وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَوْ يُجْرِي لَهَا مَاءً
الشروح عليها
مسألة: ويَلْزَمُه بَذْلُ
(وهل يَلْزَمُه بَذْلُه لزَرْعِ غيرِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الزَّرْعَ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه. والثانيةُ، يَلْزَمُه؛ لِما روَى إياسُ بنُ عبْدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيعِ فَضْلِ الْمَاءِ . وعن بُهَيسَةَ عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، مَا الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«الْمَاءُ». رَواه أبو داودَ .
فصل: ولو شَرَع إنْسانٌ في حَفْرِ مَعْدِنٍ ولم يَصِلْ إلى النَّيلِ، صار أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ.
فإذا وَصَل إلى النَّيلِ صار أحَقَّ بالأخْذِ منه، ما دام مُقِيمًا على الأخْذِ منه. وهل يَمْلِكُه بذلك؟ فيه ما قد ذَكَرْنا مِن قبلُ.
فإن حَفَر آخَرُ مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى، لم يكنْ له مَنْعُه،
وإذا وَصَل إلى ذلك العِرْقِ، لم يكنْ له مَنْعُه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المَعْدِنَ يُمْلَكُ بحَفْرِه. أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه إن مَلَكَه، فإنَّما يَمْلِكُ المَكانَ الذي حَفَره،
وأمَّا العِرْقُ الذي في الأرْضِ فلا يَمْلِكُه بذلك،
ومَن وَصَل إليه مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فله أخْذُه.
ولو ظَهَر في مِلْكِه مَعْدِنٌ بحيثُ يَخْرُجُ النَّيلُ عن أرْضِه، فحَفَرَ إنْسانٌ مِن خارِجِ أرْضِه، كان له أن يَأْخُذَ ما خَرَج عن أرْضِه منه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، إنَّما مَلَك ما هو مِن أجْزاءِ أرْضِه، وليس لأحَدٍ أن يَأْخُذَ ما كان داخِلًا في أرْضِه مِن أجْزاءِ الأرْضِ الباطِنَةِ، كما لا يَمْلِكُ أخْذَ أجْزائِها الظّاهِرَةِ.
ولو حَفَر كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ مَعْدِنًا فوَصَلَ إلى النَّيلِ، ثمَّ فَتَحَها المسلمون عَنْوَةً، لم يَصِرْ غَنِيمَةً، وكان وُجُودُ عَمَلِه وعَدَمُه واحِدًا؛ لأنَّ عامِرَه لم يَمْلِكْه بذلك،
ولو مَلَكَه فإنَّ الأرْضَ تَصِيرُ كلَّها وَقْفًا للمسلمين، وهذا يَنْصَرِفُ إلى مَصْلَحةٍ مِن مَصالِحِهم، فتَعَيَّنَ لها، كما لو ظَهَر بفِعْلِ اللهِ تعالى.
فصل: ومَن مَلَك مَعْدِنًا، فعَمِلَ فيه غيرُه بغيرِ إذْنِه، فما حَصَّلَه منه فهو لمالِكِه، ولا أجْرَ للغاصِبِ على عَمَلِه؛ لأنَّه عَمِل في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فهو كما لو حَصَد زَرْعَ غيرِه.
وإن قال مالِكُه: اعْمَلْ فيه ولك ما يَخْرُجُ منه. فله ذلك، وليس لصاحِبِ المَعْدِنِ فيه شيءٌ؛ لأنَّه إباحَةٌ مِن مالِكِه، فمَلَك ما أخَذَه، كما لو أباحَه الأخْذَ مِن بُسْتانِه.
وإن قال: اعْمَلْ فيه على أنَّ ما رَزَق اللهُ مِن نَيلٍ كان بينَنا نِصْفَين. فعَمِل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، وما يَأْخُذُه يكونُ بينَهما، كما لو قال: احْصُدْ هذا الزَّرْعَ بنِصْفِه -أو- ثُلُثِه. ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَمَلُ فيها ببَعْضِه، كالمُضارَبَةِ في الأثْمانِ.
والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَحْصُلُ منه مَجْهُولٌ، ولأنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ إجارَةً، لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، والعَمَلَ مَجْهُولٌ، ولا جَعالةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، ولا مُضارَبَةً؛ لأنَّ المُضارَبَةَ إنَّما تَصِحُّ بالأثْمانِ على أن يُرَدَّ رَأْسُ المالِ ويكونَ له حِصَّةٌ مِن الرِّبْحِ، وليس ذلك ههُنا. وفارَقَ حَصادَ الزَّرْعِ بنِصْفِه أو جُزْءٍ منه؛ لأنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وما عُلِم جَمِيعُه عُلِم جُزْؤُه،
بخِلافِ هذا. وإن قال: اعْمَلْ فيه كذا ولك ما يَحْصُلُ منه، بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ألْفًا -أو- شيئًا مَعْلُومًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ لمَجْهُولٍ،
ولا يَصِحُّ أن يكونَ مَعْلُومًا ، كالمُضارَبةِ؛ لِما ذَكَرْنا؛ ولأنَّ المُضارَبةَ تكونُ بجُزْءٍ مِن النَّماءِ لا دَراهِمَ مَعْلُومَةٍ. قال أحمدُ: إذا أخَذَ مَعْدِنًا مِن قَوْمٍ على أن يَعْمُرَه يَعْمَلَ فيه ويُعْطِيَهم ألْفَيْ مَنٍّ أو ألْفَ مَنٍّ صُفْرًا، فذلك مَكْرُوهٌ. ولم يُرَخِّصْ فيه. فصل: إذا اسْتَأْجَرَ رجلًا ليَحْفِرَ له عَشَرَةَ أذْرُعٍ في دَورِ كذا بدِينارٍ، صَحَّ؛ لأنَّها إجارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وإن ظَهَر عِرْقُ ذَهَبٍ، فقال: اسْتَأْجَرْتُك لتُخْرِجَه بدِينارٍ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ.
وإن قال: إنِ اسْتَخْرَجْتَه فلك دِينارٌ. صَحَّ، ويكونُ جَعالةً؛ لأنَّ الجَعالةَ تَصِحُّ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا. فصل: وما نَضَب عنه الماءُ مِن الجَزائِرِ، لم يُمْلَكْ بالإِحْياءِ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ العَبّاسِ بنِ موسى : إذا نَضَب الماءُ عن جَزِيرَةٍ إلى قَناةِ رجلٍ، لم يَبْنِ فيها؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهو أنَّ الماءَ يَرْجِعُ. يَعْني أنَّه يَرْجِعُ إلى ذلك المَكانِ،
فإذا وَجَدَه مَبْنِيًّا، رَجَع إلى الجانِبِ الآخَرِ، فأضَرَّ بأهْلِه. ولأنَّ الجَزائِرَ مَنْبِتُ الكَلَأ والحَطَبِ، فجَرَى مَجْرَى المَعادِنِ الظّاهِرَةِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا حِمَى في الأرَاكِ» . قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عن عُمَرَ أنَّه أباح الجَزائِرَ. يَعْنِي أباح ما يَنْبُتُ في الجَزائِرِ مِن النّباتِ،
وقال: إذا نَضَب الفُراتُ عن شيءٍ، ثمَّ نَبَت فيه نَباتٌ، فجاء رجلٌ يَمْنَعُ النّاسَ منه، فليس له ذلك.
فأمَّا إن غَلَب الماءُ على مِلْكِ إنْسانٍ، ثمَّ عاد فنَضَب عنه، فله أخْذُه، ولا يَزُولُ مِلْكُه بغَلَبةِ الماءِ عليه.
