فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: أعْتَقْتُكِ وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ، وتَزَوَّجْتُكِ. أو لا يقولَ: وتَزَوَّجْتُكِ.

٢٦٬٠٩٩

وكذلك قولُه: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ. أو : جَعَلْتُ صَداقَكِ عِتْقَكِ. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. ونَصَّ أحمدُ في روايةِ صالحٍ: إذا قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. أو: صَداقَكِ عِتْقَكِ. كلُّ ذلك جائز.

٢٦٬١٠٠

ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ النِّكاحِ أن لا يكونَ بينَهما فَصْلٌ،

تعليق

فلو قال: أعْتَقْتُكِ. وسَكَت سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه، أو تَكَلَّمَ بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها صارتْ بالعِتْقِ حُرَّةً، فتَحْتاجُ أن يَتَزَوَّجَها برِضَاها بعَقْدٍ وصَداقٍ جديدٍ. ولا بُدَّ مِن حُضُورِ شاهِدَين إذا قُلْنا باشْتِراطِ الشَّهادَةِ في النِّكاحِ. نصَّ على ذلك في رِوايةِ الجماعةِ؛ لقولِه:«لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وَشَاهِدَينِ».

فصل: وإذا قُلْنا بصِحَّةِ النَّكاحِ، فطَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها بنِصْفِ قِيمَتِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ في نِصْفِ ما فَرَض لها، وقد فَرَض لها نَفْسَها، ولا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ في الرِّقِّ بعدَ زَوالِه، فرَجَعَ بنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا. وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ .

٢٦٬١٠١

وقال الأوْزاعِيّ: يَرْجِعُ بقِيمَتِها . ولَنا، أنَّه طَلان قبلَ الدُّخُولِ، فأوْجَبَ الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ، كسائِرِ الطَّلاقِ. وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّها حالةُ الإِتْلافِ.

٢٦٬١٠٢

فإن لم تَكُنْ قادِرَةً على نِصفِ القِيمَةِ، فهل تُسْتَسْعَى فيها، أو تكونُ دَينًا تُنْظرُ به إلى حالةِ القُدْرَةِ؟ على رِوايَتَين.

٢٦٬١٠٣

وإن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بهذا القولِ. فعليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه أزال مِلْكَه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَةِ المُفَوَّتِ، كالبَيعِ الفاسِدِ.

٢٦٬١٠٤

وكذلك إن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ به. فارْتَدَّتْ [قبلَ الدُّخُولِ]، أو فَعَلَتْ ما يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، مثلَ أن أرْضَعَتْ زَوْجَةً له صغيرةً، ونحو ذلك، انْفَسَخَ نِكاحُها، وعليها قِيمَةُ نَفْسِها.

٢٦٬١٠٥

فصل: وإن قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ، ويَكُونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ. أو لم يَقُلْ: ويكونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ . فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْهَا أن تُزَوِّجَه نَفْسَها؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاحٍ، فلم يَلْزَمْها، كما لو أسْلَفَ حُرَّةً ألْفًا على أن يَتَزَوَّجَها، ولأنَّه أسْقَطَ حُقها مِن الخِيارِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِه، فلم يَسْقُطْ، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ. ويَلْزَمُها قِيمَةُ نَفْسِها. أوْمَأ إليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أزال مِلْكَه منها بشَرْطِ عِوَض لم يُسَلَّمْ له ، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بقِيمَتِه، كالبَيعِ الفاسدِ إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ في يَدِ المُشْتَرِي، والنِّكاحِ الفاسدِ إذا اتَّصَلَ به الدُّخُولُ.

ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها شيءٌ، بِناءً على ما إذا قال لعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا. وهذا قولُ مالكٍ، وزُفرَ؛ لأنَّ هذا ليس بلَفْظِ شَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: أعْتَقْتُكِ، وزُوِّجِينِي نَفْسَكِ. وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ العِتْقِ، ويُطالِبُها في الحالِ إن كانت قادِرةَ عليها.

٢٦٬١٠٦

وإن كانت مُعْسِرَةً، فهل تُنْظرُ إلى المَيسَرَةِ أو تُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على وَجْهَين، أصْلُهما في المُفْلِسِ هل يُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على رِوايتَين .

