وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً، أَوْ حَدِيدًا، فَضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ وَأَرْشِ نَقْصِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فقَصَرَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو فِضَّةً أو حَدِيدًا فضَرَبَه، أو خَشَبًا فنَجَرَه، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، رَدَّ ذلك بزِيادَتِه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ له) [إذا غَصَب حِنْطَةً فَطَحَنَها، أو شاةً فذَبَحَها وشَوَاها، أو حَدِيدًا فعَمِلَه إبَرًا أو أوَانِيَ، أو خَشَبَةً فَنَجَرَها بابًا، أو ثَوْبًا فقَطَعَه وخاطَه، لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه عنه، ويَأْخُذُه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصِبِ في زِيادَتِه]. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ في هذه المسائِلِ: يَنْقَطِعُ حَقُّ صاحِبِها عنها، إلَّا أنَّ الغاصِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيها إلَّا بالصَّدَقةِ، إلَّأ أن يَدْفَعَ قِيمَتَها فيَمْلِكَهَا ويَتَصَرَّفَ فيها كيف شاءَ. وروَى محمدُ بنُ الحَكَمِ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الغاصِبَ يَمْلِكُها بالقِيمَةِ، إلَّا أنَّه قولٌ قَدِيمٌ رَجَع عنه،
فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بنحو مِن عِشْرِينَ سَنةً. واحْتَجُّوُا بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَارَ قَوْمًا مِن الأنْصارِ في دارِهِم، فقَدَّمُوا إليه شاةً مَشْويَّةً، فتَناوَلَ منها لُقْمَةً، فجَعَلَ يَلُوكُها ولا يَسِيغُها، فقال:«إنَّ هذِهِ الشَّاةَ لتُخْبِرُنِي أنَّها أُخِذَتْ بِغَيرِ حَقٍّ». فقالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، طَلَبْنا في السُّوقِ فلم نَجِدْ، فأخَذْنا شاةً لبعضِ جِيرَانِنا، ونحن نُرْضِيهِم مِن ثَمَنِها. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَطْعِمُوهَا الأَسْرَى».
رَواه أبو داودَ بنَحْو مِن هذا. وهذا يَدُلُّ على أنَّ حَقَّ أَصْحابِها انْقَطَعَ عنها، ولولا ذلك لأَمَرَ بِرَدِّها عليهم. ولَنا، أنَّ عَينَ مال المَغْصُوبِ منه قائِمةٌ، فلَزِمَ رَدُّها إليه، كما لو ذَبَحَ الشّاةَ ولم يَشوهَا، ولأَنَّه لو فَعَلَه بمِلْكِه لم يَزُلْ عنه، فكذلك إذا فَعَلَه بمِلْكِ غيرِه، كذَبْحِ الشّاةِ، وضَرْبِ النُّقْرَةِ دَرَاهِمَ. ولأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ إذا كان بغيرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، فلم يُزِلْه إذا فَعَلَه آدَمِيٌّ، كالذي ذَكَرْناه.
وأمّا الخَبَرُ فليس بمَعْرُوفٍ كما رَوَوْهُ، [وليس] في رِوَايَةِ أبي داودَ: ونَحْنُ نُرْضِيهِم عَنْهَا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا شيءَ للغاصِبِ بعَمَلِه، سَواءٌ زادَتِ العَينُ أو لم تَزِدْ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً، أَوْ حَدِيدًا، فَضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا رَدَّ ذَلِكَ) إِلَى مَالِكِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَقَطْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، فَكَذَا إِذَا فَعَلَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ (بِزِيَادَتِهِ) إِنْ زَادَ (وَأَرْشِ نَقْصِهِ) إِنْ نَقَصَ لِكَوْنِهِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَقْصِ الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ أَوْ هُمَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْغَاصِبِ بِعَمَلِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى الزِّيَادَةِ؛
لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا كَمَا لَوْ غَلَى زَيْتًا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى كَحُلِيٍّ، وَأَوَانٍ، وَدَرَاهِمَ، وَنَحْوِهَا، فَلِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَى الْإِعَادَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنْ غصَب ثَوْبًا فقصَرَه، أو غَزْلًا فنسَجَه، أو فِضَّةً، أو حَدِيدًا فضَرَبَه -إبَرًا أو أَوانِيَ- أو خَشَبًا، فنجَرَه بابًا، ونحوَه، أَو شاةً فذَبَحَها وشَواها، رَدَّ ذلك بزيادَتِه، وأَرْشَ نَقصِه، ولا شيءَ له.