فإن كان ما نَضَب عنه الماءُ لا يَنْتَفِعُ به أحَدٌ، فعَمَّرَه رجلٌ عِمارَةً لا تَرُدُّ الماءَ، مثلَ أن يَجْعَلَه مَزْرَعَةً، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لأنَّه مُتَحَجِّرٌ لِما ليس لمُسْلِمٍ فيه حَقٌّ، فأشْبَهَ التَّحَجُّرَ في المَواتِ. فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإحْياءُ الأرْضِ أن يَحُوزَها بحائِطٍ، أو يُجْرِيَ لها ماءً) ظاهِرُ كلامِه ههُنا، أنَّ تَحْويطَ الأرْضِ إحْياءٌ لها، سَواءٌ أرادَها للبِناءِ أو للزَّرْعِ، أو حَظِيرَةً للغَنَمِ، أو الخَشَبِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، فقال: الإِحْياءُ: أن يُحَوِّطَ عليها حائِطًا، أو يَحْفِرَ فيها بِئْرًا أو نَهْرًا. ولا يُعْتَبَرُ في ذلك تَسْقِيفٌ، وذلك لِما روَى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ أبو داودَ، والإِمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه». ورُوِيَ عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلُه . ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنِيعٌ، فكان إحْياءً، أشْبَهَ ما لو جَعَلَها حَظِيرَةً للغَنَمِ.
ويُبَيِّنُ هذا أنَّ القَصْدَ لا اعْتِبارَ به، بدَلِيلِ ما لو أرادَها حَظِيرَةً للغَنَمِ ، فبَناهَا بجِصٍّ وآجُرٍّ وقَسَمَها بُيُوتًا، فإنَّه يَمْلِكُها. وهذا لا يُصْنَعُ للغَنَمِ مثلُه. ولابُدَّ أن يكونَ الحائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ ما وراءَه، ويكونَ ممَّا جَرَتِ العادَةُ بمثلِه. ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدانِ،
فإن كان مِمّا جَرَتْ عادَتُهم بالبِناءِ بالحَجَرِ وَحْدَه، كأهْلِ حَوْرَانَ، أو بالطّيِنِ، كأهْلِ الغُوطَةِ بدِمَشْقَ، أو بالخَشَبِ أو القَصَبِ، كأهْلِ الغَوْرِ، كان ذلك إحْياءً.
وإن بَناه بأقْوَى ممَّا جَرَتْ به عادَتُهم، كان أوْلَى.
وقال القاضي: في صِفَةِ الإِحْياءِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، ما ذَكَرْنا. والثّانيةُ، الإِحْياءُ ما تَعارَفَه النّاسُ إحْياءً؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بتَعْلِيقِ المِلْكِ عليه، ولم يُبَيِّنْه، ولا ذَكَر كَيفِيَّتَه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ فيه إلى ما كان إحْياءً في العُرْفِ، كما أنَّه لَمّا وَرَد باعْتِبارِ القَبْضِ والحِرْزِ ولم يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَه، كان المَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولأنَّ الشّارِعَ لو عَلَّقَ الحُكْمَ على مُسَمًّى باسْمٍ، لتَعَلَّقَ بمُسَمّاه عندَ أهْلِ اللِّسانِ، فكذلك يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بالمُسَمَّى إحياءً عندَ أهْلِ العُرْفِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُعَلِّقُ الحُكْمَ على ما ليس إلى مَعْرِفَتِه طَرِيقٌ، فلَمّا لم يُبَيِّنْه، تَعَيَّنَ العُرْفُ طَرِيقًا لمَعْرِفَتِه، إذ ليس له طَرِيقٌ سِواه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الأرْضَ تُحْيَى دارًا للسُّكْنَى، وحَظِيرَةً، ومَزْرَعَةً، فإحْياءُ كلِّ واحِدَةٍ مِن ذلك بما تَتَهَيَّأُ به للانْتِفاعِ الذي أُرِيدَتْ له.
فأمَّا الدّارُ، فبأن يَبْنِيَ حِيطانَها بما جَرَتْ به العادَةُ، ويُسَقِّفَها؛ لأنَّها لا تَصْلُحُ للسُّكْنَى إلَّا بذلك. والحَظِيرَةُ إحْياؤُها بحائِطٍ جَرَتْ به العادَةُ لِمْثلِها، وليس مِن شَرْطِها التَّسْقِيفُ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ به، وسَواءٌ أرادَها حَظِيرَةً للماشِيَةِ، أو للخَشَبِ، أو للحَطَبِ، أو نحو ذلك.