فصل: وإنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والأمَةُ على أن يُعْتِقَها وتُزَوِّجَه نَفْسَها، فتَزَوَّجَها على ذلك، صَحَّ، ولا مَهْرَ لها غيرَ ما شرَط مِن العِتْقِ. وبه قال أبو يُوسُفَ.

٢٦٬١٠٧

وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يكونُ العِتْقُ صَداقًا، لكنْ إن تَزَوَّجَها على القِيمَةِ التي له في ذِمَّتِها، وهما يَعْلَمان القِيمَةَ، صَحَّ الصَّداقُ. ولَنا، أنَّ العِتْقَ صَلَح صَدَاقًا في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجُوزُ في حَقِّ أُمَّتِه، كالدَّراهِمِ، ولأنَّه يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فإنَّه لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على ألفٍ. جازَ، فلأنْ يكونَ عِوَضًا في النِّكاحِ أوْلَى؛

٢٦٬١٠٨

فإنَّ النِّكاحَ لا يُقْصَدُ فيه العِوَضُ. وعلى هذا، لو تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أَبَاها، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ. إذا ثَبَت هذا،

٢٦٬١٠٩

فإنَّ العِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا، كما لو دَفَع إليها مالًا ثم تَزَوَّجَها عليه.

٢٦٬١١٠

فإن بَذَلَتْ له نَفْسَها ليَتَزَوَّجَها فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ، وكانت له القِيمَةُ؛ لأنَّها إذا لم تُجْبَرْ على تَزْويجِه نَفْسَها، لم يُجْبَرْ هو على قَبُولِها. وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ والمُعَلَّقِ عِتْقُها بصِفَةٍ وأُمِّ الوَلَدِ، حُكْمُ الأمَةِ القِنِّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناه.

فصل: ولا بَأْسَ أن يُعْتِقَ الرَّجلُ الأمَةَ ثم يَتَزَوَّجَها، سواءٌ أعْتَقَها لوَجْهِ الله تعالى، أو أعْتَقَها ليتَزَوَّجَها. وكَرِهَ أنَسٌ تَزَوُّجَ مَن أعْتَقَها لوَجْهِ اللهِ تعالى. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: روَى شُعْبَة، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ، أنَّه كَرِه أن يُعْتِقَ الأمَةَ ثم يَتَزوَّجَها ؟ قال: نعم، ذاكَ إذا أعْتَقَها للهِ، كَرِهَ أن يَرْجعَ في شيءٍ منها . ولَنا، ما روَى أبو موسى، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَت عِنْدَهُ جَارِيَة، فَعَلَّمَهَا، وَأَحسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أجْرَانِ».

مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه إذا تَزَوَّجَها، فقد أحْسَنَ إليه بإعْفافِها وصِيانَتِها، فلم يُكْرَهْ، كما لو زَوَّجَها غيرَه، وليس في هذا رُجُوعٌ فيما جُعِلَ للهِ؛ فإنَّه إنَّما يَتَزَوَّجُها بصَداقِها، فهو بمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَرَى منها شيئًا.

فصل: وإذا قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي. فأعْتَقَه، لم يَلْزَمْه أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه ؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاح، وعليه قِيمَةُ العبدِ .

٢٦٬١١١

وقال الشافعيُّ في أحَدِ القَوْلَين: لا يَلْزَمُه شيء؛ لأنَّه لا

٢٦٬١١٢

فائدةَ له في العِتْقِ. ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه عن عَبْدِه بعِوَض شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وعليَّ ثَمَنُه. وكما لو قال: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ و عليَّ ألْفٌ. فطَلَّقَها. أو: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ثَمَنُه. وبهذه الأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لَا

٢٦٬١١٣

فائِدَةَ له في العِتْقِ.

فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ. فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ بَالِغَينِ عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ) المشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ لصِحَّةِ النِّكاحِ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ الزُّبَيرِ، وسالمٌ وحَمْزَةُ ابْنَا ابنِ عمرَ. وبه قال عبدُ اللهِ بنُ إدْرِيسَ ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، ويزيدُ بنُ هارونَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.

وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ بغيرِ شُهُودٍ. فَعَلَه ابنُ عمرَ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ في الشَّاهِدَين في النِّكاحِ خبَرٌ.

