وَلَا حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ إِلَّا فِي الظِّئْرِ وَنَقَعِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا) يَجُوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه) كاسْتِئْجارِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ليَأخُذَ لَبَنَها، أو ليَسْتَرْضِعَها أسْخاله ، ونحوَها، ولا ليَأخُذَ صُوفَها وشَعَرَها ووَبَرَها، ولا اسْتِئْجارُ شَجَرةٍ ليَأخُذَ ثَمَرَتَها أو شيئًا مِن عَينها؛ لِما ذَكَرْناه.
٢١٦٩ - مسألة: (إلَّا في الظِّئْرِ ونَقْعِ (٢) البِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا)
أمّا الظِّئْرُ فقد سَبَقَ ذِكْرُها.
وأمّا نَقْعُ البِئرِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ البِئْر ليَسْتَقِيَ منه أيامًا مَعْلُومَةً أو دِلاءً مَعْلُومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئْرِ وعُمْقَها فيه نَوْعُ انْتِفاعٍ بمرُورِ الدَّلْو فيه.
فأمّا الماءُ فيؤخَذُ على أصْلِ الإباحَةِ.
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَحْلِ للضِّرابِ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في جَوازِه، بِناءً على إجارَةِ الظئرِ للرَّضاعِ؛ لأنَّ الحاجَة تَدْعُو إليه. وهو قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ. مُتَّفَق عليه . ولأنَّ المَقْصُودَ الماءُ الذي يُخْلقُ منه الوَلَدُ، فيَكُونُ عَقْدُ الإجارَةِ لاسْتِيفاءِ عَين [فلم يَجُزْ]، كإجارَةِ الغَنَمِ لأخْذِ لَبَنِها، ولأنَّ الماءَ مُحَرَّم لا قِيمَةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمَيتَةِ.
فأمّا مَن أجازَه، فيَنْبَغِي أن يُوقِعَ العَقْدَ على العَمَكِ، ويُقَدِّرَه بمَرَّةٍ أو مَرَّتَينِ.
وقيل: يُقَدِّرُه بالمُدَّةِ. وهو بَعِيدٌ،
فإنَّ مَن أرادَ إطْراقَ فَرَسِه مَرَّةً، فقَدَّره بمُدَّةٍ تَزِيدُ على قَدْرِ الفِعْلِ، لم يُمْكِنِ اسْتِيعابُها به، ورُبَّما لا يَحْصُلُ الفِعْلُ في المُدَّةِ، ويَتَعَذَّرُ ضَبْطُ مِقْدارِ الفِعْلِ، فيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بالفِعْلِ، إلَّا أن يَكْتَرِيَ فَحْلًا لإطْراق ماشِيَةٍ كَثيرَةٍ، كتَيْسٍ يَتْرُكُه في غَنَمِه، فإنَّه إنَّما يَكْتَرِيه مُدَّةً مَعْلُومَةً.
والمَذْهَبُ أنه لا يَجُوزُ إجارَتُه؛ لِما ذَكَرْناه،
فإنِ احْتاجَ إلى ذلك، ولم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ له، جاز له أن يَبْذُلَ الكِراءَ، وليس للمُطْرِق أخْذُه؛ لأنَّ ذلك بَذْلُ مالٍ لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُباحةٍ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، فجاز، كشراءِ الأسِيرِ، ورِشْوَةِ الظّالِمِ ليَدْفَعَ ظُلْمَه.
وإن أطْرَقَ إنْسان فَحْلَه بغيرِ إجارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّة، أو أكْرِمَ بكَرامةٍ لذلك، فلا بَأسَ به؛ لأنَّه فَعَل مَعْرُوفًا، فجازَتْ مُجازاتُه عليه، كما لو أهدَى هَدِيةً فجُوزِيَ عليها. واللهُ أعلمُ.