فإن جَعَل عليها خَنْدَقًا، لم يَكُنْ إحياءً؛ لأنَّه ليس بحائطٍ ولا عِمارَةٍ، إنَّما هو حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ،
وكذلك إن حاطَها بشَوْكٍ وشِبْهِه، لا يكونُ إحياءً، ويكونُ تَحَجُّرًا، لأنَّ المُسافِرَ قد يَنْزِلُ مَنْزِلًا ويُحَوِّطُ على رَحْلِه بنحوٍ مِن ذلك،
ولو نَزَل مَنْزِلًا فنَصَبَ فيه بَيتَ شَعَرٍ أو خَيمَةً، لم يكنْ إحْياءً.
وإن أرادَها للزِّراعَةِ، فبأن يُهَيِّئَها لإِمْكانِ الزَّرْعِ فيها،
فإن كانت لا تُزْرَعُ إلَّا بالماءِ، فبأنْ يسُوقَ إليها ماءً مِن نَهْرٍ أو بِئْرٍ،
وإن كان المانِعُ مِن زَرْعِها كَثْرَةَ الأحْجارِ، كأرْضِ اللَّجاةِ ، فإحْياؤُها بقَلْعِ أحْجارِها وتَنْقِيَتِها حتى تَصْلُحَ للزَّرْعِ،
وإن كانت غِياضًا وأشْجارًا، كأرْضِ الشِّعْرَى ، فبأنْ يَقْلَعَ أشْجارَها، ويُزِيلَ عُرُوقَها المانِعَةَ مِن الزَّرْعِ.
وإن كانت ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُه إلَّا بحَبْسِ الماءِ عنه، كأرْضِ البَطائِحِ، فإحياؤُها بِسَدِّ الماءِ عنها وجَعْلِها بحالٍ يُمْكِنُ زَرْعُها؛ لأنَّ بذلك يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها فيما أرادَها له، مِن غيرِ حاجَةٍ إلى تَكْرارِ ذلك في كلِّ عامٍ، فكان إحياءً، كسَوْقِ الماءِ إلى أرْضٍ لا ماءَ لها. ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ حَرْثُها، ولا زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك ممَّا يتَكَرَّرُ كلَّما أراد الانْتِفاعَ بها، فلم يُعْتَبَرْ في الإِحْياءِ، كسَقْيِها، وكالسُّكْنَى في البُيُوتِ، ولا يَحْصُلُ الإِحْياءُ بذلك إذا فَعَلَه بمُجَرَّدِه؛
لِما ذَكَرْنا. ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ للسُّكْنَى نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ. وبه قال الشافعيُّ فيما ذَكَرْنا في الرِّوايَةِ الثانيةِ، إلَّا أنَّ له وَجْهًا في أنَّ حَرْثَها وزَرْعَها إحياءٌ لها،
وأنَّ ذلك مُعْتَبَرٌ في إحْيائِها لا يَتِمُّ بدُونِه،
وكذلك نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ؛ لأنّه ممَّا جَرَتِ العادَةُ به، أشْبَهَ السَّقْفَ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بدُونِ نَصْبِ الأبْوابِ، فأشَبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِها وتَبْيِيضَها. ٢٤٧٣ -
(وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ، لِمَا رَوَى إِيَاسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ، أَوْ لَهُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ، فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، جُزِمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَعَلَيْهَا يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ،
وَيَحْرُمُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ بِالرَّيِّ، أَوْ جُزَافًا، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ،
قَالَ: وَإِنْ بَاعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِنْ سَائِحٍ، جَازَ كَمَاءِ عَيْنٍ، لَا بَيْعَ كُلِّ الْمَاءِ لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ] ٍ) مَنِيعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ،
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ،
وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَهُ إِجْرَاءُ مَاءٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ، أَوْ لِلزَّرْعِ، أَوْ حَظِيرَةً لِلدَّوَابِّ (أَوْ يُجْرِي لَهَا مَاءً) مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكَثُرُ مِنَ الْحَائِطِ، وَيَمْلِكُهُ بِغَرْسٍ، أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لِيَزْرَعَ لَا بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.
