أن يكونَ الغَرْسُ مِن رَبِّ الأرْضِ، كما يُشْتَرَطُ في المُزارَعةِ كَوْنُ البَذْرِ مِن رَبِّ الأرْضِ.
فإن كان مِن العامِلِ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المُزارَعَةِ، إذا شُرِطَ البَذْرُ من العامِلِ.
وقال القاضي: المُعَامَلَةُ باطِلةٌ، وصاحِبُ الأرْضِ بالخِيَارِ بينَ تَكْلِيفِه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له نَقْصَها، وبين تَرْكِها في أَرْضِه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، كالمُشْتَرِي إذا غَرَس في الأرضِ ثم جاء الشَّفِيعُ فأخَذها.
وإنِ اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه، فله ذلك، سواءٌ بَذَلَ له القِيمَةَ أو لم يَبْذُلْها؛ لأنَّه مِلْكُه، فلم يُمْنَعْ تَحْويلَه.
وإنِ اتَّفَقَا على إبْقاءِ الغَرْسِ ودَفْعَ أجْرِ الأرْضَ، جازَ.
فصل: ولو دَفَع أرْضَه إلى رَجُلٍ يَغْرِسُها، على أنَّ الشَّجَرَ بينَهما، لم يَجُزْ. ويَحْتَمِلُ الجَوَازُ، بِنَاءً على المُزارَعَةِ،
فإنَّ المُزارِعَ يَبْذُرُ في الأرْضِ، فيَكونُ بينَه وبينَ صاحِبِ الأرْضِ، وهذا نَظِيرُه.
فأمَّا إن دَفَعَها على أنَّ الأرْضَ والشَّجَرَ بينهما، فذلك فاسِدٌ، وَجْهًا واحدًا. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يُشْتَرَطُ اشْتِراكُهُما في الأَصْلِ، ففَسَد، كما لو دَفَع إليه الشَّجَرَ و النَّخِيلَ؛ ليكونَ الأصْلُ والثَّمَرَةُ بينهما، أو شَرَط في المُزَارَعةِ كَوْنَ الأرْضِ والزَّرْعَ بينهما.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُساقاةِ، تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ بجُزْءٍ مَعْلُوم مِن الثَّمَرَةِ، كالثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ في خَيبَرَ. وسواءٌ قَلَّ الجُزْءُ أو كَثُرَ،
فلو جَعَل للعامِلِ جُزْءًا مِن مائةِ جُزْءٍ، أو جَعَل الجُزْءَ لنَفْسِه والباقِيَ للعامِلِ، جازَ، إذا لم يَفْعَلْ ذلك حِيلَةً.
فإن عَقَد على جُزْءٍ مُبْهَمٍ، كالسَّهْمِ والجُزْءِ والنَّصِيبِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ مَعْلومًا لا تُمْكِنُ القِسْمَةُ بينهما.
ولو جَعَل له آصُعًا مَعْلُومَةً، أو جَعَل مع الجُزْءِ المَعْلُومِ آصُعًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لم يَحْصُلْ ذلك، أو لم يَحْصُل غيرُه، فيَسْتَضِرُّ رَبُّ الشَّجَرِ، أو يَكْثُرُ الحاصِلُ، فيَتَضَرَّرُ العامِلُ.
وكذلك إن شَرَط له ثَمَرَ شَجَرٍ بعَينِه؛ لأنَّه قد لا يَحْمِلُ، وقد لا يَحْمِلُ غيرُها، ولهذه العِلَّةِ نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزارَعةِ التي يَجْعَلُ فيها لرَبِّ الأرْضِ مكانًا مُعَيَّنًا وللعامِلِ مَكانًا مُعَيَّنًا. قال رافِعٌ: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ على أنَّ لَنا هذه ولَهُم هذه، فرُبَّما أخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانا عن ذلك،
فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلم يَنْهَنا. مُتَّفَقٌ عليه . فمَتَى شَرَط شَيئًا من هذه الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فسَدَتِ المُساقاةُ، والثَّمَرَةُ كُلُّها لرَبِّ المالِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلْكِه، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبةِ الْفاسِدَةِ. فصل: ولا يُحْتاجُ أن يُشْرَطَ لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ بمالِه لا بالشَّرْطِ،
فإذا قال: ساقَيتُكَ على أنَّ لك ثُلُثَ الثَّمَرَةِ. صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال.