وكذا لو غَصَبَ طينًا، فضَرَبَه لَبِنًا، أو جعَلَه فَخَّارًا، أو حبًّا، فطَحَنَه، ونحوَ ذلك. ذكَر المُصَنِّفُ هنا، ما يُغَيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، ويَنْقُلُه إلى اسْمٍ آخَرَ، كما مثَّلَ، ونحوه، ففي هذا يكونُ الحُكْمُ كما قال المُصَنِّفُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»: هذا ظاهِرُ المذْهبِ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه المُصَنِّفُ، والأكْثَرون مِن أهْلِ المذهبِ؛ منهم، القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو عَليِّ بنُ شِهابٍ، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ». قال: وهو المُخْتارُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا الصَّحيحُ عندِي. وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وعنه، يكونُ شَرِيكًا بالزِّيادَةِ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قاله في «الفائقِ».
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»: وَعَنْهُ، يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، إنْ زادَتِ القِيمَةُ بذلك، فالغاصِبُ شَرِيكُ المالِكِ بالزِّيادَةِ. انتهى. وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»،
وقال: رجَّحه الأكْثَرُ في الخِلافِ. انتهى. واخْتارَه القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، والقاضي يَعْقُوبُ، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وأبو الحَسَنِ ابنُ بَكْرُوسٍ .
وقيل: للغاصِبِ أُجْرَةُ عَمَلِه فقط، إذا كانتِ وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
الزِّيادَةُ مِثْلَها فصاعِدًا. أوْمَأَ إليه ابنُ أبِي مُوسى. ذكَرَه عنه في «التَّلْخيصِ». قال الحارِثِيُّ: قاله ابنُ أبِي مُوسى، والشِّيرازِيُّ. فعلى هذا، إنْ عَمِلَ ولم يَسْتَأْجَرْ، فلا شيءَ له، قاله الشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ».
وقال أبو بَكْرٍ: يَمْلِكُه، وعليه قِيمَتُه قبلَ تَغْيِيرِه. وهو رِوايةٌ نقَلَها محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّ المُصَنِّفَ، والشَّارِحَ قالا: هو قوْلٌ قديمٌ رجَعَ عنه؛
فإنَّ محمدًا ماتَ قبلَ أبي عبدِ اللهِ بَنْحوٍ مِن عِشْرِين سنَةً.
قلتُ: مَوْتُه قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِين سنَةً لا يدُلُّ على أنَّه رجَع عنه، بل لا بُدَّ مِن دَليل على رُجُوعِه، وإلَّا فالأصْلُ عدَمُه. ثم وجَدْتُ الحارِثِيَّ قال نحوَه؛ فقال: وليس يَلْزَمُ مِن تقدُّمِ الوَفاةِ الرُّجُوعُ؛ إذْ مِنَ الجائزِ تقدُّمُ سَماعِ مَن تأخَّرَتْ وفاتُه، وكان يجِبُ، على ما قال، إلْغاءُ ما خالفَ أبو بَكْرٍ فيه لرِوايَةِ مَن تأَخَّرَ مَوْتُه، . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأَمْرُ بخِلافِه. انتهى. وعنه، يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ العَينِ والقِيمَةِ.
قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ.
تنبيه: أدْخَلَ المُصَنِّفُ فيما يُغيِّرُ المَغْصُوبَ عن صِفَتِه، قَصْرَ الثَّوْبِ، وذَبْحَ الشَّاةِ وشَيَّها.
