فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٣٬٣٥١المقنعالحنابلةج ٥ ص ١٩١ج ٥ ص ١٩١

وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولُ وَالْمُعَاطَاةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: فإن لم يُمْكِنْ حَصْرُهم؛ كالمَساكِينِ، والقَبِيلَةِ الكَثِيرةِ؛ كبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَميمٍ، صَحَّ الوَقْفُ عليهم.

٢٠٬٦٩٣

وكذلك يَصِحُّ الوَقْفُ على المسلمِين كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينةٍ، كالشّامِ، ودِمَشْقَ.

٢٠٬٦٩٤

ويجوزُ للرجلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه.

٢٠٬٦٩٥

وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَن لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَصْرُهم، في غيرِ المَساكِينِ ونحوهم؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كما لو قال: وقَفْتُ على قَوْمٍ. ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ الوَقْفُ عليهم إذا كانوا مَحْصُورِين، صَحَّ وإن لم يُحْصَوْا، كالفُقَراءِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالوَقْفِ على المَساكِين.

(وعنه، أنَّه قال: يُرْضِيه بشيءٍ) وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّها تَصِحُّ،

٢٠٬٧٤٩

فإذا أعْطاه عنها عِوَضًا رَضِيَه، لَزِم العَقْدُ بذلك. قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَم: إذا قال الواهِبُ: هذا لك على أن تُثِيبَنِي. فله أن يَرْجِعَ إذا لم يُثِبْه؛ لأنَّه شَرْطٌ.

٢٠٬٧٥٠

وقال، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا وَهَب له على وَجْهِ الإثابَةِ، فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه منها (فعلى هذا) عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَه،

٢٠٬٧٥١

فإن لم يَفْعَلْ فللواهِبِ (الرُّجُوعُ فيها، أو عِوَضُها إن كانت تالِفَةً) لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فاسِدٌ، فلَزِمَه ضَمانُ العَينِ إذا تَلِفَتْ، كالبَيعِ الفاسِدِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِه قَدْرَ قِيمَتِها. والأوّلُ أصَحُّ؛ لأن هذا بَيعٌ، فيُعْتَبَرُ له التَّراضِي، إلَّا أنَّه بَيع بالمُعاطاةِ.

٢٠٬٧٥٢

فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه حَصَل البَيعُ بما حَصَل مِن المُعاطاةِ مع التَّراضِي جمها،

٢٠٬٧٥٣

وإن لم يَحْصُلِ التَّراضِي لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَدِ الإيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطاةُ ولا التَّراضِي. والأصْلُ في هذا قولُ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: مَنْ وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها ما لم يُرْضَ منها. ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن علِيٍّ، وفَضالةَ بن عُبَيدٍ، ومالِكِ بنِ أنَسٍ. وهو قولُ الشافعيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقَةَ تَقْتَضِي ثَوابًا. وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ أعْرابِيًّا وَهَب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ناقَةً، فأعْطاه ثَلاثًا فأبَى فزادَه ثَلاثًا، [فأبَى، فزادَه ثَلاثًا] فلمّا كَمَلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيت.

فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أوْ أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أوْ دَوْسِيٍّ». من «المُسْنَدِ».

٢٠٬٧٥٤

فإن تَغَيَّرَتِ العَينُ المَوْهُوبَةُ بزِيادَةٍ أو نُقْصانٍ، أو لم يُثِبْه منها، فقال أحمدُ: لا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَه عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبِه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو جارِيَةً اسْتَخْدَمَها،

٢٠٬٧٥٥

فأمّا غيرُ ذلك إذا نَقَص فلا شيءَ عليه، فكان عندِي مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لصاحِبِه. ٢٦٠٤ - مسألة: (وتَحْصُلُ الهِبَةُ بما يَتَعارَفُه الناسُ هِبَةً، مِن الإِيجابِ والقَبُولِ والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها) فالإيجابُ أن يقولَ: وَهَبْتُك. أو: أهْدَيتُ إليك. أو: مَلَّكْتُك. أو: هذا لك. ونحوَه مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على هذا المَعْنَى. والقَبُولُ أن يقولَ: قَبِلْتُ. أو: رَضِيتُ. أو نحوَ هذا. وتَصِحُّ بالمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها ،

٢٠٬٧٥٦

وإن لم يَحْصُلْ إيجابٌ أو قَبُولٌ. وذَكَر القاضي، وأبو الخَطّابِ، أنَّ الهِبَةَ والعَطِيَّةَ لا بُدَّ فيها مِن الإِيجابِ والقَبُولِ، ولا تَصِحُّ بدُونِه، سَواءٌ وُجِد القَبْضُ أو لم يُوجَدْ. وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فافْتَقَرَ إلى الإيجابِ والقَبُولِ، كالنِّكاحِ.

