فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا وَيُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ) الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ.
ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. ويَسارًا إذا قال: حَى على الفلاحِ. ولا يزِيلُ قدَمَيه. وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي. وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ. مُتفَق عليه .
وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر. رَواه أبو داودَ . وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض. والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس.
وهذا قول إسحاقَ. فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ ، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه. قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ،
ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ،
وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ،
وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس. ٢٧٠ - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه) وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ. كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي ،
وقال: حديث حسن صحيح. وعن سعدٍ القَرَظِ ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال:«إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ». رَواه ابنُ ماجَه .
وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه مَضْمُومَةً على أذُنَيه. رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ. واحتَج لذلك القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عنهما، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك. وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه. والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ،
وإن تَرَك الكل فلا بأسَ. ٢٧١ - مسألة: (ويَتَوَلَّاهما معًا) يُسْتَحبُّ أن يَتَوَلَّى الإقامَةَ مَن يَتَوَلَّى الأذانَ. وهو قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا فَرقَ بينَه وبينَ غيرِه؛ لِما روَى أبو داودَ ، في حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، حينَ رَأى الأذانَ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألْقِهِ عَلَى بلَالٍ؛ فَإنهُ أنْدَى صَوتا مِنْكَ» فَألْقاهُ عليه، فأذَّنَ بِلال، فقال عبدُ الله: أنا رَأيتُه، وأنا كُنْتُ أرِيدُه. قال ماله:«أقم أنْتَ». ولأنه يَحصُلُ المَقْصُودُ منه، أشْبَه ما لو تَوَلاهُما معًا. ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زِيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدائِي: «إن أخَا صُدَاءَ أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يقيمُ» .
ولأَنهما ذِكْران يتَقَدَّمان الصلاةَ، فيُسَنُّ أن يتَوَلاهما واحِدٌ، كالخُطبتَين، وما ذكَرُوه يَدُل على الجَوازِ، وهذا على الاسْتحبابِ.
فصل: فإن سُبِق المؤذنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّن أن يُقِيمَ، فقال أحمدُ: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَع أبو مَحذُورَةَ. فرَوَى عبدُ العزيزِ بنُ رُفَيعٍ ، قال: رأيتُ رجلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحذُورَةَ، قال: فجاء أبو مَحذُورَةَ، فأذنَ، ثم أقامَ. أخْرَجَه الأثْرَمُ.
فإن أقام بغيرِ إعادَةٍ، فلا بَأسَ. وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأي، لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ.
٢٧٢ - مسألة: (و) يُستحَب للمُؤذنِ أن (يقيمَ في مَوْضِع أذانِه، إلَا أن يَشُقَّ عليه) يَعنِي يقيمُ الصلاةَ في المَوْضِع الذي يُؤذن فيه. كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، قال: أحَب إلى أن يقِيمَ في مَكانِه، ولم يَبْلُغْنِي فيه شيءٌ إلَا حديثُ بِلال:«لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ»،. يَعنِي لو كان يُقِيمُ في المسجدِ، لَما خاف أن يَسْبِقَه بالتَّأمِينِ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يُكَبِّر بعدَ فَراغِ بِلالٍ مِن الإقامَةِ، ولأن الإقامَةَ شُرِعَتْ للإعلامِ، بدَلِيلِ قولِ ابنِ عُمرَ: كُنّا إذا سمعنا الإقامَةَ تَوَضَّأنا ثم خَرَجْنا إلى الصلاةِ .
فيَنْبَغِي أن تكُونَ في مَوْضع الأذانِ؛ لكَوْنِه أْبلَغ في الإعلامِ،
فأمّا إن شق عليه ذلك، بحيث يُؤذنُ في المنارَةِ أو [في مكانٍ] بَعِيدٍ مِن المسجدِ، فيُقِيمُ في غيرِ مَوْضِعِه؛ لئلا يَفُوتهَ بعضُ الصلاةِ.
فصل: ولا يُقِيمُ إلّا بإذْنِ الإِمامِ،
فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأذِنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وفى حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائِيِّ، أنَّه قال: فجَعلْتُ أقولُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقِيمُ أقِيمُ ؟ وروَى أبو حَفْص، بإسنادِه، عن عليٍّ، قال: المُؤذَّنُ أملَكُ بالأذانِ، والإمامُ أملَكُ بالإقامَةِ. ورَواه البَيهقِيُّ ، قال: وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا، وليس بمَحفوظٍ.
