وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى اثْنانِ حَقَّ واحِدٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُ حَقِّ أحَدِهما) وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه.
وقال في الأُخْرَى: يَجُوزُ له ذلك بعدَ القَبْضِ،
ولا يَجُوزُ قبلَه؛ لأنَّه قبلَ القَبْضِ يُبَعِّضُ صَفْقَةَ البائِعِ. ولَنا، أنَّهما مُشتَرِيان، فجازَ للشَّفِيعِ أخْذُ نَصِيب أحَدِهما، كما بعدَ القَبْضِ، وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ. على أنَّ المُشْتَرِيَ الآخَرَ يَأْخُذُ نَصِيبَه، فلا يكونُ تَبْعِيضًا.
فإن باعَ اثْنان مِن اثْنَين، فهي أرْبَعةُ عُقُودٍ، وللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ، أو ما شاءَ منها.
فصل: وإذا باعَ شِقْصًا لثلاثةٍ دَفْعَةً واحِدَةً، فلشَرِيكِه أن يَأْخُذَ مِن الثَّلاثةِ، وله أن يَأْخُذَ مِن أحَدِهم، وله أن يَأْخُذَ مِن اثْنَين دُونَ الثّالِثِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ منها مُنْفَرِدٌ، فلا يَتَوَقَّفُ الأخْذُ به على الأخْذِ بما في العَقْدِ الآخَرِ، كما لو كانت مُتَفَرِّقَة.
وإذا أخَذَ نَصِيبَ أحَدِهِم، لم يَكُنْ للآخَرَين مُشارَكَتُه في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ مِلْكَهُما لم يَسْبِقْ مِلْكَ مَن أخَذَ نصِيبَه، ولا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَّا بمِلْكٍ سابِقٍ.
فأمّا إن باعَ نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله أيضًا أن يَأْخُذَ الثَّلاثَةَ، وله أن يَأْخُذَ ما شاءَ منها،
فإن [أخَذَ نِصيبَ الأوَّلِ، لم يَكُنْ للآخَرَين مُشارَكَتُه في شُفْعَتِه؛ لأنَّهما لم يَكُنْ لهما مِلْكٌ حينَ بَيعِه]،
وإن أخَذَ نَصِيبَ الثانِي وحدَه، لم يَمْلِكِ الثالِثُ مُشارَكَتَه؛ لذلك، ويُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَتِه؛ لأن مِلْكَه سابِقٌ لشِراءِ الثاني، فهو شَرِيكٌ في اسْتِحْقاقِها حال شِرائِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُشارِكَه؛ لأنَّ مِلْكَه حال شِراءِ الثاني يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ؛ فلا يَكونُ سَبَبًا [في اسْتِحْقاقِها].
وإن أخَذَ مِن الثالِثِ وعَفَا عن الأوَّلَين، ففي مُشارَكَتِهما له وَجْهان.
وإن أخَذَ مِن الثَّلاثَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يشارِكُه واحدٌ منهم؛ لأنَّ أمْلاكَهُم قد اسْتَحَقَّها بالشُّفْعَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ عليه بها شُفْعَةً.
والثاني، يُشارِكُه الثاني في شُفْعَةِ الثالِثِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه كان مالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حال شِراءِ الثالِثِ، ولذلك اسْتَحَقَّ مُشارَكَتَه إذا عَفَا عن شُفْعَتِه، فكذلك إذا لم يَعْفُ؛ لأنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بالمِلْكِ الذي صار به شَرِيكًا؛ لا بالعَفْو عنه، ولذلك قُلْنا في الشَّفِيعِ إذا لم يَعْلَمْ بالشُّفْعَةِ حتى باعَ نَصِيبَه: إنَّ له أخْذَ نَصِيبِ المُشْتَرِي الأوَّلِ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ أخْذُ نَصِيبِ المُشْتَرِي الثاني. وعلى هذا، يُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَةِ الثانِي والثالِثِ جَمِيعًا.