٢٠٬٧٥٧

والصَّحِيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأفْعال الدّالَّةَ على الإيجابِ والقَبُولِ كافِيَةٌ، ولا يُحْتاجُ إلى لَفْظٍ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛

٢٠٬٧٥٨

فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفَرِّقُ الصَّدَقاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بأخْذِها وتَفْرِيقِها، وكان أصحابُه يَفْعَلُون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعْلِيمُه لأحَدٍ،

٢٠٬٧٥٩

ولو كان ذلك شَرْطًا لنُقِلَ عنهم نَقْلًا مُشْتَهَرًا، وقد كان ابنُ عُمَرَ على بَعِيرٍ لعُمَرَ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ:«بِعْنِيهِ». فقال: هو لك يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به ما شِئْتَ». ولم يُنْقَلْ قَبُولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن عُمَرَ، ولا قَبُولُ ابنِ عُمَرَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،

٢٠٬٧٦٠

ولو كان شَرْطًا لفَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وعَلِمَه ابنُ عُمَرَ، ولم يكنْ ليَأمُرَه أن يَصْنَعَ به ما شاء قبلَ أن يَقْبَلَه. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أُتِيَ بطَعام سَألَ عنه،

٢٠٬٧٦١

فإن قالُوا: صَدَقَةٌ. قال لأصحابِه:«كُلُوا». ولم يَأْكُلْ،

٢٠٬٧٦٢

وإن قالُوا: هَدِيَّةٌ. ضَرَب بيَدِه فأكَلَ معهم . ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْنا في أن تَقْدِيمَ الطَّعامِ بينَ يَدي الضِّيفانِ والإذْنَ في أكْلِه، أنَّ ذلك لا يَحْتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبُولٍ. ولأنه وُجِد ما يَدُلُّ على التَّراضِي بنَقْلِ المِلْكِ، فاكْتُفِيَ به، كما لو وُجِد الإيجابُ والقَبُولُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشْتَرَطُ الإيجابُ مع الإطْلاقِ وعَدَمِ العُرْفِ القائِمِ مِن المُعْطِي والمُعْطىَ؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ على الرّضا، فلا بُدَّ مِن قولٍ دالٍّ عليه،

٢٠٬٧٦٣

أمّا مع قَرائِنِ الأحْوالِ والدَّلالةِ، فلا وَجْهَ لتَوَقُّفِه على اللَّفْظِ، ألا تَرَى أنّا اكْتَفَينا بالمُعاطاةِ في البَيعِ، واكْتَفَينا بدَلالةِ الحالِ في دُخُولِ الحَمّامِ، وهو إجارَةٌ وبَيعُ أعْيانٍ،

٢٠٬٧٦٤

فإذا اكْتَفَينا في المُعاوَضاتِ مع تَأكُّدِها بدَلالةِ الحالِ، فإنَّها تَنْقُلُ المِلْكَ مِن الجانِبَين، فلأن نَكْتَفِيَ به في الهِبَةِ أوْلَى.

٢٠٬٧٦٥

وأمّا النِّكاحُ فإنَّه يُشْتَرَطُ فيه ما لا يُشْتَرَطُ في غيرِه مِن الإشْهادِ، ولا يَقَعُ إلَّا قَلِيلًا، فلا يَشُقُّ اشْتِراطُ الإِيجابِ والقَبُولِ فيه،

٢٠٬٧٦٦

بخِلافِ الهِبَةِ. والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.