٢٧٣ -
(فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ) وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا يُقَالُ بَسْمَلَ، وَسَبْحَلَ، وَهَيْلَلَ، وَنَحْوُهَا (الْتَفَتَ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ بِصَدْرِهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) فَيَكُونُ يَمِينًا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ،
وَقِيلَ: يَقُولُ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً، وَهُوَ سَهْوٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ (وَلَمْ يَسْتَدِرْ) أَيْ: لَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ، وَتَوَضَّأَ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ:«فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ»
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ الدَّوَرَانُ فِي الْمَنَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ،
وَعَنْهُ: يُزِيلُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَنَارَةِ، وَنَحْوِهَا، نَصَرَهُ فِي " الْخِلَافِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِدُونِ ذَلِكَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: مَعَ كِبَرِ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي الْإِقَامَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَجَزَمَ بِهِ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ،
وَالثَّانِي: يَلْتَفِتُ فِيهَا فِي الْحَيْعَلَةِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ مِقْدَارَ طَاقَتِهِ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِئَلَّا يَنْضَرَّ مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ،
وَعَنْهُ: التَّوَسُّطُ أَفْضَلُ. (وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ) أَيْ: سَبَّابَتَيْهِ (فِي أُذُنَيْهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ:«أَنَّ بِلَالًا وَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلَالًا بِذَلِكَ، وَقَالَ:«إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،
وَعَنْهُ: يَضُمُّ أَصَابِعَهُ إِلَى رَاحَتَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَابْنِ الْبَنَّا، وَصَاحِبِ " الْبُلْغَةِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنًا بِذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ،
وَعَنْهُ: يَبْسُطُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " زَادَ السَّامِرِيُّ عَلَيْهَا دُونَ الْإِبْهَامِ، وَالرَّاحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَشُهْرَتِهِ، وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، لِيَجْتَمِعَ الصَّوْتُ وَيَسْتَدِلَّ الْأَصَمُّ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانَا، وَأَيُّهُمَا فُعِلَ فَحَسَنٌ، وَيَرْفَعُ وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ فِيهِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ،
وَقِيلَ: وَالشَّهَادَتَيْنِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا) لِمَا فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ قَالَ: «فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُقِيمُ أَخُو صُدَاءٍ، فَإِنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنما نعرفه مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ، فَسُنَّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَالْخُطْبَتَيْنِ،
وَعَنْهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ:«أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقِمْ أَنْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ،
وَلَوْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ،
فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ. (وَيُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ) لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ كَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) مِثْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَنَارَةٍ، أَوْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ أَذَانِهِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، لِإِمْكَانِ صَلَاتِهِ لَكِنْ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِفِعْلِ بِلَالٍ.
[لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا]
فإذا بلَغ الحَيعلَةَ التفَت يَمينا وشمالًا، ولم يَسْتَدر. هذا المذهب مُطْلقا، وعليه الجمهورُ.
وقال في «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»: هذا الأظْهر. وجزم به في «الوَجيز»، و «المنتخَبِ»، وغيرِهما. واخْتارَه ابن عبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «الفُروع»، و «الرعايتَين»، و «الحاويَين»، و «النظْمِ»، و «ابنِ تَميم»، و «المحَرر».
وعنه، يزيلُ قدمَيه في منارةٍ ونحوها. نصرَه القاضي في «الخلافِ» وغيره. واخْتارَه المَجْدُ. وجزَم به في «الروْضَةِ»، و «المذْهب الأحمَد»، و «الإفَادَاتِ»، و «المنور».
قلتُ: وهو الصواب؛ لأَنه أبلَغ في الإعلامِ، وهو المعمول به. زادَ أبو المَعالي، يفْعَلُ ذلك مع كِبَرِ البلدِ. وأطْلقَهُما في «المُسْتوعِبِ»، و «التلْخيص»، و «البلغةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائق»، و «ابنِ عُبَيدان».
قال في «الإقْنَاع»: يشرع إزالةُ قدمَيه في المَنارَةِ. فعلى المذهبِ،
قال في «الفُروع»: وظاهِرُه يزيلُ صدره. انتهى.
قلت: قال في «التلْخيص»: ولا يُحَوَّلُ صدره عن القِبلَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: ظاهر قولِه: الْتفَت يمِينًا وشِمالًا. أنَّه سواءٌ كان على مَنارة، أو غيرِها، أو على الأرض. وهو صحيح. وهو المذهبُ، وعليه الأصحاب، وجزَم به أكثرُهم.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إنْ أذَّنَ في صَوْمعةٍ، الْتفَت يمِينًا وشِمالًا، ولم يحوِّلْ قدميه.
وإنْ أذَّنَ على الأرض، فهل يلْتَفِتُ؟ على رِوايتَين. ذكره ابنُ عُبَيدان. وهي طريقة غريبة.
فائدتان؛ إحداهما: يقول: حَيَّ على الصلاة. في المرتَين مُتوالِيتَينِ عن يَمِينه. ويقول: حَي على الفَلاح. كذلك عن يَسارِه، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقيل: يقولُ: حي على الصَّلاة. يمِينًا، ثم يُعيده يَسارًا، ثم يقول: حي على الفَلاحِ. يمينًا، ثم يُعيدُه يسارًا.