وإن قال: على أنَّ لِي ثُلُثَ الثَّمَرةِ. فقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ.
وقيلَ: لا يَصِحُّ. وقد ذَكَرْنا تَعْلِيلَ ذلك في المُضارَبةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ كما ذَكَرْنا.
فإنِ اخْتَلفا في قَدْرِ الجُزْءِ المَشْرُوطِ للعامِلِ، فقال ابنُ حامِدٍ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
وقال مالكٌ: القولُ قولُ العامِلِ إذا ادَّعَى ما يُشْبِهُ؛ لأنَّه أقْوَى سَبَبًا، لتَسَلُّمِه الحائِطَ والعَمَلَ. وقد ذَكَرْنا في المُضارِبِ رِوايةً، أنَّ القولَ قَوْلُه إذا ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
وقال الشَّافعيُّ: يَتَحالفان، وكذلك إنِ اخْتَلَفا فيما تَناوَلَتْه المُساقاةُ مِن الشَّجَرِ. ولَنا، أنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ التي ادَّعاها العامِلُ، فكان القولُ قولَه.
فإن كان مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها.
وإن كان مع كلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، انْبَنَى على بَيِّنةِ الدّاخِلِ والخارِجِ.
فإن كان الشَّجَرُ لاثْنَينِ، فصَدَّقَ أحَدُهما العامِلَ وكَذَّبَه الآخَرُ، أخَذَ نَصِيبَه مما يَدَّعِيه مِن مالِ المُصَدِّقِ.
وإن شَهِد على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، ويَحْلِفُ العامِلُ مع شَهادَتِه ،
وإن لم يكُنْ عَدْلًا كانت شَهادَتُه كعَدَمِها.
ولو كانا عامِلَين، ورَبُّ المالِ واحِدًا، فشَهِدَ أحَدُهُما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا كان في البُسْتانِ شَجَرٌ مِن أجْناسٍ؛ كالتِّينِ، والزَّيتُونِ، والكَرْمِ، فشَرَطَ للعامِلِ من كلِّ جِنْسٍ قَدْرًا؛ كنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ، وثُلُثِ الزَّيتُونِ، ورُبْعِ الكَرْمِ، أو كان فيه أنْواعٌ مِن جِنْسٍ، فشَرَطَ [مِن كلِّ نَوْعٍ] قَدْرًا، وهما يَعْرِفانِ قَدْرَ كلِّ نوْعٍ، صَحَّ؛ لأنَّ ذلك كثَلاثةِ بَساتِينَ، ساقاهُ على كُلِّ بُسْتانٍ بقَدْرٍ مُخالِفٍ للقَدْرِ المَشْرُوطِ مِن الآخَرِ.
وإن لم يَعْلَما قَدْرَه، أو أحَدُهُما، لم يَجُزْ؛ للجَهالةِ.
ولو قال: ساقَيتُكَ علي هَذَين البُسْتانَين بالنِّصْفِ مِن هذا والثُّلُثِ مِن هذا. صَحَّ؛ لأنَّها صَفقَةٌ واحِدَةٌ جَمَعَتْ عِوَضَين، فصار كقَوْلِه: بِعْتُكَ دارَيَّ هاتَين، هذه بألْفٍ وهذه بمائةٍ.
وإن قال: بالنِّصْف من أحَدِهِما، والثُّلُثِ مِن الآخَرِ. ولم يُعَيِّنْه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ الَّذي يَسْتَحِقُّ نِصْفَه.
ولو ساقاهُ على بُسْتانٍ واحِدٍ، نِصْفُه هذا بالنِّصْفِ، ونِصْفُه هذا بالثُّلُثِ، وهما مُتَمَيِّزان، صَحَّ؛ لأنَّهما كَبُسْتانَينِ.