٢٦٠٥ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ) ، أَيْ هُوَ صَحِيحٌ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ،

١٤٬١٢٣

فَإِذَا أَعْطَاهُ عَنْهَا عِوَضًا رَضِيَهُ لَزِمَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلِأَنْ تَصِحَّ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: هَذَا لَكَ عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِذَا لَمْ يُثِبْهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ، وَنَصَّ عَلَى مَعْنَاهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ،

١٤٬١٢٤

وَلَا يَجُوزُ أَنَّ يُكَافِئَهُ بِالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَاسِدٌ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْعَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ،

١٤٬١٢٥

وَقِيلَ: يُعْطِيهِ قَدْرَ قِيمَتِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ فَيُعْتَبَرُ التَّرَاضِي،

١٤٬١٢٦

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا مُطْلَقًا، لَكِنْ إِنْ تَغَيَّرَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَلَمْ يُثِبْهُ مِنْهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى عَلَيْهِ نُقْصَانَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ إِذَا رَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً اسْتَخْدَمَهَا،

١٤٬١٢٧

فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ إِذَا نَقَصَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالرَّهْنِ.

١٤٬١٢٨

فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى رَبُّهَا شَرْطَ الْعِوَضِ، أَوْ قَالَ: رَهَنْتَنِي مَا بِيَدِي، فَقَالَ: بَلْ بِعْتُكَهُ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ إِذَا حَلَفَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " فِي الْأُولَى أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

[مَا تَحْصُلُ بِهِ الْهِبَةُ] (وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً مِنَ الْإِيجَابِ) بِأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُكَ، وَأَهْدَيْتُ إِلَيْكَ، وَأَعْطَيْتُكَ، وَنَحْوَهُ كَهَذَا لَكَ، (وَالْقَبُولُ) بِأَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ، (وَالْمُعَاطَاةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إِلَيْهِ، وَيُعْطِي وَيُعْطَى، وَيُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ، وَيَأْمُرُ سُعَاتَهُ بِأَخْذِهَا وَتَفْرِيقِهَا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إِيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ،

١٤٬١٢٩

وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ مُشْتَهِرًا، وَكَالْبَيْعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا تَصِحُّ بِدُونِهِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ قَبْضٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فَافْتَقَرَ إِلَى ذَلِكَ كَالنِّكَاحِ،

١٤٬١٣٠

وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُغْنِي " أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَالْعَفْوِ، وَالتَّمْلِيكِ،

١٤٬١٣١

وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي عَفْوٍ وَجْهَانِ، وَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ دَالٌّ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَعَدَمِ الْعُرْفِ؛ وَلِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ، فَالْهِبَةُ أَوْلَى، وَالنِّكَاحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَقَعُ إِلَّا قَلِيلًا، فَلَا يَشُقُّ فِيهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْهِبَةِ،

الإنصافالمرداوي

وتحْصُلُ الهِبَةُ بما يتعارَفُه النَّاسُ هِبَةً؛ مِنَ الإِيجابِ والقَبُولِ، والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يدُلُّ عليها. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، والمَجْدُ في «شَرْحِ الهِدايَةِ»، وغيرُهما، حتى إنَّ ابنَ عَقِيلٍ وغيرَه صحَّحُوا الهِبَةَ بالمُعاطاةِ، ولم يذْكُروا فيها الخِلافَ الذي في بَيعِ المُعاطاةِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْمِ»، . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وغيرِهم. قال في «التَّلْخيصِ»: وهل يقُومُ الفِعْلُ مَقامَ اللفْظِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ في البيعِ بالمُعاطاةِ، وأوْلَى بالصِّحَّةِ.

٢٦٬٢٩٩

قال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالمُعاطاةِ.

٢٦٬٣٠٠

وفي «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْني»، في الصَّداقِ: لا تصِحُّ إلا بلَفْظِ الهِبَةِ، والعَفْو، والتَّمْليكِ.

٢٦٬٣٠١

وقال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: وفي العَفْو وَجْهان.

٢٦٬٣٠٢

وقال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: وألْفاظُها، وَهبْتُ، وأعْطتُ، وَملَّكْتُ. والقَبُولُ؛ قَبِلْتُ، أو تَملَّكْتُ، أو اتَّهَبْتُ.

٢٦٬٣٠٣

فإنْ لم يَكُنْ إيجابٌ ولا قَبُولٌ، بل إعْطاءٌ وأخْذٌ، كانتْ هَدِيَّةً، أو صدَقَةَ تطَوُّعٍ على مِقْدارِ العُرْفِ. انتهى.

