وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ
الشروح عليها
فصل: والرُّقْبَى كالعُمْرَى. قال أحمدُ: هي أنَّ يقولَ»: هي لك حَياتَك،
فإذا مِتَّ فهي لفُلانٍ. أو: هي راجِعَة إلَيَّ. وهي كالعُمْرَي فيما إذا شَرَط عَوْدَها إلى المُعْمِر. قال عل، رَضِيَ اللهُ عنه: العُمْرَى والرُّقْبَى سواءٌ.
وقال طاوُسٌ: مَن ارقِبَ شيئًا فهو سَبِيلُ المِيراثِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: الرُّقْبَى وَصِيَّة. يَعْنِي أنَّ مَعْناها إذا مِتُّ فهذا لك.
وقال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ: الرُّقْبَى باطِلَةٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أجاز العُمْرَى، وأبْطَلَ الرُّقْبَى . ولأنَّ مَعْناها أنَّها للآخِرِ مِنّا، وهذا تَمْلِيكُ مُعَلَّقٌ بخَطَرٍ،
ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بالخَطرِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وحديثُهم لا نعْرِفُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناها ما ذكَرُوه، بل مَعْناها أنَّها لك حَياتَكَ،
فإن مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ، فتكونُ كالعُمْرَى سَواءً، [إلَّا أنَّه] زاد شَرْطَها لوَرَثَةِ المُرْقَبِ إن مات المُرْقَبُ قبلَه، وهذا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَها على العُمْرَى.
فصل: وتَصِحُّ العُمْرَى في الحَيَوانِ والثِّياب؛ لأنها نَوْعُ هِبَةٍ، فصَحَّت في ذلك، كسائرِ الهِباتِ. وقد رُوِيَ عن أحَمدَ، في الرجلِ يُعْمَرُ الجارِيةَ، أنَّه قال: لا أرَى له وَطْأها. قال القاضي: لم يَتَوَقَّفْ أحمدُ في وطْءِ الجارِيَةِ لعَدَمِ المِلْكِ فيها، لكنْ على طَرِيقِ الوَرَعِ؛ لكونِ الوَطْءِ اسْتِباحَةَ فرْجٍ، وقد اخْتُلِفَ في العُمْرَى، فجعَلَها بعضُهم تَمْلِيكَ المَنافِعِ، فلم يَرَ له وَطْأَها لهذا،
ولو وَطِئَها، جاز.
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه لو وَقَّتَ الهِبَةَ في غيرِ العُمْرَى والرُّقْبَى كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً. أو: إلى أن يَقْدَمَ الحاجُّ. أو: إلى أنَّ يَبْلُغَ وَلَدِي. أو: مُدَّةَ حَياةِ فُلانٍ. ونحوَ هذا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها تَمْلِيكْ للرَّقَبَةِ، فلم تَصِحَّ مُؤقَّتَةً، كالبَيعِ، وتُفارِقُ العُمْرَى والرُّقْبَى؛ لأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَمْلِكُ الشيءَ عُمُرَه،
فإذا مَلَكَه عُمُرَه فقد وَقَّتَه بما هو مُوقَّتٌ به في الحَقِيقةِ، فصار ذلك كالمُطْلَقِ.
فصل: فأمّا إن قال: سُكْناها لك عُمُرَك. فله أخْذُها في أيِّ وَقْتٍ أحَبَّ.
وكذلك إن قال: اسْكُنْها. أو: أسْكَنْتُكَهَا عُمُرَكَ. أو نحوَ ذلك، فليس هذا عَقْدًا لازِمًا؛ لأنَّه في التَّحْقِيقِ هِبَةُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ إنما تُسْتَوْفَى بمُضِيِّ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فلا تَلْزَمُ إلَّا في قَدْرِ ما قَبَضَه منها واسْتَوْفاه بالسُّكْنَى. فعلى هذا، للمُسْكِنِ الرُّجُوعُ متى شاء، وتَبْطُلُ بمَوْتِ مَن مات منهما. وبه قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: هي كالعُمْرَى، يَثْبُتُ فيها مِثْلُ حُكْمِها. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: إذا قال: هي لك، اسْكُنْ حتى تَمُوتَ. فهي له حَياتَه ومَوْتَه.
وإن قال: دارِي هذه اسْكُنْها حتى تَمُوتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قال: هي لك. فقد جَعَل له رَقَبَتَها، فتكون عُمْرَى.
