وَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ أَوِ انْتِقَالٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإن تَغَيَّرَتِ العادَةُ، بزيادَةٍ أو تَقَدُّم أو تَأخُّرٍ أو انْتِقالٍ، فالمَذْهَبُ أنَّها لا تَلْتَفِتُ إِلى ما خَرَج عن العادة حتى يَتَكَرَّرَ ثلاثًا أو مَرَّتَين، على الاخْتِلافِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كانت لها عادَةٌ مُسْتَقِرَّة في الحَيضِ، فرَأتِ الدَّمَ في غيرِ عادَتِها، لم تَلْتَفِتْ إليه حتى يَتَكَرَّرَ، فتَنْتَقِلُ إليه، وتَصِيرُ عادَةً لها، وتَتْرُكُ العادَةَ الأُولَى، إلَّا أنَّها إذا رَأتْه زائِدًا عن عادَتِها، تَغْتَسِلُ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، لجَوازِ أن يكُونَ حَيضًا ، كما قُلْنا في المُبْتَدَأةِ،
وكذلك ما تَقَدَّم عن العادَةِ.
ويَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في المَرّاتِ التي أمَرْناها بالصيامِ فيها؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها صامَتْه في حَيضٍ، ولا تَقْضِي الصلاةَ؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي الصلاةَ. قال أبو عبدِ اللهِ: لا يُعْجِبُنِى أن يَأْتِيَها زَوْجُها في الأيّامِ التي تُصَلِّي فيها، مع رُؤْيَةِ الدَّمِ قبلَ أن تَنْتَقِلَ إليها، لاحْتِمالِ أن يكونَ حَيضًا، فيَجِب تركُ وَطْئِها احْتِياطًا، كما وَجَبَتِ الصلاةُ احْتِياطًا للعِبادَةِ.
وفي قَدْرِ التَّكْرارِ رِوايَتان، أشْهَرُهُما، أنَّه ثَلاثٌ، فعلى هذه الرِّوايَةِ لا تَنْتَقِلُ إليه إلَّا في الشَّهْرِ الرّابعِ. والثانيةُ، أنَّه اثْنَتان، فتَنْتَقِلُ في الشَّهْرِ الثّالِثِ. نَقَل الفَضْلُ بنُ زِيادٍ عنه هاتَين الرِّوايَتَين، وقد ذَكَرْنا وَجْهَهما في المُبْتَدَأةِ. ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، في امرأةٍ لها أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فتَقَدَّمَتِ الحَيضَةُ قبلَ أيَّامِها، لم تَلْتَفِتْ إليها، تَصُومُ وتُصَلِّي،
فإن عاوَدَها مِثْلُ ذلك في الثانيةِ، فإنَّه دَمُ حَيضٍ مُنْتَقلٌ. فيَحْتَمِلُ أنَّها تَنْتَقِلُ إليه في المَرَّةِ الثانيةِ، وتَحْسُبُه مِن حَيضِها، والرِّوايَةُ الأولَى أشْهَرُ. مِثالُ ذلك، امرأة لها عادَةٌ، ثلاثةُ أيّامٍ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ خَمْسَةً في أوَّلِ الشَّهْرِ، أو رَأتْ يَوْمَين مِن آخِرِ الشَّهْرِ الذي قبلَه، ويَوْمًا مِن شَهْرِها، أو طَهُرَتِ اليَوْمَ الأوَّلَ ورَأتِ الثَّلاثَةَ بعدَه، أو طَهُرَتِ الثلاثةَ الأُوَلَ، وَرأَتْ ثَلاثَةً بعدَها أو أكْثَرَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإنَّها لا تَجْلِسُ في جَمِيعِ ذلك إلَّا وَقْتَ الدَّمِ الذي تَراه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ حتى يَتَكَرَّرَ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ».
رَواه مسلمٌ. ولأنَّ لها عادَةً، فرُدَّتْ إليها، كالمُسْتَحاضَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَأتْه قبلَ العادَةِ فليس بحَيضٍ، حتى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين،
وإن رَأتْه بعدَها فهو حَيضٌ. قال شيخُنا ، رحِمَه اللهُ: (وعِندِي أنَّها تَصِيرُ إليه مِن غيرِ تَكرارٍ) . وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ . مَعْناه: لا تَعْجبْنَ بالغُسْلِ.