٢٦٬١١٤

وقال ابنُ عبدِ البَرِّ : وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وشَاهِدَينِ عَدْلَينِ». مِن حديثِ ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ ، إلَّا أنَّ في نَقَيَةِ ذلك ضَعْفًا، فلم أذْكُرْه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أعْتَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ وتَزَوَّجَها بغيرِ شُهودٍ . قال أنَسُ بنُ مالِكٍ: اشْتَرَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جارِيَةً بسَبْعَةِ أرْؤُسٍ، قال النَّاسُ: ما نَدْرِي أتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أم جَعَلَها أُمَّ وَلَدٍ؟

فلمَّا أرادَ أن يَرْكَبَ حَجَبَها، فَعلِمُوا أنَّه تَزَوَّجَها. مُتَّفَقٌ عليه . قال: فاسْتَدَلُّوا على تَزْويجها بالحِجَابِ.

٢٦٬١١٥

وقال يزيذ بنُ هارونَ: أمَرَ الله بالإِشْهادِ في البَيعِ دُونَ النِّكَاحَ، فاشْتَرَطَ أصحابُ الرَّأْي الشَّهادَةَ للنِّكاحِ ، ولم يَشْتَرِطُوها للبَيعَ ! ووَجْهُ الأُولَى أنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَي عَدْلٍ». رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه . وروَى الدَّارَقُطنيُّ عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«لَابُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ الوَلِي، والزَّوْجُ، والشَّاهِدَانِ». ولأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِ المُتَعاقِدَين، وهو الوَلَدُ، فاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ فيه؛

لئلَّا يَجْحَدَه أَبُوه، فيَضِيعَ نَسَبُه،

٢٦٬١١٦

بخِلافِ البَيعِ. فأمَّا نِكاحُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بغيرِ وَلِيٍّ ولا شُهودٍ،

٢٦٬١١٧

فمِن خَصائِصِه في النِّكاحِ، فلا يُلْحَقُ به غيرُه.

فصل: ويُشْتَرَطُ في الشُّهودِ الذّكُورِيَّةُ، والعَدالةُ، والعَقْلُ، والبُلُوغُ، والإِسْلامُ،

٢٦٬١١٨

فأمَّا الذّكُورِيَّةُ، فقال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ ذلك؛ لما روَى أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» عن الزُّهْرِيِّ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ. ولأنَّه عَقْدٌ ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المال، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يَثْبُتْ بشَهادَتِهِنَّ كالحُدُودِ. الثاني، العَدالةُ،

٢٦٬١١٩

وفي انْعِقادِ النِّكَاحِ بشهادَةِ الفاسِقَين رِوايتَان؛ إحْدَاهما، لا يَنْعَقِدُ. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ للخَبَرِ. ولأنَّ النِّكاحَ لا يَثْبُتُ بشَهادَتِهما، فلم يَنْعَقِدْ بحُضُورِهما، كالمَجْنُونَين. والثانيةُ، يَنْعَقِدُ بشَهادَتِهما. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه تَحَمُّلٌ، فصَحَّتْ مِن الفاسِقِ، كسائرِ التَّحَمُّلاتِ. وعلى كلتا الرِّوَايتَين لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ العَدالةِ، بل يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَسْتُورِي الحالِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يكونُ في القُرَى والبَوادِي، وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ممَّن لا يَعْرِفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعْتِبارُ ذلك يَشُقُّ، فاكْتُفِيَ بظاهرِ الحالِ، وكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لم يَظْهَرْ فِسْقُه،

٢٦٬١٢٠

فإن تَبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّه كان فاسِقًا، لم يُؤثِّرْ في العَقْدِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ العَدَالةُ ظاهِرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسْقِ، وقد تَحَقَّقَ ذلك.

٢٦٬١٢١

وقيل: نَتَبَيَّنُ أنَّ النِّكَاحَ كان فاسِدًا؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ.

٢٦٬١٢٢

ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كانتِ العَدالةُ الباطِنَ شَرطًا، لَوَجَبَ الكَشْفُ عنها؛ لأنَّه مع الشّكِّ فيها يكونُ الشَّرْطُ مَشْكُوكًا فيه، فلا يَنعَقِدُ النِّكاحُ، ولا تَحِلُّ المرأةُ مع الشَّكِّ في صِحَّةِ نِكَاحِها.

٢٦٬١٢٣

وإن حَدَث الفِسْقُ فيهما، لم يُؤثِّرْ في صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يُعْتَبَرُ حالةَ العَقْدِ.

