الْقِسْمُ الثَّانِي إِجَارَتُهَا لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ كَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثِ مَكَانٍ أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ أَوِ اسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ أَوْ رَحًى لِطَحْنِ قُفْزَانٍ مَعْلُومَةٍ
الشروح عليها
.
فصل: ومَن اكْتَرَى دابَّةً إلى العشاءِ، فآخِرُ المُدَّةِ غُرُوبُ الشَّمْسِ. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَور: آخِرُها زَوالُ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِشاءَ آخِرُ النَّهارِ، وآخِرُه النِّصْفُ الآخرُ مِن الزَّوالِ،
وكذلك جاء في حَدِيثِ ذي اليَدَينِ، عن أبي هرَيرَة، قال: صَلَّى بِنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ. يَعْنِي الظُّهْرَ أو العَصْرَ. هكذا تَفْسِيرُه . ولَنا، قولُه تعالى:{وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ}. يَعْنِي العَتَمَةَ.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا ان أشُقَّ عَلَى أمَّتِي لأخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ». وإنما تَعَلَّقَ الحُكْمُ بغُرُوب الشَّمسِ؛ لأنَّ هذه الصَّلاةَ تُسَمَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، فيَدُلُّ على أنَّ الأوَلَى المَغْرِبُ، وهو في العُرْفِ كذلك، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جُعِلَتْ إلى وَقْتٍ، تَعَلَّقَتْ بأوَّلِه، كما لو جَعَلَها إلى اللَّيلِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَفْظَ العَشِيِّ غيرُ لَفْظِ العِشاءِ، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ بأحَدِهما على الآخَرِ حتى يَقُومَ دَلِيل على أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَينِ واحِدٌ.
ثم لو ثَبَت أنَّ مَعْناهُما واحدٌ، غيرَ أنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَ غيرَ ما ذَكَرْنا.
فإنِ اكْتَراها إلى اللَّيل، فهو إلى أوَّلِه،
وكذلك إنِ اكْتَراها إلى النَّهارِ، فهو إلى أوَّلِه. ويَتَخرَّجُ أن يَدْخُلَ اللَّيلُ في المُدَّةِ الأولَى، والنَّهارُ في الثانيةِ؛ لِما ذَكَرْنا في مُدَّةِ الخِيارِ.
وإنِ اكْتَراها نَهارًا، فهو إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وإنِ اكْترَاها لَيلَة، فهي إلى طلُوعِ الفَجْرِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى
قال في لَيلَةِ القَدْرِ:{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}. وقال:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ثم قال: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ}.
فصل: وإنِ اكْتَرَى فُسْطاطًا إلى مَكَّةَ، ولم يَقُلْ متى أخْرُجُ، فالكِراءُ فاسِد. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وهو قِياس قولِ الشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ اسْتِحْسانًا،
بخِلافِ القِيَاس. ولَنا، أنَّها مُدَّة غيرُ مَعْلُومةِ الابتداءِ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: أجرْتُكَ دارِي مِن حينِ يَخْرُجُ الحاجُّ إلى رَأس السَّنَةِ. وقد اعْتَرَفُوا بمُخَالفتِه الدَّلِيلَ، وما ادَّعَوْه دَلِيلًا نمْنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا.
(القِسمُ الثاني، إجارَتُها لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجارَةِ الدَّابَّةِ للرُّكُوبِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، أو بَقَر لِحَرْثِ مكانٍ أو دِياس زَرْع، واسْتِئْجارِ عَبْدٍ ليَدُلَّه على طَرِيقٍ، أو رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومَةٍ، فيُشْترَط مَعْرِفَةُ العَمَلِ، وضَبْطُه بما لا يَخْتَلِفُ) لأنَّ الإِجارَةَ عَقْد مُعاوَضةٍ، فوَجَبَ أن يكونَ العِوَضُ فيها مَعْلُومًا، لِئَلَّا يُفْضِي إلى الاخْتلافِ والتَّنازعِ، كقَوْلِنا في البَيعِ. والعِلْمُ بمِقْدارِ المَنْفَعة؛
إمّا أن يَحْصلَ بتَقْدِيرِ المدَّةِ، كما ذَكَرْنا في إجارَةِ الدَّارِ وخِدْمةِ العَبْدِ مدَّةً مَعْلُومةً،
وإمّا [أن يكونَ] بتَقْدِيرِ العَمَلِ، ووَصْفِ ما يَعْمَلُه وضَبْطِه بما لا يُخْتَلَفُ فيه، كالمَبِيعاتِ.