٢٦٬٣٠٤

وقال في «الانْتِصارِ»، في غِذاءِ المَساكِينِ في الظِّهارِ: أطْعَمْتُكه كوهَبْتُكه. وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، أن الهِبَةَ والعَطيَّةَ لا بدَّ فيهما مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ، ولا تصِحُّ بدوُنِه، سواءٌ وُجِدَ القَبْضُ أو لم يُوْجَدْ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.

٢٦٬٣٠٥

قال في «الفائقِ»: وهو ضَعيف. وقدَّم في «الرِّعايتَين»، أنّه لا يصِحُّ بالمُعاطاةِ. وتقدَّم التَّنبِيهُ على هذه المَسْأَلَةِ في كتابِ البَيعِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فائدتان؛ إحْداهما، لو تَراخَى القَبُولُ عنِ الإيجابِ، صحَّ، ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه. قاله في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفائقِ».

٢٦٬٣٠٦

وقال في «الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبُولِ عُرْفًا.

٢٦٬٣٠٧

وقال الزَّرْكَشِيُّ: لو تقدَّم القَبُولُ على الإيجابِ، ففي صِحَّةِ الهِبَةِ رِوايَتان. انتهى.

٢٦٬٣٠٨

قلتُ: هي مُشابِهَة للبَيعِ، فيَأْتِي هنا ما في البَيعِ على ما تقدَّم. ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ صرَّح بذلك، ولم يحْكِ فيه خِلافًا. الثانيةُ، يصِح أنْ يهَبَه شيئًا، ويَسْتَثْنِيَ نفعَه مُدَّةً معْلومَةً. وبذلك أجابَ المُصَنِّفٌ، واقْتَصرَ عليه في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِين». وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض.

٢٦٬٣٠٩

وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

باب الهبة والعطية] الهبة والعطية والصدقة والهدية معانيها متقاربة. وقد يقوم بعضها مقام بعضٍ. إلا أن الأغلب أن من قَصد بعطائه التقرب سمي صدقة،

٩٬٣٤٥

ومن قصد المحبة سمي هدية. والهبة والعطية تشمل الكل. وكل ذلك مندوبٌ إلى فعله؛ لما فيه من التوسعة على الغير.

وقد حثّ الله سبحانه وتعالى على ذلك في مواضع من كتابه:

- منها: قوله تعالى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين}.

٩٬٣٤٦

وفي الحديث:«من أطعمَ مُؤمناً طَعاماً أطعمهُ اللهُ من ثمارِ الجنة، ومن سقاهُ ماءً على ظَمأٍ سقاهُ اللهُ من الرحيقِ المختومِ، ومن كسَا عُرياناً كساهُ الله من خُضْرِ الجنة». رواه بنحوه أبو داود والترمذي.

وقال:«تهادوا تحابوا».

وفي السنة من ذلك كثيرٌ لا يكاد يحصى. قال المصنف رحمه الله: (وهي: تمليكٌ في حياته بغير عوض.

٩٬٣٤٧

فإن شَرط فيها عوضاً معلوماً صارت بيعاً.

٩٬٣٤٨

وعنه: يغلب فيها حكم الهبة.

٩٬٣٤٩

وإن شرط ثواباً مجهولاً لم يصح.

٩٬٣٥٠

وعنه أنه قال: يرضيه بشيء.

فعلى هذا إن لم يرض فله الرجوع فيها، أو في عوضها إن كانت تالفة).

٩٬٣٥١

أما قول المصنف رحمه الله:"وهي تمليكٌ في حياته بغير عوضٍ"؛ فبيان لمعنى الهبة والعطية؛ لأنهما هما المذكوران قبل.

وقوله:"تمليك" يخرج ما ليس بتمليك؛ كالعارية. فإنها إباحة.

وقوله:"في حياته" يخرج الوصية؛ لأنها تمليكٌ بعد الموت.

وقوله:"بغير عوض" يخرج عقود المعاوضات؛ كالبيع والإجارة ونحوهما.

٩٬٣٥٢

وأما كون الهبة تصير بيعاً إذا شَرط فيها عوضاً معلوماً على المذهب؛ فلأنها تمليكٌ بعوضٍ معلوم. فكانت بيعاً؛ كما لو قال: ملكتكَ هذا بدرهم.