ولو لم تَعُدَّ الزِّيادَةَ حَيضًا، لَلَزِمَها الغُسْلُ عندَ انْقِضاءِ العادَةِ وإن لم تَرَ القَصَّةَ. ومعنى القَصَّةِ أن تُدْخِلَ القُطْنَةَ في فَرْجِها فتَخْرُجَ بَيضاءَ نَقِيَّةً. ولأنَّ الشّارِعَ عَلَّقَ على الحَيضِ أحْكامًا، ولم يَحُدَّه، فعُلِمَ أنَّه رَدَّ النّاسَ فيه إلى عُرْفِهم، والعُرْفُ بينَ النِّساءِ أنَّ المرأةَ متى رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، اعْتَقَدَتْه حَيضًا.
ولو كان عُرْفُهُنَّ اعْتِبارَ العادَةِ على الوَجْهِ المَذْكُورِ لنُقِلَ ظاهِرًا، ولذلك لَمّا كان بَعْضُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الخَمِيلَةِ، فجاءَها الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِن الخمِيلَةِ، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَك؟ أَنَفِسْتِ»؟ قالت: نعم. فأمَرَها أن تَأْتَزِرَ . ولم يَسْألْها: هل وافَقَ العادَةَ أو خالفَها؟ ولا هي سَأَلَتْ عن ذلك، وإنَّما اسْتَدَلَّتْ على ذلك بخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذك حينَ حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَداعِ ، إنَّما عَرَفَتِ الحَيضَةَ برُؤْيَةِ الدَّمِ لا غيرُ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَأْتِ في العادَةِ؛
لأنَّها اسْتَنْكَرَتْه، وبَكَتْ حينَ رَأتْه، وقالت: وَدَدْتُ أنِّي لم أكُنْ حَجَجْتُ العامَ.
ولو كانت لها عادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها، لَما أنْكَرَتْه، ولا شَقَّ عليها. ولأنَّ العادَةَ لو كانت مُعْتَبَرَةً على المَذْكُورِ في المَذْهَب، لبَيَّنَهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه،
ولَما وَسِعَه تَأْخِيرُ بَيانِه؛ لأنَّ حاجَةَ النِّساءِ داعِيَةٌ إليه في كلِّ وَقْتٍ،
ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِه. والظّاهِرُ أنَّهُنَّ جَرَينَ على العُرْفِ في اعْتِقادِ ما يَرَينَه مِن الدَّمِ حَيضًا، ولم يَأْتِ مِن الشّرْعِ تَغْيِيرُه، ولذلك أجْلَسْنا المُبْتَدَأةَ مِن غيرِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، ورَجَعْنا في أكْثَرِ أحْكامِ الحَيضِ إلى العُرْفِ، والعُرْفُ أنَّ الحَيضَةَ تَتَقَدَّمُ وتَتَأخَّرُ، وتَزِيدُ وتَنْقُصُ، ولم يُنْقَلْ عَنْهُنَّ، ولا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحاضَةِ،
وأمّا امرأةٌ طاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا.
وفي اعْتِبارِ العادَةِ على هذا الوَجْهِ إخْلاءُ بَعْضِ المُنْتَقِلاتِ عن الحَيضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَن الحَيضِ، وصَلاحِيَتِه له، وهذا لا سَبِيلَ إليه، كامرأةٍ رَأتِ الدَّمَ في غيرِ أيّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيّامَ عادَتِها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فإنَّها لا تَدَعُ الصلاةَ،
فإذا انْتَقَلَتْ في الشَّهْرِ الرّابعِ إلى أيّام أُخَرَ، لم نُحَيِّضْها أيضًا ثلاثةَ أشْهُرٍ،
وكذلك أبَدًا. فعلى هذا تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ العادَةِ وبعدَها، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ،
فإن جاوَزَ أكثرَ الحَيضِ، عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فتَرْجِعُ إلى عادَتِها وتَقضِي ما تَرَكَتْه مِن الصلاةِ والصيامِ فيما سوى العادَةِ؛ لأنَّنَا تَبَيَّنّا أنَّه اسْتِحاضَةٌ.