٢١٧٠ - مسألة: (الثاني، مَعْرِفةُ العَينِ برُؤيةٍ أو صِفَةٍ، في أحَدِ الوَجْهَين، ويَصِحُّ في الآخرِ بدُونِه، وللمُسْتَاجِرِ خِيارُ الرُّويةِ) يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ بالمُشاهَدَةِ إن كانت لا تَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ، أو بالصِّفَةِ إن كانت تَنْضَبِطُ بها، قِياسًا على البَيعِ. وفيه وَجْه آخَر، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، ويَثْبُتُ للمُسْتَأجِر خِيارُ الرُّويةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرأي. والخِلافُ ههُنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في البَيعِ. وقد ذَكَرْناه،
والمَشْهُورُ الأوَّلُ. فعلى هذا، إذا كانت ممّا لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالدورِ، والحَمّامِ، فلا بُدَّ مِن رُؤيتها، كالبَيعِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِها، وكِبَرِها، ومَرافِقِها، ومُشاهَدَةِ قَدْرِ الحَمّامِ؛ ليَعْلَمَ كِبَرَها مِن صِغَرِها، ومَعْرِفةِ مائِهِ، ومُشاهَدَةِ الإيوانِ ، ومُطَّرَحِ الرَّمادِ، ومَوْضِح الزِّبْلِ، ومَصْرِفِ ماءِ الحَمّامِ. فمتى أخَلَّ بهذا أو بعضِه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ بما يَخْتَلِفُ به الغَرَضُ. وقد كَرِه أحمدُ، رَحِمَهُ الله، كَرْىَ الحَمّامِ؛ لأنَّه يَدْخُلُه مَن يَكْشِفُ عَوْرَتَه فيه. قال ابنُ حامدٍ: هذا على طَرِيقِ كَراهَةِ التنزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ،
فأمّا العَقْدُ فصَحِيح في قولِ أكثر أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ كِراءَ الحَمّامِ جائِر، إذا حَدَّدَه، وذَكَر جميعَ آلتِه شُهُورًا مُسَمّاةً. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرأي؛ لأنَّ المُكْتَرِي إنَّما يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن دُخُولِ الحَمّامِ والاغْتِسالِ بمائِهِ، وأحْوالُ المُسْلِمِين مَحْمُولَةٌ على السَّلامَةِ،
وإن وَقَعَ مِن بعضِهم فِعْلُ ما لا يَجُوزُ، لم يُحَرَّمِ الأجْرُ المَأخُوذُ منه، كما لو اكْتَرَى دارًا ليَسْكُنَها، فشربَ فيها خَمْرًا.
٢١٧١ -
(وَلَا حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ) كَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا، وَأَخْذُ الصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ كَاللَّبَنِ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجَارَةَ الْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ،
فَإِنْ قَامَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَعَلَفَهَا فَكَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ،
وَإِنْ عَلَفَهَا رَبُّهَا وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي اللَّبَنَ فَبَيْعٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِغَرَرٍ، فَإِنَّهُ كَمَنِيحَةِ الشَّاةِ وَهُوَ عَارِيَتُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِلَبَنِهَا كَمَا يُعِيرُهُ الدَّابَّةَ لِرُكُوبِهَا ; لِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَهُوَ بِالْمَنَافِعِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهَا أَوْلَى (إِلَّا فِي الظِّئْرِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَنَقَعِ الْبِئْرِ) أَيْ مَاؤُهَا الْمُسْتَنْقَعُ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَعَبَّرَ فِي " الْمُبْهِجِ " وَغَيْرِهِ: وَمَاءُ بِئْرٍ (فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا) هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْأَجِيرِ لِإِفْرَادِهِ الضَّمِيرَ،
وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إِلَى الظِّئْرِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْخِدْمَةَ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهَا مِمَّا ذُكِرَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ; لِأَنَّ خِدْمَةَ الْمُرْضِعَةِ تَقَعُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ،
وَإِنْ كَانَ اللَّبَنَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: يَدْخُلُ تَبَعًا ; لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلٌ لَا تَبَعٌ
بِخِلَافِ نَقْعِ الْبِئْرِ فَإِنَّ هَوَاءَ الْبِئْرِ وَعُمْقَهُ فِيهِ نَوْعُ انْتِفَاعٍ لِمُرُورِ الدَّلْوِ فِيهِ،
وَفِي " التَّبْصِرَةِ " يَعُودُ ذَلِكَ إِلَيْهِمَا. انْتَهَى.