فصل: فإن كان البُسْتانُ لاثْنَين، فساقَيَا عامِلًا واحدًا، على أنَّ له نِصْفَ نَصِيبِ أحَدِهما، وثُلُثَ نَصِيبِ الآخَرِ، والعامِلُ عالِمٌ ما لكلِّ واحدٍ منهما، جاز؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدانِ.
ولو أفْرَدَ كلَّ واحدٍ منهما بعَقْدٍ، كان له أن يَشْرُطَ ما اتَّفَقَا عليه.
وإن جَهِل نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ، فإنَّه قد يَقِلُّ نَصِيبُ مَن شَرَط له النِّصْفَ، فيَقِلُّ حَظُّه، وقد يَكْثُرُ فيَتَوَفَّرُ حَظَّه.
فأمّا إن شَرَطا قَدْرًا واحِدًا مِنِ مالِهِما، جازَ،
وإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما لِكُلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها جَهالةٌ لا غرَرَ فيها ولا ضَرَرَ، فهو كما لو قالا: بِعْناكَ دارَنا هذه بألْفٍ. ولم يَعْلَمْ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، جازَ ؛ لأنَّه أيُّ نَصِيبٍ كان، فقد عَلِمَ عِوَضَه، وعَلِمَ جُمْلةَ المَبِيعِ، فَصَحَّ. كذلك ههُنا.
ولو ساقَى واحِدٌ اثْنَين، جاز،
ويجوزُ أن يَشْرُطَ لهما التَّساوِيَ في النَّصِيبِ،
وأن يَشْرُطَ لأحَدِهما أَكْثَرَ مِن الآخَرِ.
فصل: ولو ساقاهُ ثَلاثَ سِنينَ على أنَّ له في الأولَى النِّصْفَ،
وفي الثانِيَةِ الثُّلُثَ، وفي الثالِثَةِ الرُّبْعَ، جازَ؛ لأنَّ قَدْرَ ما لَه في كلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو شَرَط له من كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا. فصل: ولا تَصِحُّ المُساقَاةُ إلا على شَجَرٍ مَعْلُومٍ بالرُّؤْيَةِ، أو بالصِّفَةِ التي لا يُخْتَلَف معها، كالبَيعِ.
فإن ساقاهُ على بُسْتانٍ لم يَرَه ولم يُوصَفْ له، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ، أشْبَهَ البَيعَ،
وإن ساقاهُ على أحَدِ هذَينِ الحائِطَينِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يَخْتَلِفُ العِوَضُ فيها باخْتِلافِ الأعْيانِ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيعِ.
فصل: وتَصِحُّ على البَعْلِ، كما تَصِحُّ على السَّقْي. وبه قال مالكٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عند من يُجَوِّزُ المُساقاةَ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى المُعامَلةِ في ذلك، كَدُعائِها إلى المُعامَيَةِ في غيرِه، فيُقاسُ عليه.
٢١٢٠ - مسألة: (والمُساقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ في ظاهِرِ كَلامِهِ)
وكذلك المُزارَعَةُ. أوْمأ إليه أحمدُ في رِوايةِ الأثْرَمِ، وقد سُئِلَ عن الأكَّارِ يَخْرُجُ من غيرِ أن يُخْرِجَه صاحِبُ الضَّيعَةِ، فلم يَمْنَعْه من ذلك. ذَكَرَه [أبو عبدِ اللهِ] ابنُ حامِدٍ. وهو قولُ بَعْضِ أصحاب الحَدِيثِ.
وقال بَعْضُ أصْحابِنا: هو لازمٌ. وهو قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان لازِمًا، كالإِجَارَةِ، ولأنَّه لو كان جائِزًا، جاز لِرَبِّ المالِ فَسْخُه إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، فيَسْقُطُ سَهْمُ العامِلِ، فيَتَضَرَّرُ. ولَنا، ما رَوَى مُسلمٌ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقِرَّهُم بخَيبَرَ، على أن يَعْمَلُوها، ويكونَ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها مِن زَرْع أو ثَمَر، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذلِكَ مَا شِئْنَا».