وهل يَلْزَمُه بَذْلُه لِزَرْعِ غيرِه؟ على رِوايتَين. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»؛ إحْداهما، يلْزَمُه. وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: يَلْزَمُه على الأصحِّ، لكِنْ قال الإِمامُ أحمدُ: إلَّا أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُؤْذِيَه بالدُّخولِ، أو له فيه ماءُ السَّماءِ، فيَخافَ عطَشًا، فلا بأْسَ أنْ يَمْنعَه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ». قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ، واخْتِيارُ أكثرِ الأصحابِ؛ منهم أبو الخطابِ، والقاضي أبو الحُسَينِ، والشِّيرازِيُّ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وهو مِنَ المُفْرَداتِ. قال الإِمامُ أحمدُ: ليس له أنْ يمْنَعُ فضْلَ ماءٍ يمْنَعُ به الكَلَأَ؛ للخَبَرِ.
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والتِّسْعِين»: هذا الصَّحيحُ. والرِّوايهُّ الثَّانيةُ، لا يَلْزَمُه. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، والقاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وابنُ عَقِيلٍ. قال الحارِثِيُّ: ومال إليه المُصَنِّفُ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ».
وقال في «الرَّوْضَةِ»: يُكْرَهُ مَنْعُه فَضْلَ مائِه ليُسْقَ به؛ للخَبَرِ.
فوائد؛ الأُولَى، حيثُ قُلْنا: لا يَلْزَمُه بذْلُه. جازَ له بَيعُه بكَيلٍ، أو وَزْنٍ معْلُومٍ،
ويحْرُمُ بَيعُه مُقَدَّرًا بمُدَّةٍ معْلومةٍ، خِلافًا لمالِكٍ.
ويحْرُمُ أيضًا بيعُه مُقَدَّرًا بالرِّيِّ، أو جِزافًا. قاله القاضي وغيرُه، واقْتَصَرَ عليه في «الفروعِ». قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي: وإنْ باعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِن سائحٍ، جازَ، كماءِ عَينٍ؛ لأنَّه معْلومٌ،
وإنْ باعَ كلَّ الماءِ، لم يَجُزْ؛ لاخْتِلاطِه بغيرِه. الثَّانيةُ، إذا حفَر بِئْرًا بمَواتٍ للسَّابِلَةِ، فالناسُ مُشْتَرِكُون في مائِها، والحافِرُ كأحَدِهم في السَّقْي، والزَّرْعِ، والشِّرْبِ. قاله الأصحابُ. ومع الضِّيقِ يُقدَّمُ الآدَمِيُّ، ثمَّ الحَيوانُ. قاله الأصحابُ؛ منهم صاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم. زادَ في «الفائقِ»، ثمَّ الزَّرْعُ. وهو مُرادُ غيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في «التَّلْخيصِ»: ومع الضِّيقِ للحَيوانِ، ومع الضِّيقِ للآدَمِيِّ. والظاهِرُ أنَّ النُّسْخَةَ مغْلُوطةٌ. الثَّالثةُ، لو حفَرَها ارْتِفاقًا؛ كحَفْرِ السُّفَّارَةِ في بعضِ المَنازِلِ، وكالأَعْرابِ والتُّركُمانِ ينْتَجِعُونَ أرْضًا فيَحْتَفِرُون لشُرْبِهم، وشُرْبِ دَوابِّهم، فالبِئْرُ مِلْكٌ لهم. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ. وقدَّمه الحارِثِيُّ،
وقال: هو أصحُّ. وهو الصَّوابُ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وجماعَةٌ: لا يَمْلِكُونَها. وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: فهم أحقُّ بمائِها ما أقامُوا.
وفي «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: وعليهم بذْلُ الفاضِلِ لشارِبِه فقط. وتَبِعَه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهم. وبعدَ رَحيلِهم تكونُ سابِلَةً للمُسْلِمين،
فإنْ عادَ المُرْتَفِقُون إليها، فهل يخْتَصُّون بها، أم هم كغيرِهم؟ فيه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، والحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، هم كغيرِهم. اخْتارَه القاضي في «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ». والوَجْهُ الثَّاني، هم أحقُّ بها مِن غيرِهم. اخْتارَه أبو الخَطابِ في بعضِ تَعاليقِه. قال السَّامَرِّيُّ: رأَيتُ بخَطِّ أبي الخَطَّابِ، على هامشِ نُسْخَةٍ مِنَ «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، قال: مَحْفوظٌ، يعْنِي نفْسَه: الصَّحيحُ، أنَّهم إذا عادُوا . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كانُوا أحقَّ بها؛ لأنَّها مِلْكُهم بالإِحْياءِ، وعادَتُهم أنْ يرْحَلوا في كلِّ سنَةٍ، ثمَّ يُعودُون، فلا يزُولُ مِلْكُهم عنها بالرَّحيلِ. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقدَّمه فَصْلٌ: وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ، أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً.