قال في «الفُروعِ»: فذَكَر جماعَةٌ، أنَّه كالنَّوْعِ الأوَّلِ.
قلتُ: منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ» و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم. قال الحارِثِيُّ: وقد أدْرَجَ هو وغيرُه في هذا الأَصْلِ قِصارَةَ الثَّوْبِ،
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ وليس بالمُخْتارِ؛ لانْتِفاءِ سلْبِ الاسمِ والمَعْنَى.
تنبيه ثان: أفادَ المُصَنِّفُ أنَّ ذَبْحَ الغاصِبِ للحَيوانِ المَغْصُوبِ لا يُحَرِّمُ أكْلَه. وهو كذلك على الصَّحيحِ، ويأْتِي ذلك عندَ تَصرُّفاتِ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةِ،
وفي بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ.
فائدة: ما صوَّرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، في هذه المَسْأَلَةِ، ينْقَسِمُ إلى مُمْكِنِ الرَّدِّ إلى الحالةِ الأُولَى؛ كالحَلْيَ، والأَوانِي، والدَّراهِمِ، فيُجْبَرُ المالِكُ على الإِعادَةِ. قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ. وإلى غيرِ مُمْكِنٍ؛ كالأَبوابِ، والفَخَّارِ، ونحوهما، فليس للغاصِبِ إفْسادُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه، فيما عَدا الأبوابَ، ونحوَها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في الأوانِي المُتَّخَذَةِ مِنَ التُّرابِ: للمالِكِ ردُّها ومُطالبَتُه بمِثْلِ التُّرابِ.
قال: (وإن (٢) غصب ثوباً فقَصَرَه، أو غزلاً فنسجه، أو فضة أو حديداً فضربه، أو خشباً فنجره، أو شاة فذبحها وشواها: ردّ ذلك بزيادته، وأرش نقصه، ولا شيء له.
وعنه: يكون شريكاً بالزيادة. وقال أبو بكر: يملكه وعليه قيمته).
أما كون الغاصب يلزمه ردّ ذلك كله بزيادته على المذهب؛ فلأن ذلك عين المال المغصوب منه. فلزمه ردّه إليه؛ كما لو ذبح الشاة ولم يشوها. ولأن كل ما فعله الإنسان بماله لا يزيل ملكه عنه، إذا فعله بملك غيره لا يزيل ملكه عنه؛ لأن الفعل المذكور إذا لم يكن صالحاً للإزالة. فلأن لا يكون صالحاً للإزالة في ملك غيره بطريق الأولى.
وأما كونه يردّ أرش النقص إن نقص المغصوب بذلك؛ فلأنه حصل بفعله.
وأما كون الغاصب لا شيء له بعمله المؤدي إلى الزيادة على المذهب؛ فلأنه تبرع في ملك غيره.
وأما كونه شريكاً بالزيادة على رواية؛ فلأن الزيادة حصلت بمنافعه، والمنافع تجري مجرى الأعيان. أشبه ما لو غصب ثوباً فصبغه. وفرّق المصنف بينهما بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره.
بخلاف ما ذُكر. وذكر أبو الخطاب: أنه يكون شريكاً على الصحيح.
وأما كونه يملك ذلك وعليه قيمته على قول أبي بكر؛ فلأنه يروى «أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قوماً من الأنصار في دارهم. فقدموا إليه شاةً مشوية. فجعل يَلُوكُها ولا يسيغها. فقال: إن هذه الشاة لتخبرني أنها أُخذت بغير حق. فقالوا: نعم يا رسول الله! طلبنا شاة في السوق فلم نجد. فأخذنا شاة لبعض جيراننا ونحن نرضيهم من ثمنها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطعموها الأسرى».
وجه الدلالة: أنه لو لم ينقطع ملك المالك لأمر بردها إليه.
وذكر المصنف في المغني: أن كلام أحمد يدل على أن الغاصب ملكها بالقيمة. ثم قال: إلا أن المذهب ما قلناه. يعني: أن الملك باقٍ على ملك مالكه، ووجهه ما تقدم. ثم قال: والحديث غير معروف كما روي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.