ولو كان لازِمًا لم يَجُزْ بغيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا أن يَجْعَلَ الخِيَرَةَ إليه في مُدَّةِ إقْرارِهم، ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لو قَدَّرَ لهم مُدَّةً لنُقِلَ؛ لأنَّ هذا مما يُحْتاجُ إليه، فلا يَجُوزُ الإِخْلالُ بنَقْلِه، وعُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، أجْلاهُم مِن أرْضِ الحِجازِ، وأَخْرَجَهُم مِن خَيبَرَ،
ولو كانت لهم مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، لم يَجُزْ إخْراجُهم فيها، ولأنَّه عَقدٌ على جُزْءٍ من نَماءِ المالِ، فكان جائِزًا: كالمُضارَبَةِ. وفارَقَ الإِجارَةَ؛ لأنَّها بَيع، فكانت لازِمَةً، كَبَيعِ الأعْيانِ، ولأنَّ عِوَضَها مَعْلُومٌ، أشْبَهَتِ البَيعَ. وقِياسُهُم يَنْتَقِضُ بالمُضارَبَةِ، وهي أشْبَهُ بالمُساقاةِ من الإِجارَةِ، فقِياسُها عليها أوْلَى. وقولُهم: إنَّه يُفْضِي إلى أنَّ رَبَّ المَالِ يَفْسَخُ بعدَ إدْراكِ الثَّمَرَةِ. قلنا: إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، ظَهَرَتْ على مِلْكَيهما، فلا يَسْقُطُ حَقُّ العامِلِ منها بفَسْخ ولا غيرِه؛ كما إذا فَسَخ المُضاربةَ بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ.
فعلى هذا (لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَضْرِبْ لأهْلِ خَيبَرَ مُدَّةً مَعْلُومةً، ولا خُلَفاؤُه حين عامَلُوهُم، ولأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ فلم يَفتَقِرْ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ، كالمُضارَبَةِ وسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ. و
(وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ صَحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: إِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اغْرِسْ فِي أَرْضِي هَذِهِ شَجَرًا، أَوْ نَخْلًا، فَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ فَلَكَ بِعَمَلِكَ كَذَا، فَإِجَارَةٌ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ وَعِوَضَهُ مَعْلُومَانِ، فَصَحَّتْ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى شَجَرٍ مَوْجُودٍ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْغِرَاسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ كَالْمُزَارَعَةِ،
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامِلِ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ إِذَا شَرَطَ الْبَذْرَ مِنَ الْعَامِلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعَامَلَةُ بَاطِلَةٌ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَكْلِيفِهِ قَلْعَهَا وَيَضْمَنُ لَهُ نَقْصَهَا، وَبَيْنَ تَرْكِهَا فِي أَرْضِهِ، وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ قِيمَتَهَا،
فَإِنِ اخْتَارَ الْعَامِلُ قَلْعَ شَجَرِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَحْوِيلِهِ،
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِبْقَاءِ الْغِرَاسِ وَدَفْعِ أَجْرِ الْأَرْضِ جَازَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ نَصِّهِ أَنَّهَا تَصِحُّ بِجُزْءٍ مِنَ الشَّجَرِ، وَبِجُزْءٍ مِنْهُمَا كَالْمُزَارَعَةِ، وَهِيَ الْمُغَارَسَةُ وَالْمُنَاصَبَةُ، اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَالْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذِكْرُهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ،
وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسًا، وَلَوْ كَانَ نَاظِرَ وَقَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرٍ بَعْدَهُ بِيعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ بِلَا حَاجَةٍ،
وإنَّ لِحَاكِمٍ الْحُكْمَ بِلُزُومِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَطْ، وَالْحُكْمَ بِهِ مِنْ جِهَةِ عِوَضِ الْمِثْلِ،
وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اعْتِبَارُ بَيِّنَةٍ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
فَلَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا، فَذَلِكَ فَاسِدٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: عَمِلَا فِي شَجَرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَشَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي ثَمَرِهِ صَحَّ كَاشْتِرَاطِ الْعَامِلِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ جُزْءًا مَعْلُومًا، وَكَتَعَدُّدِهِ،
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ مَعْلُومًا كَالْبَيْعِ،
فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمُسَاقَاتِهِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ.