وإذا قال: اسْكُنْ دارِي هذه. فإنَّما جَعَل له نَفْعَها دُونَ رَقَبَتِها، فتكونُ عارِيَّةً. ولَنا، أنَّ هذا إباحَةُ المَنافِعِ، فلم يَقَعْ لازِمًا، كالعارِيَّةِ، وفارَقَ العُمْرَى؛ فإنَّها هِبَةُ الرَّقَبةِ.
فأمّا قَوْلُه: هذه لك، اسْكُنْها حتى تَمُوتَ. فإنَّه يَحْتَمِلُ، لك سُكْنَاها حتى تَمُوتَ. وتَفْسِيرُها بذلك دَلِيل على أنَّه أراد السُّكْنَى، فأشْبَهَ ما لو قال: هذه لك سُكْنَاها.
وإذا احْتَمَل أنه يُرِيدُ به الرَّقَبَةَ، واحْتَمَلَ أنَّ يُرِيدَ السُّكْنَى، فلا نُزِيلُ مِلْكَه بالاحْتِمالِ.
فصل: إذا وَهَب هِبَةً فاسِدَةً، أو باع بَيعًا فاسِدًا، ثم وَهَب تلك العَينَ، أو باعَها بعَقْدٍ صحيحٍ مع عِلْمِه بفَسادِ الأوَّلِ، صَحَّ العَقْدُ الثانِي؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه عالِمًا بأنه مِلْكُه.
وإنِ اعْتقَدَ صِحَّةَ العَقْدِ الأوَّلِ، ففي الثَّانِي وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ صادَفَ مِلْكَه وتَمَّ بشُرُوطِه، فصَحَّ ، كما لو عَلِم فَسادَ الأوَّلِ.
والثانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَعْتَقِدُ فَسادَه، ففَسَدَ، كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، فبان مُتَطَهِّرًا. وهكذا لو تَصَرَّفَ في عَين يَعْتَقِدُ أنَّها لأبيه، فبان أنَّه قد مات ومَلَكَها الوارِثُ، أو غَصَب عَينًا، فباعَها يَعْتَقِدُها مَغْصُوبَةً، فبان أنَّها مِلْكُه، فعلى الوَجْهَين. قال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين مَن باشَرَ امرأةً بالطَّلاقِ يَعْتَقِدُها أجْنَبِيَّةً، فبانَتِ امْرأتَه، أو باشَرَ بالعِتْقِ مَن يَعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه، ففي وُقُوعِ الطَّلاقِ والحُرِّيَّةِ رِوايَتان وللشّافِعِيَّةِ في هذه المَسْألةِ وَجْهان، كما حَكَينا.
واللهُ أعلمُ. فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (والمَشْرُوعُ في عَطِيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم) ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ التَّسْويَةِ بينَهم، وكَراهِيَةِ التَّفْضِيلِ. قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّون التَّسْويَةَ بينَهم حتى في القُبَلِ. إذا ثَبَت هذا، فالتَّسْويَةُ المُسْتَحَبَّةُ أنَّ يَقْسِمَ بينَهم على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تعالى المِيراثَ، للذكَرِ مثلُ حَظ الأُنْثَيَين. وبه قال عَطاءٌ، وشُرَيحٌ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال شرَيحٌ لرجلٍ قَسَمَ ماله بينَ وَلَدِه: ارْدُدْهم إلى سِهامِ الله وفَرائضِه.