وَكَذَا حِبْرُ نَاسِخٍ، وَخُيُوطُ خَيَّاطٍ، وَكُحْلُ كَحَّالٍ، وَمَرْهَمُ طَبِيبٍ، وَمَنَعَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبِئْرِ لِيُسْقي مِنْهُ أَيَّامًا مَعْلُومًا،
وَفِي " الْفُصُولِ " إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ بِحِيَازَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْمَيْتَةِ، وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِجَوَازِهِ بِنَاءً عَلَى إِجَارَةِ الظِّئْرِ وَالْبِئْرِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَمَلِ، وَيُقَدِّرَهُ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ،
وَقِيلَ: يُقَدَّرُه بِالْمُدَّةِ وَهُوَ بَعِيدٌ إِلَّا أَنْ يَكْتَرِيَ فَحْلًا لِإِطْرَاقِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ،
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَطْرُقُهُ لَهُ جَازَ أَنْ يَبْذُلَ الْكِرَاءَ وَلَيْسَ لِلْمُطْرِقِ أَخْذُهُ،
فَإِنْ أَطْرَقَ إِنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى شَيْئًا كَالْحَجَّامِ، فَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ مُقْتَضَى النَّظَرِ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى الْوَرَعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَلَوْ أَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ فَنَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ] (الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ) الْمُؤَجَّرَةِ (بِرُؤْيَةٍ) إِنْ كَانَتْ لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ كَالدَّارِ، وَالْحَمَّامِ (أَوْ صِفَةٍ) إِنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِهَا كَالْبَيْعِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ،
فَلَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ حَمَّامًا فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ كَالْمَبِيعِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَمَعْرِفَةِ مَائِهِ، وَمُشَاهَدَةِ الْإِيوَانِ، وَمَطْرَحِ الرَّمَادِ، وَمَصْرِفِ الْمَاءِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ كَرِهَ كِرَاءَ الْحَمَّامِ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَنْ تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ فِيهِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْعَقْدِ صَحِيحٍ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا حَيْثُ حَدَّدَهُ وَذَكَرَ جَمِيعَ آلَتِهِ شُهُورًا مُسَمَّاةً
ولا حيَوَانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه، إلا في الظِّئْرِ ونَقْعِ البِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا. هذا إلا فِي الظِّئْرِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا.
المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به.
وأما قوْلُه: إلّا في الظئرِ ونقْعٍ البِئْرِ يدْخُلُ تبَعًا. فتقدَّم في الظئرِ، هل وقَع العَقْدُ على اللَّبَنِ، ودخَلَتِ الحَضانة تَبَعًا، أو عكْسُه؛ في أوَّلِ البابِ. واخْتارَ الشيخُ تَقِي الدِّينِ جَوازَ إجارَةِ قَناةِ ماءٍ مُدّةً، وماءِ فائضِ بِرْكَةٍ رأياه، وإجارَةِ حَيوانٍ لأجْلِ لَبَنِه، قام به هو أو رَبه؛
فإنْ قامَ عليها المُسْتَأجِرُ وعلَفَها، فكَاستِئْجارِ الشَّجَرِ،
وإنْ علَفَها ربُّها، ويأخُذُ المُشْتَرِي لبَنًا مُقَدَّرًا، فبَيعٌ مَحْضٌ،
وإنْ كان يأخُذُ اللَّبَنَ مُطْلَقًا، فبَيع أيضًا، وليس هذا بغَرَر، ولأنَّ هذا يحْدُثُ شيئًا فشيئا، فهو بالمَنافِعِ أشْبَهُ، فإلْحاقُه بها أوْلَى، ولأن المُسْتَوْفَى بعَقْدِ الإجارَةِ على زَرْعِ الأرْضِ هو عَين مِن أعْيان، وهو ما يُحْدِثُه الله مِنَ الحَبِّ بسَقْيِه وعَمَلِه،
وكذا مُسْتَأجِرُ الشاةِ للَبَنِها مَقْصودُه ما يُحْدِثُه الله تَعالى مِن لَبَنِها بعَلْفِها والقيامِ علهِا، فلا فَرْقَ بينَهما، والآفاتُ والمَوانِعُ التي تَعْرِضُ للزرْعِ أكثرُ مِن آفاتِ اللبَنِ، ولأنَّ الأصْلَ في العُقودِ الجَوازُ والصحَّةُ. قال: وكظِئر. انتهى. ونَقْعُ البِئْرِ يَدْخُلُ تَبَعًا. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «المُبْهِجِ» وغيرِه: ماءُ بِئْر.
وقال في «الفصولِ»: لا يُسْتَحَقُّ بالإجارَةِ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنه إنَّما يَمْلِكُه بحِيازَته. وذكَر صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُه، إنْ قُلْنا: يُمْلَكُ الماءُ. لم يَجُزْ مَجْهُولًا، وإلَّا جازَ، ويكونُ على أصْلِ الإباحَةِ.
وقال في «الانْتِصارِ»: قال أصحابُنا: ولو غارَ ماءُ دار مُؤجَرَةٍ، فلا فَسْخَ؛ لعدَمِ دُخولِه في الإجارَةِ.