[لَا تَفْتَقِرُ الْمُسَاقَاةُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخُهَا] (وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)
وَكَذَا الْمُزَارَعَةُ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْأَكَّارِ يَخْرُجُ مِنَ الضَّيْعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ صَاحِبُهَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَضِيَّةِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» وَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْخِيَرَةَ إِلَيْهِ فِي مُدَّةِ إِقْرَارِهِمْ، وَلِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ فَكَانَتْ جَائِزَةً كَالْمُضَارَبَةِ (لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَضْرِبْ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً، وَلَا خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَمَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ لَفْظًا
وإنْ ساقاه على شَجَرٍ يَغْرِسُه ويَعْمَلُ عليه حتَّى يُثْمِرَ بجُزء مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ. هذا المذهبُ المَشْهورُ المَنْصُوصُ عن أحمدَ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقيل: لا تصِحُّ. قال القاضي: المُعامَلَةُ باطِلَةٌ. فعلى المذهبِ، يكونُ الغَرْسُ مِن رَبِّ الأرْضِ،
فإنْ شرَطَه على العامِلِ، فحُكْمُه حكمُ المُزارَعَةِ إذا شرَط البَذْرَ مِنَ العامِلِ، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأولَى، قال في «الفُروعِ»: ظاهرُ نَصِّ الإمامِ أحمدَ جَوازُ المُساقاةِ على شَجَرٍ يَغْرِسُه ويعْمَلُ عليه بجُزْءٍ مَعْلومٍ مِنَ الشَّجَرِ، أو بجُزْءٍ مِنَ الشَّجَرِ والثَّمَرِ، كالمُزارَعَةِ؛ وهي المُغارَسَةُ، والمُناصَبَةُ. واخْتارَه أبو حَفصٍ العُكْبَرِيُّ في «كِتابِه». وصحَّحَه القاضي في «التَّعْليقِ» أخِيرًا. واخْتارَه في «الفائقِ» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
والشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وذكَرَه ظاهِرَ المذهبِ،
وقال: ولو كان مَغْرُوسًا، ولو كان نَاظِرَ وَقْفٍ، وأنَّه لا يجوزُ للنَّاظِرِ بعدَه بَيعُ نَصِيبِ الوَقْفِ مِنَ الشَّجَرِ بلا حاجَةٍ،
وأنَّ للحاكمِ الحُكْمَ بلُزُومِها في مَحَلِّ النِّزاعِ فقط. انتهى. وهذا احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: لا يصِحُّ. اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ». الثَّانيةُ، لو كان الاشْتِراكُ في الغِراسِ والأرْضِ، فسَد، وَجْهًا واحِدًا. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قِياسُ المذهبِ صِحَّتُه.
قال في «الفائقِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: وصحَّحَ المالِكِيُّون المغارَسَةَ في الأرْضِ المِلْكِ، لا الوَقْفِ؛ بشَرْطِ اسْتِحْقاقِ العامِلِ جُزْءًا مِنَ الأرْضِ مع القِسْطِ مِنَ الشَّجَرِ. انتهى. الثَّالثةُ، لو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَمِلا في شَجَرٍ لهما، وهو بينَهما نِصْفان، وشرَطا التَّفاضُلَ في ثَمَرِه، صحَّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُنَوِّرِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه» وغيرُه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ». وصحَّحه وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ». وقيل: لا يصِحُّ، كمُساقاةِ أحَدِهما للآخَرِ بنِصْفِه. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ». فعلى هذا الوَجْهِ، في أُجْرَتِه احْتِمالان في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الأوْلَى، أنْ تكونَ له الأجْرَةُ على الآخَرِ، قِياسًا على نَظائرِها. والمُساقاةُ عَقْدٌ جائزٌ في ظاهِرِ كَلامِه. في رِوايَةِ الأَثْرَمِ، وقد سُئِلَ عنِ الأكَّارِ يخْرُجُ مِن غيرِ أنْ يُخْرِجَه صَاحِبُ الضَّيعَةِ؟ فلم يَمْنَعْه مِن ذلك.