وقال عَطاءٌ: ما كانُوا يَقْسِمُون إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُبارَكِ: يُعْطِي الأُنثَى مثلَ ما يُعْطِي الذَّكَرَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لبَشِيرِ بنِ سَعْدٍ:«سَوِّ بَينَهُم». وعَلَّلَ ذلك بقَوْلِه: «أُيسُرُّكَ أنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّكَ». فقال: نعمَ. قال «فَسَوِّ بَينَهُم». والبِنْتُ كالابنِ في اسْتِحْقاقِ برِّها، فكذلك في عَطِيَّتها. وعن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «سَوُّوا بَينَ أوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ،
ولَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أحَدًا لآثرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَال». رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه». ولأنَّها عَطِيَّةٌ في الحَياةِ، فاسْتَوَى فيها الذَّكَر والأُنْثَى، كالنَّفَقَةِ والكُسْوَةِ. ولَنا، أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ بينَهم، فجَعَلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيَينِ، وأوْلَى ما اقْتُدِيَ به قِسْمةُ الله تعالى، ولأنَّ العَطِيَّةَ في الحَياةِ إحْدَى حالتَي العَطيَّةِ، فيُجْعَلُ للذَّكَرِ منها مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَينِ، كحالةِ المَوْتِ، يَعْني المِيراثَ، يُحَقِّقه أنَّ العَطِيَّةَ اسْتِعْجالٌ لِما يكونُ بعدَ المَوْتِ، فيَنْبَغِي أنَّ تكونَ على حَسَبِه، كما أنَّ مُعَجِّلَ الزكاةِ قبلَ وُجُوبِها يُؤَدِّيها على صِفَةِ أدائِها بعدَ وُجُوبِها،
وكذلك الكَفّاراتُ المُعَجَّلَةُ، ولأنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ مِن الأُنْثَى، مِن قِبَل أنَّهما إذا تَزَوَّجا جَمِيعًا، فالصَّداقُ والنَّفَقَةُ ونَفَقَةُ الأوْلادِ على الذَّكرِ، والأُنْثَى لها ذلك، فكان أوْلَى بالتَّفْضِيلِ؛ لزيادَةِ حاجَتِه، وقد قَسَمَ اللهُ المِيراثَ، فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بهذا المَعْنَى، فيُعَلَّلُ به، ويتَعَدَّى ذلك إلى العَطِيَّةِ في الحَياةِ. وحديثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةُ عَينٍ، وحِكايَةُ حالٍ لا عُمُومَ لها، إنَّما يَثْبُتُ حُكْمها في مِثْلِها، ولا نَعْلَم حال أوْلادِ بَشِيرٍ، هل كان فيهم أُنْثَى أوْ لا.
ولَعَلَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد عَلِم أنَّه ليس له إلَّا ولَدٌ ذَكَرٌ. ثم تُحْمَلُ التّسْويَةُ على القِسْمَةِ على كِتاب اللهِ تعالى. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد التَّسْويَةَ في أصْلِ العَطاءِ لا في صِفَتِه،
فإنَّ التسْويَةَ لا تَقْتَضِي التَّسْويَةَ مِن كلِّ وَجْهٍ،
وكذلك الحديث الآخَرُ، ودَلِيلُ ذلك قولُ عَطاءٍ: ما كانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا على كِتابِ اللهِ تعالى. وهذا خَبَرٌ عن جَميعِهم. على أنَّ الصحيحَ في خَبَرِ ابنِ عباسٍ أنَّه مُرْسَلٌ. ٢٦١٦ -
فَصْلٌ: الْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ: الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ] فَصْلٌ (وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) أَيْ يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ اقْتِدَاءً بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيَاسًا لِحَالِ الْحَيَاةِ عَلَى حَالِ الْمَوْتِ، قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانُوا يَقْتَسِمُونَ إِلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَهُ عَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَإِسْحَاقُ،
وَقِيلَ: لِصُلْبِهِ، وَذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ، لَا وَلَدَ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ لِلْحَقِيقَةِ،
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ ذَكَرٌ كَأُنْثَى، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ:«سَوِّ بَيْنَهُمْ» ، وَكَالنَّفَقَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الذَّكَرَ أَحْوَجُ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّدَاقَ وَالنَّفَقَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا، وَحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَحِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي مِثْلِهَا، وَلَا يُعْلَمُ حَالُ أَوْلَادِ بَشِيرٍ هَلْ كَانَ فِيهِمْ أُنْثَى أَوْ لَا، ثُمَّ تُحْمَلُ التَّسْوِيَةُ عَلَى الْقِسْمَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْعَطَاءِ،
وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي النَّفَقَةِ كَشَيْءٍ تَافِهٍ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: كَشَيْءٍ يَسِيرٍ،
وَعَنْهُ: بَلَى، مَعَ تَسَاوِي فَقْرٍ أَوْ غِنًى، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ، فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرُ وَقْفٍ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَ غَيْرِهِمْ، بَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْأَوْلَادِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَزَعَمَ الْحَارِثِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ،
وَأَنَّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ سَهْوٌ؛ إِذِ الْأَصْلُ تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ، خَرَجَ مِنْهُ الْأَوْلَادُ لِلْخَبَرِ، مَعَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْأَلْ بَشِيرًا هَلْ لَكَ وَارِثٌ غَيْرُ وَلَدِكَ أَمْ لَا؟ وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَقَارِبِ كَالْأَوْلَادِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ خَوْفُ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالتَّبَاغُضِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَقَارِبِ، وَالْأُمُّ كَالْأَبِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ أَشْبَهَتِ الْأَبَ، وَلِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ
فَصْلٌ: وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الأوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ. والمَشْروعُ في عَطيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي داودَ، وحَرْبٍ، ومحمدِ بنِ الحَكَمِ، والمَرُّوذِيِّ، والكَوْسَجِ، وإسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وأبِي طالِبٍ، وابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ. وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الزَّرْكَشِىيِّ». وقدَّمه في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرعايَةِ»، و «الحارِثِي»، وغيرِهم.