فعلى هذا، إذا كانت دارٌ بينَ اثْنَين نِصْفَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ، في كلِّ عَقْدٍ سُدْسًا، فللشَّفِيعِ السُّدْسُ الأوَّلُ وثَلاثةُ أرْباعِ الثاني وثَلاثةُ أخْماسِ الثالِثِ، وللُمشْتَرِي الأوَّلِ رُبْعُ السُّدْسِ الثاني وخُمْسُ الثالِثِ، وللمُشْتَرِي الثاني خُمْسُ الثالِثِ، فتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ وعِشرِينَ سَهْمًا، للشَّفِيعِ الأوَّلِ مائةٌ وسَبْعَةُ أسْهُمٍ، وللثانِي تِسْعَةٌ، وللثالثِ أرْبَعَةٌ.
وإن قُلْنا: إنَّ الشُّفْعَةَ على عَدَدِ الرُّءُوسِ. فللمُشْتَرِي الأوَّلِ نِصْفُ السُّدْسِ الثاني وثُلُثُ الثالِثِ، وللثاني ثُلُثُ الثالِثِ، وهو نِصْفُ التُّسْعِ، فتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، فللشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وللثانِي خَمْسَةٌ، وللثالث سَهْمانِ. فصل: دارٌ بينَ أرْبعةٍ أرْباعًا، باعَ ثَلاثَةٌ منهم في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولم يَعْلَمْ شَرِيكُهُم، ولا بعضُهم ببعض، فللَّذِى لم يَبِعِ الشُّفْعَةُ في الجَميعِ. وهل يَسْتَحِقُّ البائعُ الثاني والثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه البائِعُ الأوَّلُ؟ على وَجْهَين.
وكذلك هل يَسْتَحِقُّ الثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الأوَّلُ والثانِي؟ على وَجْهَين. وهل يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِي الرُّبْعِ الأوَّلِ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الثاني والثالِثُ؟ وهل يَسْتَحِقُّ الثاني شُفْعَةَ الثالِثِ؟ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَسْتَحِقَّانِ؛ لأنَّهما مالِكان حال البَيعِ.
والثاني، لا حَقَّ لهما؛ لأنَّ مِلْكَهُما مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ، فلا تَثْبُتُ به.
والثالثُ، إن عَفَا عنهما أخَذَا وإلَّا فلا.
فإذا قُلْنا: يَشْتَرِكُ الجَمِيعُ. فللَّذِي لم يَبعْ ثُلُثُ كلِّ رُبْعٍ؛ لأنَّ له شَرِيكَين، فصارَ له الرُّبْعُ مَضْمُومًا إلى مِلْكِه، فكَمَلَ له النِّصْفُ، وللبائِع الثالِثِ والمُشْتَرِي الأوَّلِ الثُّلُثُ، لكلِّ واحِدٍ منهما سُدْسٌ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ مَبِيعَين. وللبائِعِ الثاني والمُشْتَرِي الثاني السُّدْسُ، لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ بَيعٍ واحِدٍ، وتَصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.
٢٤٠٥ -
(وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ،
وَقِيلَ: بَلْ عَقْدٌ وَاحِدٌ يَأْخُذُ بِهِ الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكُهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "
وإنِ اشْتَرَى اثْنان حَقَّ واحِدٍ، فَللشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أحَدِهما. إذا تعَدَّدَ المُشْتَرِي، والبائعُ واحِدٌ؛ بأَنِ ابْتاعَ اثْنان أو جماعَةٌ شِقْصًا مِن واحدٍ، فقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ في «المَبْسُوطِ»: نصَّ أحمدُ على أنَّ شِراءَ الاثْنَين مِنَ الواحدِ عَقْدان وصَفْقَتان، فللشَّفِيعِ، إذَنْ، أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما ، وتَرْكُ الباقِي، كما قال المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ. وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحارثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ»، و «الفائقِ».