٩٬٣٥٣

وأما كونها يغلب فيها حكم الهبة على روايةٍ؛ فلأنه وجد لفظها الصريح. فكان المغلب فيها الهبة؛ كما لو لم يشرط عوضاً.

وفائدة هذا الخلاف أنه إذا قيل: أنها بيعٌ ثبت فيها ضمان الدرك والخيار والشفعة وسائر أحكام البيع.

٩٬٣٥٤

وإذا قيل: أنها هبةٌ يغلب فيها حكم الهبة، لا يثبت فيها الأحكام المختصة بالبيع.

٩٬٣٥٥

وأما كونها لا تصح إذا شرط فيها ثواباً مجهولاً على المذهب؛ فلأن الجهالة في عقود المعاملات يفسدها، وهي موجودة هاهنا.

٩٬٣٥٦

وأما كونه يرضيه بشيء على رواية؛ فلأن شرط الثواب ينفي التمليك بلا شيء، وروى أبو هريرة «أن أعرابياً وهبَ للنبي صلى الله عليه وسلم ناقةً. فأعطاهُ ثلاثاً فأبى. فزادَهُ ثلاثاً فأبى. فزادَهُ ثلاثاً فلما كملت تسعاً قال: رضيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد هَمَمْتُ أن لا أتّهِبَ إلا من قُرشِي أو أنْصَارِي أو ثَقَفِي أو دَوْسِي». وظاهر هذه الرواية أن الهبة المشروط فيها العوض المجهول تصح.

قال المصنف في المغني: ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أنها تصح؛ لأنها عقدٌ، تصح بغير عوض. فلأن تصح بعوضٍ مجهولٍ بطريق الأولى.

٩٬٣٥٧

وأما كون الواهب على هذه الرواية إن لم يرض فله الرجوع فيها؛ فلأنه يروى عن عمر أنه قال:«من وهبَ هبةً أراد بها الثواب فهو على هبتهِ يرجعُ فيها إذا لم يرضَ منها».

٩٬٣٥٨

وأما كونه له الرجوع في عوضها إن كانت تالفة؛ فلأن كل عينٍ يجب ردّها إذا كانت باقية يجب ردّ عوضها إذا كانت تالفة.

قال: (وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الإيجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها، وتلزم بالقبض. وعنه: تلزم في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة) .

٩٬٣٥٩

أما كون الهبة تحصل بما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الهبة تمليكٌ. فتجب بالإيجاب والقبول والمعاطاة؛ كالبيع.

ولأن الهبة أسهل من البيع. بدليل أنه يصح أن يكون عوضها مجهولاً على روايةٍ فإذا صح البيع بالمعاطاة. فلأن تصح الهبة بها بطريق الأولى.

٩٬٣٦٠

وأما كونها تلزم بالقبض فلا شبهة فيه؛ لأن القبض يؤكدها. وهو مشعرٌ بأنها لا تلزم بغير قبض. وهو صحيح. والأصل فيه ما روت عائشة «أن أبا بكر رضي الله عنه نَحَلَها جداد عشرين وَسْقاً من ماله بالغَابَةِ. فلما مرض قال يا بُنية! ما أحد أحبُ إليّ غنًى بعدي منكِ. ولا أحد أعزُّ عليّ فقراً منك. وكنت نَحَلْتُكِ جَداد عشرين وَسْقاً وددت أنكِ حُزْتِيه أو قبضتيه. وهو اليوم مال الوارث أخواكِ وأختاكِ. فاقتسموه على كتاب الله».

ويروى ذلك عن عمر ، ولم يعرف لهما مخالف فكان كالإجماع.

٩٬٣٦١

ولو لزمت بغير القبض لما كان الأمر كذلك.

ولأنها هبةٌ غير مقبوضةٍ. فلم تلزم بغير قبض؛ كالطعام المأذون في أكله.

٩٬٣٦٢

وأما كون غير المكيل والموزون يلزم بمجرد الهبة على روايةٍ؛ فلأن الهبة عقد لازم ينقل الملك. فلم يقف لزومه على القبض؛ كالبيع.

ولأنه تبرع. فلا يفتقر فيه إلى القبض؛ كالوقف والوصية.

والأول أصح؛ لما ذكر.

ودليل الرواية الأخرى منقوض بالمكيل والموزون. فإنه عقد لازم وتبرع مع اشتراط القبض فيه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.