فصل: يجوز أن يَكْتَرِيَ بَقَرًا لِحَرْثِ مَكانٍ؛ لأنَّ البَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَمَا رَجُل يَسوقُ بَقَرَةً، أرَادَ أنْ يَرْكَبَهَا، فَقَالتْ: إِنِّي لَمْ اخْلَقْ لِهَذَا، إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ». مُتَّفَق عليه . ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ العَمَلِ،
فأمّا الأرْض فلا تُعْرَفُ إلَّا بالمُشاهَدَةِ؛ فإنَّها تَخْتَلِفُ، فتكونُ صُلْبَةً تُتْعِب البَقَرَ والحَرّاثَ وتكونُ فيها حِجارَة تتَعَلَّقُ فيها السِّكَّةُ ، وتكونُ رَخْوة يَسْهُلُ حَرْثُها، ولا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، فتَحتاجُ إلى الرُّؤيةِ.
وأمّا تَقْدِيرُ العَمَلِ، فيجوزُ بأحَدِ شَيئَينِ؛
إمّا بالمُدَّةِ، كيَوْم، وإمّا بمَعْرِفةِ الأرْضِ، كهذه القِطْعةِ، أو مِن ههُنا إلى ههُنا، أو بالمِساحَةِ، كجَرِيب أو جَرِيبَينِ، أو كذا ذِراعًا في كذا، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لحُصُولِ العِلْمِ به.
فإن قَدَّرَهُ بالمُدَّةِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ البَقَرِ التي يَعْمَلُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِها، في القُوَّةِ والضعْفِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ البَقَرَ مُفْرَدَةً؛ ليَتَولَّى رَبُّ الأرْضِ الحَرْثَ بِها،
ويَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَها مع صاحِبِها،
ويجوزُ اسْتِئْجارُها بآلتِها، وبدُونِها وتكونُ الآلةُ مِن عندِ صاحِبِ الأرْضِ،
ويجوزُ اسْتِئْجارُ البَقَرِ وغيرِها لدِراسِ الزَّرْعِ؛ لأنها مَنْفَعة مُباحة مَقْصُودَة، أشْبَهَتِ الحَرْثَ.
ويجوزُ على مُدَّةٍ أو زَرْع مُعَين، أو مَوْصُوفٍ، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
ومتى كان على مُدَّةٍ، احْتِيجَ إِلى مَعْرِفةِ الحَيوانِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به، فمنه ما رَوْثُه طاهِر ومنه نجس، ولا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ عَينِ الحَيوانِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الحَيَوانَ بآلتِه وغيرِ ها، مع صاحِبِه ومُنْفَرِدًا، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ غَنَمٍ لتَدُوسَ له طِينًا أو زَرْعًا. ولأصْحابِ الشافعيِّ فيه وَجْه، أنه لا يجوزُ؛ لأنَّها مَنْفعَةٌ غيرُ مَقْصُودةٍ مِن هذا الحَيَوانِ. ولنا، أنَّها مَنْفعة مُبَاحة يُمْكِنُ اسْتِيفاؤها، أشْبَهَتْ سائِرَ المَنافعِ المُباحةِ، وكالتي قبلَها.