في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ».
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: فهو أوْلَى بها في أصحِّ الوَجْهَين. الرَّابعةُ: لو حفَر تَمَلُّكًا، أو بمِلْكِه الحَيِّ، فنَفْسُ البِئْرِ مِلْكٌ له. جزَم به الحارِثِيُّ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الرِّعايَةِ»: ملَكَها في الأقْيَسِ.
قال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: إنِ احْتاجَتْ طيًّا، ملَكَها بعدَه. وتَبِعه في «المُسْتَوْعِبِ»،
وقال هو وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»: وإنْ حفَرَها لنَفْسِه تَمَلُّكًا ، فما لم يخْرُجِ الماءُ، فهو كالشَّارِعِ في الإحْياءِ،
وإنْ خرَجَ الماءُ، اسْتَقَرَّ مِلْكُه، إلَّا أنْ يحْتاجَ إلى طَيٍّ، فتَمامُ الإِحْياءِ بطَيِّها. انتهيا. وتقدَّم، هل يَمْلِكُ الذي يظْهَرُ فيها، أم لا؟
(٢») .
وأما كونه لا يلزمه بذل ذلك لزرع غيره على المذهب؛ فلأن الزرع لا حرمة له.
وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلما روى إياس بن عبد «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى عن بيعِ فضلِ الماء». رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حديث صحيح. فصل [فيما يحصل به الإحياء] قال المصنف رحمه الله: (وإحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماء. وإن حفر بئراً عادِيَة ملك حريمها خمسين ذراعاً. وإن لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون ذراعاً. وعند القاضي: حريمها قدر مد رشائها من كل جانب. وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها. وقيل: إحياء الأرض ما عُدَّ إحياء. وهو: عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء. وقيل: ما يتكرر كل عام، كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء) .
أما كون إحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ،
أو يجري لها ماءً على المذهب: أما الأول، فلما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«منْ حَاطَ حَائِطاً على أرضٍ فهيَ له». رواه أبو داود.
ولأن الحائط حاجز منيع. فكان إحياء، كبناء الأرض داراً.
وأما الثاني؛ فلأن نفع الأرض بالماء أكثر من إحيائها بحائط.
وأما كون حافر البئر العادِيَة يملك حريمها خمسين ذراعاً، وكون حريمها إذا لم تكن عادِيَة خمسة وعشرين ذراعاً على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب أنه قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ خمسة وعشرون ذراعاً» . رواه أبو عبيد في الأموال. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه رواه الخلال والدارقطني .
وأما كون حريم البئر قدر مد رشائها من كل جانب عند القاضي؛ فلأن ذلك ثبت لدفع الضرر. فَقُدِّر بمد الرِّشاء من كل جانب؛ لأن الحاجة تندفع به دون غيره.
وأما كون إحياء الأرض ما عد إحياء على قولٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين صفته. فوجب أن يحمل على العرف، كالحِرْز والقبض.
وأما قول المصنف: وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرعٍ أو بناءٍ؛ فبيان لما يُعد إحياء في العرف.
فعلى هذا إذا أرادها للزرع كفاه تحويطُها بترابٍ أو غيره مما تتميز به عن غيرها، وبسوق الماء إليها من نهرٍ أو بئر.
وإن أرادها لحظيرةٍ كفاه تحويطها بحائط جرت به عادة مثلها.
وإن أرادها داراً كفاه التحويط مع التسقيف بما جرت به العادة.
وأما كون ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث ليس بإحياء، وكون ما لا يتكرر إحياءً على قولٍ؛ فلأن ما يتكرر لا إشعار فيه بالإحياء.
بخلاف ما لا يتكرر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.