٢٦٬١٢٤

ولو أقَرَّ رجلٌ وامرأة أنَّهما نَكَحَا بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، قُبِلَ منهما، وثَبَت النَّكاحُ بإقْرارِهما . الثالثُ العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَجْنُونَين ولا طِفْلَين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولا لهما قولٌ يُعْتَبَرُ. الرابعُ البُلُوغُ، فلا يَنْعَقِدُ بشهادةِ صَبِيَّين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، أشْبَها الطِّفْلَ.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ الشَّهَادَةُ] فصل (الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ) وَهِيَ مِنَ الشُّرُوطِ لِصِحَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ; لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا، قَالَ:«لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ،

١٦٬٨٨٩

وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْهَا مَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبَغَايَا اللَّائِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى وَوَقَفَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، قَالَ: وَالْوَقْفُ أَصَحُّ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: الْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالشَّاهِدَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ: الِاحْتِيَاطُ لِلْأَبْضَاعِ وَصِيَانَةُ الْأَنْكِحَةِ عَنِ الْجُحُودِ، (فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ ;

لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَهُوَ الْوَلَدُ - لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ، فَيَضِيعُ نَسَبُهُ، (عَدْلَيْنِ) ; لِلْأَخْبَارِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ،

١٦٬٨٩٠

وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فِي الْأَمْوَالِ ; لِتَعَذُّرِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ فِي الْبَاطِنِ غَالِبًا ; لِوُقُوعِ النِّكَاحِ فِي الْبَوَادِي وَبَيْنَ عَوَامِّ النَّاسِ.

١٦٬٨٩١

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا تُعْرَفُ الرِّوَايَةُ عَنِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ، (ذَكَرَيْنِ) ; لِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " ; وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِنَّ كَالْحُدُودِ. (بِالِغَيْنِ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا شَهَادَةَ لَهُ. (عَاقِلَيْنِ) ;

لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،

الإنصافالمرداوي

فَصْلٌ: الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ. فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ، بَالِغَينِ، عَاقِلَينِ،

٢٩٬٩٦١

وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ. الرَّابعُ، الشَّهادَةُ، فلا ينْعَقِدُ إلّا بشاهِدَين. احْتِياطًا للنَّسَبِ، خَوْفَ الإِنْكارِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.

٢٩٬٩٦٢

وعنه، أنَّ الشَّهادَةَ ليستْ مِن شُروطِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النَّكاحِ. ذكَرَها أبو بَكْر في «المُقْنِعِ»، وجماعَة. وأطْلَقها أكْثَرُهم. وقيَّد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المَجْدُ وجماعَةٌ مِنَ الأصحابِ بما إذا لم يكْتُمُوه، فمع الكَتْمِ تُشْترَطُ الشَّهادَةُ، رِوايَةً واحدَةً. وذكَرَه بعضُهم إِجْماعًا.

٢٩٬٩٦٣

وقال الزَّرْكَشِيُّ: وهو، واللهُ أعلمُ، مِن تصَرُّفِ المَجْدِ، ولذلك جعَلَه ابنُ حَمْدانَ قوْلًا. انتهى. عَدْلَين ذَكَرَين بالِغَين عاقِلَين، وإنْ كانا ضَرِيرَين. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ وَعَنْهُ، يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَينِ، وَرَجُلٍ وَامْرأتَينِ، وَمُرَاهِقَينِ رَزِينٍ»، وغيرِهم.

٢٩٬٩٦٤

وعنه، ينْعَقِدُ بحُضورِ فاسِقَين، ورَجُلٍ وامْراتين، عَاقِلَينَ.

ومُراهِقَين عاقِلَين. قال في «الفُروعِ»: وأسْقَطَ رِوايَةَ الفِسْقِ أكثرُهم.

٢٩٬٩٦٥

وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: هي ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وأخَذَها في «الانْتِصارِ» مِن رِوايَةِ مُثَنَّى. وقد سُئِل الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه الله: إذا تزَوَّجَ بوَلِيٍّ وشُهودٍ غيرِ عُدُولٍ، يفْسُدُ مِنَ النِّكاحِ شيءٌ؟ فلم يرَ أنَّه يَفْسُدُ مِنَ النِّكاحِ شيءٌ.

٢٩٬٩٦٦

وقيل: ينْعَقِدُ بحُضورِ كافِرَين، مع كُفْرِ الزَّوْجَةِ، وقَبُولِ شَهادَةِ بعضِهم على بعضٍ. ويأْتِي نحوُه قريبًا. وأطْلَقَ الرِّوايتَين في «الشَّرْحِ».