فصل: فإن كانت عادَتُها ثَلاثَةً مِن كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةَ أيّام، ثم اسْتُحِيضَتْ في الشَّهْرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ مِمّا بعدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثَلاثَة ثلاثةً. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعيُّ: تَجْلِسُ خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ. وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العادَةَ تَثْبُتُ بمَرَّةٍ.
وإن رَأتْ خَمْسَةً في شَهْرَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
وإن رَأتْها في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انتقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ مِن كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بغيرِ خِلافٍ بَينَهم. واللهُ أعلمُ.
٢٣٧ -
(وَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَتَصِيرَ سِتَّةً وَنَحْوَهَا (أَوْ تَقَدُّمٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ سِتَّةً فَتَصِيرَ يَوْمَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِقِ، وَأَرْبَعَةً مِنَ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ (أَوْ تَأَخُّرٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَصِيرُ خَمْسَةً فِي ثَانِيهِ (أَوِ انْتِقَالٍ) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ، فَتَصِيرَ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذَكُرْهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَلَا " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ لَهَا عَادَةً، فَتُرَدُّ إِلَيْهَا كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي فِي الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا، كَمَا وَجَبَتِ الْعِبَادَةُ احْتِيَاطًا، لَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ عَقِيبَ الْعَادَةِ، وَعِنْدَ انْقِضَاءِ الدَّمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ،
وَعَنْهُ: لَا يَجِبِ الْغُسْلُ عَقِيبَ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ ": لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا زَادَ عَنِ الْعَادَةِ إِنِ اعْتُبِرَ تَكْرَارُهُ، وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ،
وَفِي كَرَاهَةِ الْوَطْءِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ إِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ يَئِسَتْ قَبْلَ التَّكْرَارِ لَمْ تَقْضِ (حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَشْهَرُ فَعَلَى هَذَا تَجْلِسُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ (أَوْ مَرَّتَيْنِ) فَتَنْتَقِلُ مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ،
وَقِيلَ: الثَّانِي (عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) نَقَلَهُمَا عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ. فَعَلَيْهَا إِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً، وَأَعَادَتْ مَا فَعَلَتْهُ مِنَ الصِّيَامِ وَالطَّوَافِ الْوَاجِبِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ وَجْهَانِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: الزَّائِدُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَحْدَهُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى الْأَصَحِّ،
وَقِيلَ: إِلَّا فِي التَّمْيِيزِ. (وَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَشْبَهُ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رِوَايَةً، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْجَلْنَ بِالْغُسْلِ، وَمَعْنَى الْقَصَّةِ أَنْ تُدْخَلَ الْقُطْنَةُ فِي فَرْجِهَا فَتَخْرُجَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً،
وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَادَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْدُدْنَ مَا يَرَيْنَهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا مِنْ غَيْرِ افْتِقَادِ عَادَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ جَرَيْنَ عَلَى الْعُرْفِ فِي اعْتِقَادِ ذَلِكَ حَيْضًا، وَلَمْ يَرِدْ مِنَ الشَّرْعِ تَغْيِيرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّنَا أَجْلَسْنَا الْمُبْتَدَأَةَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ عَادَةٍ، وَرَجَعْنَا فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ إِلَى الْعُرْفِ.
وإنْ تَغَيَّرتِ العادَةُ بزيادةٍ، أو تَقَدُّم، أو تَأخُّرٍ، أو انتقالٍ، فالمذهبُ أنها، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا تَلْتَفِتُ إلى ما خرَج عنِ العادةِ، حتى يَتَكَرَّرَ ثلاثًا أو مَرَّتينِ. على اخْتِلافِ الرِّوايتَينِ المُتَقَدِّمَتَينِ في المُبْتَدَأَة إذا رأَتِ الدَّمَ أكْثَرَ مِن يوْمٍ وليلَةٍ، وتقدَّمَ المذهبُ مِنَ الرِّوايتَين، وهذا هنا هو المذهبُ كما قال.
نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، بل كلُّ المُتَقَدِّمِين. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ هنا: وعندِي أنَّها تَصِيرُ إليه مِن غيرِ تَكْرارٍ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وعليه العمَلُ، ولا يسَعُ النِّساءَ العملُ بغيرِه. قال ابنُ تَميمٍ: وهو أشْبَهُ. قال ابنُ عُبَيدان: وهو الصَّحيحُ.
قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ، واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وإليه مَيلُ الشَّارِحِ. وأوْمَأ إليه في روايه ابنِ مَنْصُورٍ. قال المَجْدُ: ورُويَ عن أحمدَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِثْلُه. ورَدَّه ابنُ رَزِين في شَرْحِه.
[وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ: إنْ كانتِ الزِّيادةُ مُتَمَيِّزَةً لم تَحْتَجْ إلى تَكْرارٍ]. فعلى المذهبِ، لا تَلْتَفِتُ إلى الخارِجِ عنِ العادةِ قبلَ تَكْرارِه، فتَصومُ وتُصَلِّي في المُدَّةِ الخارِجَةِ عنِ العادةِ، ولا يَقْرَبُها زَوْجُها فيها، وتَغْتَسِلُ عَقِبَ العادةِ، وعندَ انْقِضاءِ الدَّمِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، لا يجبُ الغُسْلُ عَقِبَ الخارِجِ عنِ العادةِ، وهو قوْلٌ في «الفائقِ».
وعنه، لا يحْرُمُ الوَطْءُ، ولا تغْتَسِلُ عندَ انْقِطاعِه.
فإذا تكَرَّرَ ذلك مرَّتَين أو ثلاثًا، صارَ عادةً، وأعادَتْ ما فَعَلَتْه مِن واجبِ الصَّومِ، والطَّوافِ، وَعِنْدِي أنَّهَا تَصِيرُ إِلَيهِ مِنْ غَيرِ تَكْرَارٍ.
والاعْتِكافِ. وعنه، يَحْتاجُ الزَّائدُ عنِ العادةِ إلى التَّكْرارِ، ولا يحْتاجُ إلى التَّكْرارِ في التَّقدُّمِ والتَّأَخُّرِ.
وقال أبو الفَرَجِ الشِّيرازِىُّ: إنْ كانتِ الزِّيادةُ مُتَمَيِّزَةً، لم تحْتجْ إلى تَكْرارٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لو ارْتفَع حَيضُها ولم يَعُدْ، أو يَئِسَتْ قبلَ التَّكْرارِ، لم تقْضِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: تقْضِي. وقال في «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ لُزومَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَضاءِ، كصوْمِ النِّفاسِ المشْكوكِ فيه، لِقِلَّةِ مشَقَّتِه،
بخِلافِ صْومِ المُسْتحاضَةِ في طُهْرٍ مشْكوكٍ. وهو قوْلٌ في «الفائقِ».
وَإنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ،
فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
قال: (وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين على اختلاف الروايتين. وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار) .
أما كون من تغيرت عادتها بما ذُكر لا يلتفت إلى ما خرج عن العادة على المذهب حتى يتكرر كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بذلك فلم يلتفت إلى [ما] خرج عنها ضرورة أنه غير معتاد.
فإن قيل: ما معنى تغيّر العادة بذلك؟ قيل: تغيرها بالزيادة أن تكون عادتها مثلاً خمسة من كل شهر فتصير ستة أو سبعة أو شبه ذلك، وتغيرها بالتقدم أن يكون حيضها في أول الشهر خمسة فيصير يومًا من الشهر الذي قبله وأربعة من الشهر الذي كانت تحيض فيه، وتغيرها بالتأخر أن يكون حيضها خمسة من أول الشهر فتصير خمسة من ثانيه، وتغيرها بالانتقال أن يكون حيضها الخمسة الأولة فتصير الخمسة الثانية.
وأما كونها تصير إليه من غير تكرار عند المصنف رحمه الله. وهي رواية عن الإمام أحمد. ذكرها صاحب المستوعب فيه: فـ «لأن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة رضي الله عنها فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء».
ولأن ظاهر الأخبار يدل على أن النساء كن يَعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير اعتبار عادة.
ولأنا رجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص.
ولأن في اعتبار العادة على الوجه المذكور أولاً إخلاء لبعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها [الدم] على صفته، وهذا لا سبيل إليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.