وعنه، المَشْروعُ أنْ يكونَ الذَّكرُ كالأُنْثَى، كما في النَّفَقَةِ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»، والحارِثِيُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي «الواضِحِ» وَجْهٌ، تُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ بينَ أبٍ وأُمٍّ، وأخٍ وأُخْتٍ.
قال في رِوايةِ أبِي طالِبٍ: لا يَنْبَغِي أنْ يُفَضِّلَ أحدًا مِن وَلَدِه في طَعام ولا غيرِه، كان يُقالُ: يعْدِلُ بينَهم في القُبَلِ.
قال في «الفُروعِ»: فدخَل فيه نظَرُ وَقفٍ.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولا يجبُ على المُسْلِمِ التسْويَةُ بينَ أوْلادِه الذِّمَّةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ الأوَّلُ، يَحْتَمِلُ قوْلُه: في عَطِيَّةِ الأوْلادِ. دُخولَ أوْلادِ الأوْلادِ، ويُقَوِّيه قوْلُه: القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ إرْثِهم. فقد يكونُ في وَلَدِ الولدِ مَن يَرِثُ. وهذا المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ». ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا الحُكْمَ مَخْصوصٌ بأوْلادِه لصُلْبِه. وهو وَجْهٌ. وذكَر الحارِثِيُّ، لا وَلَدَ بَنِيه وبَناتِه. الثَّاني، قُوَّةُ كلامِ المُصَنِّفِ تُعْطِي أنَّ فِعْلَ ذلك على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. وهو قوْلُ القاضي في «شَرْحِه». وتقدَّم كلامُه في «الواضِحِ».
والصَّحيحُ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ؛ أنَّه إذا فعَل ذلك يجِبُ عليه، ولا يَأْباه كلامُ المُصَنِّفِ هنا. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «النظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وقدَّمه في «الفُروعَ»، و «الحارِثِيِّ». واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال: هو المذهبُ. الثَّالثُ، مَفْهومُ قوْلِه: والمَشْروعُ في عَطيةِ الأوْلادِ. أنَّ الأقارِبَ الوارِثِين غيرَ الأوْلادِ، ليس عليه التَّسْويَةُ بينَهم. وهو اخْتِيارُ المُصَنفِ، والشَّارِحِ.
قال في «الحاوي الصغِيرِ»: وهو أصحُّ. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الوَجيزِ»، فإنَّه قال: يجِبُ التَّعْديلُ في عطيةِ أوْلادِه بقَدْرِ إرْثهم منه. قال الحارِثِيُّ: هو المذهبُ، وعليه المُتَقدمون؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، وابنِ أبِي مُوسى.
قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ. انتهى.
والصَّحيحُ أنَّ حُكْمَ الأقارِبِ الوُرَّاثِ في العَطِيَّةِ، كالأوْلادِ. نصَّ عليه، وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروع»،
وقال: اخْتارَه الأكثر. وأمَّا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، فلا يدْخُلان في لَفْظِ الأولادِ والأقارِبِ، بلا نِزاعٍ بينَ الأصحابِ، فهم خارِجُون مِن هذه الأحْكامِ. صرَّح به في «الرعايَةِ» وغيرِها، وهو ظاهِرُ كلامِ الباقين. الرَّابعُ، ظاهِرُ كلام المُصَنفِ مَشْروعِيَّةُ التَّسْويَةِ في الإعْطاءِ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وسواءٌ كانوا كلُّهم فُقَراءَ أو بعضُهم. واعْلمْ أنَّ الإمامَ أحمدَ نصَّ على أنَّه يُعْفَى عن الشَّيءِ التَّافِهِ.