وقيلَ: يقول: حَي على الصلاة. مرةً عن يمينه، ثم يقول عن يسارِه: حَيَّ على الفَلاحِ. مرةً. ثم كذلك ثانية.
قال في «الفُروع»: وهو سَهْوٌ. وهو كما قال. والظاهر أنه خِلاف إجْماعِ المُسْلمين. الثَّانيةُ: لا يلْتَفِت يمِينًا ولا شمالًا في الحَيعلَةِ في الإقامةِ، على الصحيح وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ، مِنَ المذهبِ. جزَم به الآجُري وغيره. قال ابنُ نصرِ الله، في «حواشِي الفُروعِ»: هذا أظْهرُ الوَجْهين. وذكرَ أبو المعالِي فيه وَجْهين. ويَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أذُنيه. يعني السبابتَين. وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحابِ، وجزَم به في «العمدة»، و «النظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الإفاداتِ»، و «الفائق»، و «المُحَرَّرِ»، و «تَجْرِيدِ العِناية»، وغيرهم.
واخْتارَه ابن عَقيل، والمُصَنِّف، وغيرُهما. وصَحَّحَه المجد في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شرحه»، وغيرُه. وقدَّمه في «الفروعِ»، و «ابن تميم».
وعنه، يجْعَل أصابِعَه على أذُنيه مبْسوطَةً مضمومَةً. سوى الإبهامِ. ويَحتمِله كلامٌ الخرَقِي.
قال في «التلْخيص»، و «البلْغةِ»، و «الهِدايَة»: ولْيَجْعلْ أصابِعَه مضْمومَةً على أذنيه. وقدَّمه في «الرعايةِ الكبْرَى».
وعنه، يفْعل ذلك مع قبْضِه على كفيه. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِي. نقَله عنه ابن بَطَّةَ. فقال: سألْتُ أبا القاسِمِ الخرَقِي عن صِفَةِ ذلك؟ فأرانِيه بيدَيه جميعًا، وضمَّ أصابِعَه على راحَتَيه، ووضعهما على أذنيه. واخْتارَه ابن عَبْدُوس المتقدِّم، وابنُ البنا. وذكَره الزركَشِي عن صاحبِ «البُلْغةِ». وقد تقدم لفْظه. وأطلقهن في «المُذْهَبِ»، و «المسْتَوْعِبِ». وخَيَّره في «الرعايَةِ الصغْرى»، و «الحاويين» بينَ وضْع أصابِعِه وإصبَعَيه.
فائدة: يرفَعُ وجهه إلى السَّماءِ في الأذانِ كلِّه. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. ونص عليه. وجزم به في «الفائقِ». ونقَله المصنفُ، والشارِح عن القاضي. واقتصَر عليه، وقدمه في «الفروع»، و «ابنِ تميم»، و «ابنِ عبَيدان». واخْتارَه الشيَّخَ تَقي الدِّين.
وقيل: عند كلمةِ الإخْلاص فقط. جزم به في «المُستوْعِب»، و «الترغِيبِ»، و «الرعاية الصغْرى»، و «تجْرِيدَ العنايةِ». وقدّمه في «الرعاية الكبرى».
وقيل: يرفَعُ وجْهه إلى السماءِ عند كلمةِ الإخلاص، والشهادَتين. وَيتَوَلَّاهُمَا مَعًا، ويتولاهما مَعًا. يعني، يُسْتَحَبُّ للمُؤذِّنِ أنْ يَتَولى الإقامةَ. وهو المذهب، وعليه الجمهورُ، وقطع به أكثرهم.
وعنه، المؤذنُ وغيره في الإقامَةِ سواءٌ. ذكَرَها أبو الحسَينِ.
وقيل: تُكْرهُ الإقامَةُ لغيرِ الذي أذن، وعند أبِي وَيقيمَ فِي مَوْضِعِ أذَانِهِ، إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيهِ.
الفَرَج، تُكْرَهُ إلا أنْ يُؤذِّنَ المَغْرِبَ بمَنارَةٍ، فلا تُكْرَه الإقامَةُ لغيره. وتقدّم إذا تشاحَّ فيه اثْنانِ فأكثر، وهل تستحب الزيادة على الواحدِ؟ قريبًا. ويقيمَ في موضِع أذانِه، إلَّا أنْ يَشق عليه. وهو المذهبُ، وعليه الأصحاب، وهو مِنَ المفْرداتِ.
وقال في «النصيحَة»: السُّنَّةُ أنْ يؤذِّنَ وَلَا يَصِحُّ الأذَانُ إلَّا مُرَتبًا مُتَوَالِيًا،
فَإنْ نَكَّسَهُ أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أوْ محَرَّم، لَمْ يُعتَدَّ بِهِ.
بالمَنارةِ، ويُقيم أسفَل. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وعليه العمَلُ فى جميع الأمصارِ والأعصارِ. ونقَل جَعْفر بنُ محمدٍ، يُسْتحب ذلك ليلْحقَ: آمِنَ. مع الإمامِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.