فصل: فإنِ اكْتَرَى حَيَوانًا لِعَمَلٍ لم يُخْلَقْ له، كمَنِ اسْتَأجَرَ البَقَر للرُّكُوب أو الحَمْلِ، أو الإبلَ والحُمُرَ للحَرْثِ، جازَ؛ لأنَّها مَنْفَعة مَقْصُودَةَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤها مِن الحَيوانِ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحْرِيمِها، فجازَ، كالتي خُلِقَتْ له، ولأنَّ مُقْتَضَى المِلْكِ جَوازُ التَّصرُّفِ بكلِّ ما تَصْلُحُ له العَينُ المَمْلوكَةُ ويُمْكِنُ تَحْصِيلُها منها، ولا يَمْتَنعُ ذلك إلا بمُعارِض راجِحٍ، أو ما وَرَد بتَحْرِيمِه نَص أو قِياسٌ صَحِيح، أو رُجْحانُ مَضَرَّةٍ على مَنْفعةٍ، ولم يُوجَدْ واحد منها، وكَثِير مِن الناسِ يَحْمِلُونَ على البَقَرِ ويَرْكَبُونَها،
وفي بعضِ البِلادِ يُحْرَثُ على الإبِلِ والبغالِ والحَمِيرِ، فيكونُ مَعْنَى خَلْقِها لِلْحَرْثِ، إن شاء الله تعالى، أنَّه مُعْظَمُ نَفْعِها، ولا يمنعُ ذلك الانْتِفاع بها في شيءٍ آخَرَ،؛ أنَّ الخَيلَ خُلِقَتْ للرُّكوبِ والزِّينَةِ،
ويباحُ أكْلُها، واللؤْلُؤُ خُلِقَ للْحِلْيَةِ،
ويجوزُ اسْتِعمالُه في الأدْويةِ وغيرِها.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ لإدارةِ الرَّحَى، ويَفْتَقِرُ إلى شَيئَين ؛ مَعْرِفَةُ الحَجَرِ بالمُشاهَدَةِ أو الصِّفَةِ؛ لأنَّ عَمَلَ البَهِيمةِ يَخْتَلِفُ فيه بثِقَلِه وخِفَّتِه، فيَحْتاجُ صاحِبُها إلى مَعْرِفَتِه. الشاق، تَقْدِيرُ العَمَلِ بالزّمانِ، كيَوْم أو يَوْمَين، أو بالطَّعامِ، فيقولُ: قَفِيزًا -أو- قَفِيزَينِ. وذِكْرُ جِنْسِ المَطْحُونِ إن كان يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ منه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَشُقُّ.
وإنِ اكْتَراها لادارَةِ دُولابٍ، فلا بُدَّ مِن مُشاهَدَتِه ومشاهَدةِ دِلائِه، لاخْتِلافِها، وتَقْدِيرِ ذلك بالزَّمانِ أو مِلْءِ هذا الحَوْضِ.
وكذلك إنِ اكْتَراها للسَّقْي بالغَرْبِ ، فلا بُدَّ مِن معرِفَتِه؛ لأنه يَخْتَلِفُ بكِبَرِه وصِغَرِه. ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ، أو بعَدَدِ الغُرُوبِ، أو بِمِلْءِ بِرْكةٍ،
[ولا] يجوزُ تَقْدِيرُ ذلك بِسَقْيِ أرْض؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فقد تكونُ الأرْضُ شَدِيدَةَ العَطَش لا يَرْويها القَلِيلُ، وتكونُ قَريبةَ العَهْدِ بالماءِ فيَكْفِيها اليَسِيرُ.
وإن قَدَّرَه بِسَقْي ماشِيَةٍ، احْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّ شُرْبَها يَتَقارَبُ في الغالِبِ.
ويجوزُ اسْتِئْجارُ دابَّةٍ ليَسْتَقِيَ عليها ماءً، ولا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الآلةِ التي يَسْتَقِي فيها؛ مِن رَاويةٍ أو قِرَبٍ أو جِرار،
إمّا بالرُّؤيةِ، وإمّا بالصِّفَةِ. ويُقَدِّرُ العَمَلَ بالزَّمانِ، أو بالعَدَدِ، أو بِمِلْءِ شيءٍ مُعين،
فإن قَدَّرَه بعَدَدِ المرّاتِ، احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ المَكانِ الذي يَسْتَقِي منه، والذي يَذْهَبُ إليه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ، والسُّهُولةِ والحُزُونةِ،
وإن قَدَّرَه على شيءٍ مُعَيَّن، احْتاجَ إلى مَعْرِفَتِه، ومَعْرِفةِ ما يَسْتَقِي منه.
ويجوزُ أن يَكْتَرِيَ البَهِيمةَ بآلتِها وبدُونِها، مع صاحِبِها ووَحْدَها.
فإن اكْتَراها لِبَلِّ تُرابٍ مَعْرُوفٍ، جازَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ بالعُرْفِ. وكلُّ مَوْضِع وَقَع العَقْدُ على مُدةٍ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الظَّهْرِ الذي يَعْمَلُ عليه؛ لأن الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها في القُوَّةِ والضعْفِ.