وقال القاضي أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يُعْفَى عن الشَّيءِ اليَسيرِ.
وعنه، يجِبُ التسْويَةُ أيضًا فيه، إذا تَساوَوْا في الفَقْرِ أو الغِنَى.
فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ أوْ فَضَّلَهُ، فَعَلَيهِ التَّسْويَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا.
فصل [في عطية الأولاد] قال المصنف رحمه الله: (والمشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم. فإن خص بعضهم أو فضّله فعليه التسوية بالرجوع أو إعطاء الآخر حتى يستووا. فإن مات قبل ذلك ثبت للمعطي. وعنه: لا يثبت وللباقين الرجوع. اختاره أبو عبدالله بن بطة) .
أما كون المشروع في عطية الأولاد ما ذُكر؛ فلأن الله تعالى قسم الميراث بينهم كذلك، وأولى ما اقتدي بقسمة الله تعالى.
وفي الحديث عن النعمان بن بشير قال:«تصدقَ عليّ أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضَى حتى يَشهدَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أَكُلَّ ولدكَ أعطيتَ مثلَه؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجعَ أبي. فردَّ تلكَ الصدقة».
وفي لفظ:«لا تُشهدني على جَور».
وفي لفظ:«سوِّ بينهم». حديث صحيح متفق عليه.
ولأن تخصيص بعضهم أو تفضيله يورث البغضة والعداوة وقطيعة الرحم فمنع منه؛ كتزويج المرأة على عمتها وخالتها.
ولأن العطية في الحياة إحدى حالتي العطية. فوجب أن يكون كحالة الموت.
ولأن العطية في الحياة استعجال لما يكون بعد الموت. فيجب أن يكون على حسبه؛ كما أن معجل الزكاة يخرجها على صفة أدائها بعد وجوبها. ولأن الذكر أحوج من الأنثى. من قبل أن الصداق والنفقة على الذكر، والأنثى بالعكس.
وفي قول المصنف رحمه الله: في عطية الأولاد
تنبيهٌ على أن عطية الأقارب غيرهم لا يشرع فيها ذلك. وصرح بذلك في المغني؛ لأنها عطية لغير الأولاد. فلم يجب ذلك فيها؛ كما لو كانوا غير وارثين.
ولأن الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء. وإنما وجب ذلك بين الأولاد بالخبر، وليس غيرهم في معناهم. فيبقى على مقتضى الأصل.
وقال أبو الخطاب: حكمهم حكم الأولاد؛ لأنهم في معناهم.
وفرّق المصنف بينهم من حيث إن الأولاد استووا في بر والدهم،
وفي الحديث:«أيسركَ أن يَسْتَوُوا في بِرّكَ؟ قال: نعم. قال: سوِّ بينهم».
ولأن الأب يرجع في عطية ابنه. فيتمكن من التسوية بالرجوع.
بخلاف بقية الأقارب.
وأما كون المعطي المذكور: عليه التسوية بالرجوع، أو إعطاء الآخر حتى يستووا؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال في بعض ألفاظه:«سوِّ بينهم».
ولأن كل واحدٍ من الأمرين تسوية.
وأما كون ذلك يثبت للمعطى له إذا مات المعطي على المذهب؛ فلأن أبا بكر رضي الله عنه لما وهب لعائشة النحل قال:«وددتُ لو أنكِ حُزْتِيه».
فلو تمكّن الوارث من أخذه بعد الحيازة لم يكن في ذلك
فائدة.
ولأنها عطية لولده. فلزمت بالموت؛ كما لو انفرد.
وأما كونه لا يثبت على رواية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه جوراً بقوله: «لا أَشهد على جَور» . والجور حرام لا يحل للفاعل فعله ولا للمعطى له تناوله، والموت لا يخرجه عن كونه جوراً. فيجب ردّه.
و«لأن أبا بكر وعمر أمراَ قيسَ بن سعد بِرَدّ قسمةِ أبيه حين ولدَ لهُ ولدٌ لم يكنْ لهُ علمٌ بِه».
فعلى هذا لبقية ورثة المعطي الرجوع؛ لأنه لم يثبت للمعطى له. فكان لبقية ورثة المعطي الرجوع كموروثهم .
ولأن الرجوع حق لموروثهم. فكان لهم؛ لقوله عليه السلام:«من تَرَكَ حقاً فلوَرَثَتِه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.