وقيل: هو عَقْدٌ واحدٌ، فلا يأْخُذُ إلَّا الكُلَّ، أو يتْرُكُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لو اشْتَرَى الواحِدُ لنَفْسِه ولغيرِه بالوَكالةِ شِقْصًا مِن واحدٍ، فالحُكْمُ كذلك؛ لتعَدُّدِ مَن وقَع العَقْدُ له.
وكذا ما لو كان وَكِيلًا لاثْنَين واشْتَرَى لهما.
وقيل: الاعْتِبارُ بوَكِيلِ المُشْتَرِي. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ». الثَّانيةُ، لو باعَ أحدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه مِن ثَلاثَةٍ صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ الأخْذُ مِنَ الجميعِ،
ومِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَعضِ؛ فإنْ أخَذَ مِنَ البَعضِ، فليس لمَن عَداه الشَّرِكَةُ في الشُّفْعَةِ.
وإنْ باعَ كُلًّا منهم على حِدَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله الأخْذُ مِنَ الكُلِّ،
ومِنَ البَعضِ، فإنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخَذَ مِنَ الأوَّلِ، فلا شَرِكَةَ للآخَرَين،
وإنْ أخَذَ مِنَ الثَّاني، فلا شَرِكَةَ للثَّالثِ، وللأَوَّلِ الشَّرِكَةُ في أصحِّ الوَجْهَين. قاله الحارِثِيُّ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وفي الآخَرِ، لا. وإنْ أخَذَ مِنَ الثَّالثِ، ففي شَرِكَةِ الأَوَّلَين الوَجْهان.
وإنْ أخَذَ مِنَ الكُلِّ، ففي شَرِكَةِ الأوَّلِ في الثَّاني والثَّالثِ،
والثَّاني في الثَّالثِ وَجْهان. فإنْ قيلَ بالشَّرِكَةِ، والمَبِيعُ مُتَساوٍ، فالسُّدْسُ الأوَّلُ للشَّفِيعِ، وثَلاثَةُ أرْباعِ الثَّاني، وثَلاثةُ أخْماسِ الثَّالثِ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ رُبْعُ السُّدْسِ الثَّانِي، وخُمْسُ الثَّالثِ، وللمُشْتَري الثَّاني الخُمْسُ الباقِي مِنَ الثَّالثِ. وتصِحُّ مِن مائَةٍ وعِشرِين؛ للشَّفِيعِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ تِسْعَةٌ،
والثَّاني أرْبَعَةٌ. وإنْ قيلَ بالرُّءوسِ؛
وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَينِ، أَو اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَينِ مِنْ أَرْضَينِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحدِهِمَا، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.
فللمُشْتَرِي الأوَّلِ نِصْفُ السُّدْسِ الثَّانِي، وثُلُثُ الثَّالثِ، وللثَّانِي الثُّلُثُ الباقِي مِنَ الثَّالثِ، فتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ؛ للشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وعِشْرُون، وللثَّانِي خَمْسَةٌ، وللثَّالثِ اثْنان. ذكَر ذلك المُصَنِّفُ وغيرُه. واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
قال: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد فللشفيع أخذ حقِّ أحدهما. وإن اشترى واحدٌ حقَّ اثنين، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما على أصح الوجهين) .
أما كون الشفيع له أخذ حق أحد الشريكين المشتريين حقَّ واحد؛ فلأن العقد مع الاثنين بمنزلة عقدين.
وأما كونه له أخذ أحد الحقين إذا اشترى واحد حق اثنين على وجهٍ؛ فلأن تعدد البائع كتعدد المشتري.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلأن فيه تبعيضاً للصفقة على المشتري، وذلك ضرر عليه.
والأول أصح، لما ذكر من التعدد.
وأما كونه له أخذ أحد الشقصين إذا اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة على وجهٍ؛ فلأن الضرر قد يلحقه بأرضٍ دون أرض.
وأما كونه ليس له ذلك على وجهٍ؛ فلما ذكر من التبعيض على المشتري.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأن كل واحدٍ منهما يُستحق بسببٍ غير الآخر. فجرى مجرى الشريكين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.