وكذا حُكْمُ المُزارَعَةِ. وهذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ حامِدِ وغيرُه.
قال في «تَجْريدِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العِنايةِ»: وهي عَقْدٌ جائزٌ في الأظْهَرِ. وصحَّحه ناظِمُ «المُفْرَداتِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «الوُجيزِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا.
و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: هي عَقْدٌ لازِمٌ. قاله القاضي، واخْتارَه الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ. وقدَّمه في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». واخْتارَ في «التَّبْصِرَةِ»، أنَّها جائزة مِن جِهَةِ العامِلِ، لازِمَةٌ مِن جِهَةِ المالِكِ، مأخُوذٌ مِنَ الإجارَةِ. فعلى المذهبِ، يُبْطِلُها ما يُبْطِلُ الوَكالةَ، ولا تَفْتَقِرُ إلى ذِكرِ مُدَّةٍ،
ويصِحُّ تَوْقِيتُها، ولكُلِّ واحدٍ منهما فَسْخُها؛ فمتى وَإنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ،
وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ.
انْفَسَخَتْ بعدَ ظُهورِ الثَّمَرَةِ، فهي بينَهما، وعليه تَمامُ العَمَلِ.
وإن فسَخ العامِلُ قبلَ ظُهورِها، فلا شيءَ له،
وإنْ فسَخ رَبُّ المالِ، قال في «الرِّعايةِ»: أو أجْنَبِيٌّ. فعليه للعامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِه. وعلى الوَجْهِ الثَّاني، لا تَبْطُلُ بما يُبطِلُ الوَكالةَ. وتَفْتَقِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى القَبُولِ لَفْظًا، ويُشْتَرَطُ ضَرْبُ مُدَّةٍ مَعْلومَةٍ تَكْمُلُ في مِثْلِها الثَّمَرَةُ،
فإنْ جعَلا مُدَّةً لا تَكْمُلُ فيها، لم تصِحَّ. وهل للعامِلِ أُجْرَةٌ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، له أُجْرَةُ مِثْلِه. وهو الصَّحيحُ.
قال في «التَّصْحيحِ»: أحدُهما، إنْ عَمِلَ فيها، وظهَرَتِ الثَّمَرَةُ، فله أُجْرَةُ مِثْلِه. وهو الصَّحيحُ،
وإنْ لم تَظْهَرْ، فلا شيء له.
وكذا قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما، وصحَّحاه، وصحَّحه في «النَّظْمِ». والوَجْهُ الثَّاني، لا أُجْرَةُ له. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ.
وقال في «الرِّعايةِ»: قلتُ: إنْ جَهِلَ ذلك فله أُجْرَةٌ، وإلَّا فلا.
تنبيه: عكَس صاحِبُ «الفُروعِ» بِناءً على الوَجْهَينِ، والظَّاهِرُ أنَّه مِنَ الكاتِبِ حينَ التَّبْيِيضِ، أو سَبْقَةُ قَلَمٍ.
