وَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ فَمِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ عَامِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ
الشروح عليها
مسألة: (ويَصِح مُطْلَقًا ومُقَيّدًا) فالمُطْلَقُ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالمَوتِ مِن غيرِ شَرْطٍ آخَرَ. والمُقَيَّدُ ضَرْبانِ؛ أحدُهما، خاصٌّ مثلَ (أن يقولَ: إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا) أو في بلَدي هذا (أو) في (عامِي هذا، فأنْتَ حُرٌّ) فهذا جائِزٌ على ما قال، إن مات على الصِّفَةِ التي شَرَطها عَتَقَ العَبدُ، وإلَّا فلا.
وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عمَّن قال لعَبدِه: أنتَ مُدَبَّرٌ. قال: يكونُ مُدَبَّرًا ذلك اليومَ،
فإن مات في ذلك اليومِ صار حرًّا. يعني إذا مات السيدُ. الثاني، أن يُعَلِّقَ التدبيرَ على صِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ مُدَبَّرٌ، أو إن قَدِمَ زَيدٌ، أو إن شَفَى اللهُ مريضِي، فأنت حُرٌّ بعدَ مَوتي. فهذا لا يَصِيرُ مُدَبَّرًا في الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَ التدبِيرَ على شَرْطٍ.
فإذا وُجِدَ صار مُدبَّرًا وعَتَق بموتِ سَيِّدِه.
وإن لم يُوجَدْ في حياةِ السَّيِّدِ ووُجِدَ بعدَ موتِه لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشرطِ يَقْتَضِي وُجُودَه في الحياةِ، بدليلِ ما لو عَلَّقَ عليه عِتْقًا مُنْجَزًا، فقال: إذا دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ. فدَخَلَها بعدَ مَوتِه، لم يَعْتِقْ. ولأنَّ المُدَبَّرَ مَن عُلِّقَ عِتْقُه بالمَوتِ، وهذا قبلَ المَوت لم يكنْ مُدَبَّرًا. وبعدَ المَوتِ لا يُمْكِنُ حُدوثُ التدبيرِ فيه.
فصل: فإن قال لعبْدِه: إذا قرأتَ القرآنَ فأنتَ حر بعدَ مَوتِي. فقرأ القرآنَ جَمِيعَه، صار مدَبَّرًا.
وإن قرأ بَعْضَه لم يَصِرْ مُدَبَّرًا.
وإن قال: إذا قرأتَ قُرْآنًا فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي. فقرأ بَعْضَ القرآنِ، صار مُدَبَّرًا؛ لأنَّه في الأُولَى عَرَّفَه بالألفِ واللامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتغْراقِ، فعاد إلى جَمِيعِه، وههنا نَكَّرَه، فاقْتَضَى بعضَه.
فإن قيلَ: فقد قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ}.
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا}. ولم يُرِدِ القرآنَ جميعَه. قلنا: قَضِيَّةُ اللفظِ تَتَناولُ جميعَه؛ لأن الألفَ واللامَ للاسْتِغْراقِ، وإنَّما حُمِلَ على بعضِه بدَلِيل، فلا يُحْمَلُ على البعضِ في غيرِ ذلك الموضعِ بغيرِ دليل. ولأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَقْتَضِي قِراءةَ جَميعِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أراد تَرْغِيبَه في قِراءةِ القرآنِ، فتَتَعَلَّقُ الحُرِّيةُ به، أو مُجازاتَه على قِراءَتِه بالحُرِّيةِ. والظاهِرُ أنَّه لا يُجازَى بهذا الأمرِ الكثيرِ ولا يُرَغَّبُ به إلَّا فيما يَشقُّ،
أمَّا قِراءةُ آيةٍ أو آيَتَين فلا.
٢٩٦٢ -
(وَيَصِحُّ مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ آخَرَ، نَحْوَ: إِنْ مِتُّ، فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ (وَمُقَيَّدًا) لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى شَرْطٍ، فَصَحَّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِغَيْرِ الْمَوْتِ (بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ فَمِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ عَامِي هَذَا) أَوْ فِي بَلَدِي هَذَا (فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ) لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ خَاصٌّ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ خَاصٍّ مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى صِفَةٍ، كَـ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَهَذَا لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ ;
لِأَنَّهُ علقَ التدبير بِشَرْطٍ، فَإِذَا وُجِدَ صَارَ مُدَبَّرًا وَعُتِقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يُعْتَقْ ; لِأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي وَجُودَهُ فِي الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ عِتْقًا مُنَجَّزًا. فَرْعَانِ، الْأَوَّلُ: إِذَا قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَقَرَأَهُ جَمِيعَهُ، صَارَ مُدَبَّرًا
بِخِلَافِ قِرَاءَةِ بَعْضِهِ، فَإِنْ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ قُرْآنًا، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَقَرَأَ بَعْضَهُ، صَارَ مُدَبَّرًا ; لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَرَّفَهُ بِاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ
بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
الثَّانِي: إِذَا قَالَا لِعَبْدِهِمَا: إِنْ مُتْنَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحَرِيَّةِ بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ، وَلَا بِبَيْعِ وَارِثِهِ حَقَّهُ،
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ: إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنُصِيبُهُ حُرٌّ،
فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهِمَا مَوْتًا،
فَإِنْ جَازَ تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ،
وَفِي سِرَايَتِهِ إِنِ احْتَمَلَهُ ثُلُثُهُ الرِّوَايَتَانِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ويصح مطلقاً ومقيداً بأن يقول: إن متُّ من مرضي هذا، أو عامي هذا فأنت حر أو مدبر) .
أما كون التدبير يصح مطلقاً ومقيداً؛ فلأنه تعليق للعتق على شرط. فصح مطلقاً ومقيداً؛ كتعليق العتق بعد الموت.
وأما كون المقيد كما مثل المصنف رحمه الله تعالى؛ فلأنه قيد المرض والعام بكونه "هذا". وهو تقييد خاص. وقد يكون غير خاص لجواز تعلق العتق على صفة؛ مثل أن يقول: إن دخلت الدار، أو إن قدم زيد، أو إن شفى الله مريضي فأنت مدبر، أو حر.
وفي هذا الضرب لا يصير مدبراً في الحال؛ لأنه علق التدبير بشرط فإذا وجد صار مدبراً يعتق بعد الموت.
ولو وجد الشرط بعد الموت لم يعتق؛ لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.