وإن وَقَع على عَمَل مُعَيَّن، لم يَحْتَجْ إلى ذلك؛ لأنه لا يَخْتَلِفُ. ويَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى ذلك في اسْتِقاءِ الماءِ عليه؛ لأن منه ما رَوْثُه وجِسْمُه طاهِر، كالخَيلِ والبَقَرِ، ومنه ما رَوْثُه نَجِس وفي جِسْمِه اخْتِلاف، كالبِغَالِ، فرُبما نَجَّسَ يَدَ المُسْشَقِي أو دَلْوَه، فيَتَنَجَّس الماءُ به، فيَخْتَلِفُ الغرَضُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه.
٢١٨٥ - مسألة: يجوزُ (اسْتِئْجارُ رَجُل ليَدُلَّهُ على طَرِيقٍ) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر اسْتَأجَرَا عَبْدَ اللهِ بنَ الأرَيقِطِ هادِيًا خِرِّيتًا . وهو الماهِرُ بالهِدايةِ، ليَدُلَّهُما على الطرِيقِ إلى المَدِينةِ.
٢١٨٦ - مسألة: (و) يَصِحُّ اسْتِئْجارُ (رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومةٍ) ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ جِنْسِ المَطْحُونِ؛ بُرًّا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو غيرَه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فمنه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَعْسُرُ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، لتَزُولَ الجَهالةُ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي إِجَارَتُهَا) أَيِ الْعَيْنِ (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهَا مَعْلُومًا لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ كَالْبَيْعِ (كَإِجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثِ مَكَانٍ) لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْأَرْضِ بِالْمُشَاهَدَةِ لِاخْتِلَافِهَا بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ، وَتَقْدِيرُ الْعَمَلِ
إِمَّا بِالْمُدَّةِ كَيَوْمٍ، وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْأَرْضِ كَهَذِهِ، أَوْ بِالْمِسَاحَةِ كَجَرِيبٍ،
فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَقَرة الَّتِي تَعْمَلُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا،
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مُفْرَدَةً لِيَتَوَلَّى رَبُّ الْأَرْضِ الْحَرْثَ بِهَا وَمَعَ صَاحِبِهَا بِآلَتِهَا وَبِدُونِهَا، وَتَكُونُ الْآلَةُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ (أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ) لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ كَالْحَرْثِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَا لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى مُدَّةٍ احْتِيجَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَيَوَانِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ فَمِنْهُ مَا رَوْثُهُ طَاهِرٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ نَجِسٌ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ،
وَإِنْ كَانَ عَلَى زَرْعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ فَلَا كَالْحَرْثِ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ اكْتِرَاءُ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ كَالْبَقَرِ لِلرُّكُوبِ، أَوِ الْحَمْلِ، وَالْإِبِلِ، وَالْحُمُرِ لِلْحَرْثِ ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا فَجَازَ كَالَّتِي خُلِقَتْ لَهُ، وَقَوْلُهَا: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، أَيْ مُعْظَمُ نَفْعِهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ. (أَوِ اسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بَكْرٍ اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأُرَيْقِطِ هَادِيًا خِرِّيتًا - وَهُوَ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ لَعَمَّ (أَوْ رَحًى لِطَحْنِ قُفْزَانٍ مَعْلُومَةٍ) وَيُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِ الْمَطْحُونِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُ مَا يَسْهُلُ، وَمِنْهُ مَا يَعْسُرُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ لِتَزُولَ الْجَهَالَةُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم؛ كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار عبد ليدله على طريق، أو رحى لطحن قفزان معلومة. فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف) .
أما كون الإجارة كما ذكر تصح؛ فلأن المنفعة معلومة. أشبهت إجارة الدار. وقد جاء «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أُريقِط هَادِياً خِرِّيتاً». أي ماهراً بالهداية فدلهما على طريق المدينة.
وأما كونه يشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف؛ فلأن العمل إذا لم يكن معروفاً مضبوطاً بما ذكر يكون مجهولاً فلا تصح الإجارة معه.
ولأن العمل هو المعقود عليه فاشترط معرفته وضبطه بما ذكر؛ كالمبيع .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.