وقال في «التبصِرَةِ»: لا يَمْلِكُ عَينًا، ولا يسْتَحِقُّها بإجارَةٍ إلا نقْعَ البِئْرِ في مَوْضِعٍ مُسْتَأجَرٍ، ولبَنَ ظِئْرٍ يدْخُلان تَبَعًا.
[تنبيه: قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: قولُ المُصَنِّفِ: يدْخُلُ تَبَعًا. يَحْتَمِلُ أنَّه عائدٌ إلى نَقْعِ البِئْرِ؛ لأنه أفْرَدَ الضَّمِيرَ، ويَحْتَمِلُ أنه عائد إلى الظئرِ ونَقْعِ البِئْرِ. وبه صرَّح غيرُه، قال: إلا في الظئرِ ونَقْعِ البِئرِ؛ فإنَّهما يدْخُلان تَبَعًا. انتهى.
قلتُ: ممَّن صرَّح بذلك، صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»؛ فإنَّه قال: ولا يُسْتَحَقُّ بعَقدِ الإجارَةِ عَين إلَّا في مَوْضِعَين؛ لَبَنِ الظئرِ، ونَقْعِ البِئْرِ، فإنهما يدْخُلان تَبعًا. انتهى.
وكذا صاحِبُ «التبصِرَةِ»؛ لعدَمِ ضَبْطِه. انتهى.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وقَع العَقْدُ على المُرْضِعَةِ، واللبَنُ تَبَع، يُسْتَحَقُّ إبْلاغُه بالرضاعِ. وقاله القاضي في «الخِصالِ». وصحَّحه ابنُ عَقِيل في «الفُصولِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، كما تقادم في الظئرِ. فعلى الاحْتِمالِ، تكونُ الإجارَةُ وقَعَتْ على اللَّبَنِ. وعلى الثَّاني، يدْخُلُ اللَّبَنُ تَبَعا. وهما قولان تقَدَّما] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
فائدة: ومما يدْخُلُ تَبعًا؛ حِبْرُ النَّاسِخ، وخُيوطُ الخَيَّاطِ، وكُحْلُ الكَحَّالِ، ومَرْهَمُ الطيبِ، وصِبْغُ الصبَّاغِ، ونحوُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدمه في الثَّانِي، مَعْرِفَةُ الْعَينِ بِرُؤيَةٍ أوْ صِفَةٍ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ بِدُونِهِ، وَلِلْمُستَأجِرِ خِيَارُ الرؤيَةِ.
«الرعايتَين». وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ»، في الحِبْرِ، والخُيوطِ، وأطْلَقَ وَجْهَين في الصبْغِ.
قال في «الفُروعِ»: ومَنِ أكْترِىَ لنَسْخ أو خِياطَةٍ أو كَحْل ونحوه، لَزِمَه حِبْر، وخُيوط، وكُحْل.
وقيل: يَلْزَمُ ذلك المُسْتَاجِرَ. وقيل: يُتْبَعُ في ذلك العُرْفُ.
قال الزرْكَشِيُّ: ويجوزُ اشْتِراطُ الكُحْلِ مِنَ الطيبِ، على الأصحِّ، لا الدَّواءِ اعْتِمادًا على العُرْفِ. وقطَع بهذا في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». الثَّانِي، مَعْرِفَةُ العَينِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو المذهبُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا المذهبُ
والمَشْهورُ. وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغيرِ»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الآخَرِ، يَجُوزُ بدُونِه، وللمُسْتَأجِرِ خِيارُ الرُّويَةِ. واعلمْ أنَّ الخِلافَ هنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في البَيعِ، على ما تقدَّم. الثَّالث، الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلا تَصحُّ إِجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أخْذِهِ.
وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا لِغَيرِ شَرِيكِهِ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازه.
قال: (الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين، وتصح في الآخر بدونه. وللمستأجر خيار الرؤية) .
أما كون الثاني من شروط صحة إجارة العين: معرفة العين المستأجرة برؤية أو صفة في أحد الوجهين؛ فلأن الإجارة بيع المنافع فوجب أن لا تصح إلا بذلك كالبيع.
فعلى هذا لو استأجر ما لم يره ولم يوصف له لم تصح الإجارة لفقدان الشرط.
وأما كونها تصح بدون ذلك في وجه؛ فلأن البيع يصح بدون ذلك في رواية.
وأما كون المستأجر له خيار الرؤية على الوجه المذكور؛ فلأن من اشترى ما لم يره ولم يوصف له: له الخيار المذكور فكذا المستأجر لذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.