فائدة: لو كانَ البَذْرُ مِن رَبِّ الأرْضِ، وفسَخ قبلَ ظُهورِ الزَّرعِ، أو قبلَ البَذْرِ وبعدَ الحَرْثِ، فقال القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: قِياسُ المذهبِ، جَوازُ بَيعِ العِمارَةِ التي هي الآبارُ، ويكونُ شَرِيكًا في الأرْضِ بعِمارَتِه. واخْتارَ ابنُ مَنْصُورٍ أنَّه تجِبُ له أُجْرَةُ عَمَلِه ببَدَنِه، وما أَنْفَقَ على الأرْضِ مِن مالِه. وحَمل كلامَ أحمدَ عليه. وأفْتَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في مَن زارَعَ رَجُلًا على مَزْرَعَةٍ لبُسْتانِه، ثم أَجَرَها، هل تَبْطُلُ المُزارَعَةُ؟ فقال: إنْ زارَعَه مُزارَعَةً لازِمَةً، لم تَبْطُلْ بالإجارَةِ،
وإنْ لم تَكُنْ لازِمَةً، أعطَى الفَلَّاحَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ. وأفْتَى أيضًا في رَجُلٍ زرَع أرْضًا، وكانتْ بُورًا، وحرَثَها، فهل له إذا خرَج منها فِلاحَةٌ؟ إنْ كانَ له
وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا.
في الأرْضِ فِلاحَةٌ لم يَنْتَفِعْ بها، فله قِيمَتُها على مَنِ انْتَفَعَ بها،
وإنْ كان المالِكُ انْتَفَعَ بها، أو أَخَذ عِوَضًا عنها مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، فضَمانُها عليه،
وإنْ أخَذ الأجْرَةَ عنِ الأرْضِ وحدَها، فضَمانُ الفِلاحَةِ على الْمُسْتَأْجِرِ المُنْتَفِعِ بها.
قال في «القواعِدِ»: ونصَّ أحمدُ، في رِوايةِ صالحٍ، في مَنِ اسْتَأْجَرَ أرْضًا مَفْلُوحَةً، وشرَط عليه أنْ يَرُدها مَفْلُوحَةً، فما أخَذَها، أنَّ له أنْ يَرُدَّها عليه كما شرَط. قال: ويتَخرَّجُ مِثْلُ ذلك في المُزارَعَةِ.
فَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً لَا تَكْمُلُ فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ. وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وإنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا، وَقَدْ لَا تَكْمُلُ، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإن قُلْنَا: لَا تَصِحُّ. فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
قال: (وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يُثمر بجزء من الثمرة صح) .
أما كون المساقاة على ما ذكر تصح؛ فلأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر موجود.
وأما قول المصنف: حتى يثمر ففيه
تنبيه على أنه لو ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه مدة لا يثمر في مثلها لم يصح لأن من شرط المساقاة أن يكون للعامل نصيب من الثمرة ولم يوجد.
قال: (والمساقاة عقد جائز في ظاهر كلامه لا تفتقر إلى ذكر مدة. ولكل واحد منهما فسخها فمتى انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله، وقيل هي عقد لازم تفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها) .
أما كون المساقاة عقداً جائزاً في ظاهر كلام الإمام أحمد فـ «لأن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم على ذلك ما شئنا». ولأنها لو كانت لازمة لم تجز بغير تقدير مدة.
ولأنه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزاً كالمضاربة.
وأما كونها عقداً لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة.
ولأنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال الفسخ إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل وذلك إضرار به.
وأما كونها لا تفتقر إلى ذكر مدة على القول بأنها عقد جائز؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر لأهل خيبر مدة حين عاملهم.
ولأنها عقد جائز فلم تفتقر إلى ذكر المدة؛ كسائر العقود الجائزة.
وأما كون كل واحد من المتعاقدين له فسخها على ذلك؛ فلأن ذلك شأن كل عقد جائز.
وأما كون الثمرة بينهما إذا حصل الفسخ بعد ظهورها؛ فلأنها ظهرت على ملكهما.
وأما كون العامل إذا فسخ قبل ظهورها لا شيء له؛ فلأنه رضي بإسقاط حقه. أشبه المضارب إذا فسخ قبل ظهور الربح.
وأما كون رب المال عليه للعامل أجرة عمله إذا فسخ؛ فلأنه منعه من إتمام عمله الذي استحق به العوض. أشبه الجاعل إذا فسخ الجعالة.
وأما كونه يفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها على القول بأنها عقد لازم؛ فلأنها مشبهة بالإجارة فلم يكن بد من ضرب مدة يكمل فيها المقصود؛ كالإجارة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.