٢٩٬٩٦٧

تنبيه: يَحْتَمِلُ أنْ يُريدَ المُصَنِّفُ بقَوْلِه: عَدْلَين. ظاهِرًا وباطِنًا. وهو أحدُ الوَجْهَين، واحْتِمالٌ في «التَّعْليقِ» للقاضي. وقدَّمه في «الرِّعايتَين». ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ عَدْلَين ظاهِرًا لا باطِنًا، فيَصِحَّ بحُضورِ مَسْتُورَيِ الحالِ،

٢٩٬٩٦٨

وإنْ لم نَقْبَلْهما في الأمْوالِ. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّركَشِيُّ: وهو المَشْهورُ مِنَ الوَجْهَين.

٢٩٬٩٦٩

قال ابنُ رَزِينٍ: ويصِحُّ من مَسْتُورَيِ الحالِ، رِوايَةً واحدَةً، لأنَّ الأصْلَ العَدالةُ. وصحَّحَه في «البُلْغَةِ». وجزَم به القاضي في «المُجَرَّدِ»، و «التَّعْليقِ» في الرَّجْعَةِ منه، والشِّيرازِيُّ، وابنُ البَنَّا، وابنُ عَقِيلٍ، حاكِيًا له عَنِ الأصحابِ، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ». وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».

٢٩٬٩٧٠

وقيل: يكْفِي مَسْتُورَي الحالِ، إنْ ثبَت النِّكاحُ بهما.

٢٩٬٩٧١

وقال في «المُنْتَخَبِ»: يَثْبُتُ بهما مع اعْتِرافٍ مُتقَدم.

٢٩٬٩٧٢

وقال في «التَّرْغِيبِ»: لو تابَ في مَجْلِسِ العَقْدِ، فكمَسْتُورِ الحالِ. فعلى المذهبِ، لو عُقِدَ بمَسْتُورَيِ الحالِ، ثم تبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّهما كانا فاسِقَين حالةَ العَقْدِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: تبَيَّنَ أن النِّكاحَ لم ينْعَقِدْ.

٢٩٬٩٧٣

وقال المُصَنِّفُ، وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً.

وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أصَمَّينِ وَلَا أَخْرَسَينِ.

والشَّارِحُ: ينْعَقِدُ؛ لوُجودِ شَرْطِ النّكاحِ ظاهِرًا. [قال ابنُ البَنَّا: ولا يكْفِي في إثْباتِ العَقْدِ عندَ الحاكِمِ إلَّا مَن عُرِفَتْ عَدالتُه ظاهِرًا وباطِنًا. انتهى. وهو صحيحٌ؛ بِناءً على اشْتِراطِ ذلك في الشَّهادَةِ].

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الرابع: الشهادة. فلا ينعقد إلا بشاهدين عدلين ذكرين بالغين عاقلين وإن كانا ضريرين. وعنه: ينعقد بحضور فاسقين، ورجل وامرأتين، ومراهقَيْن عاقلَيْن) .

١١٬٨٢٨

أما كون الرابع من شروط النكاح: الشهادة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا نِكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدل». رواه الخلال بإسناده.

وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا بُدَّ في النكاحِ من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان». رواه الدارقطني.

ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد. فاشترطت الشهادة فيه؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه.

١١٬٨٢٩

بخلاف البيع.

وأما كونه لا ينعقد إلا بشاهدين عدلين على المذهب فلقوله:«وشاهدَي عدل».

ولأن النكاح لا يثبت بشهادة فاسقين. فلم ينعقد بحضورهما؛ كالمجنونين.

١١٬٨٣٠

وأما كونه ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ؛ فلأنه ينعقد بالشهادة على روايةٍ. فلأن ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ بطريق الأولى.

ولأن الشهادة على النكاح تَحَمّل. فصحت من الفاسق؛ كسائر التحملات.

قال المصنف في المغني: وعلى كلتي الروايتين لا تعتبر حقيقة العدالة بل ينعقد بحضور مستوري الحال؛ لأن النكاح يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس ممن لا يعرف بحقيقة العدالة. فاعتبار ذلك يشق. فاكتفي بظاهر الحال، وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه.

١١٬٨٣١

وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور ذكرين على المذهب؛ فلما روى الزهري قال:«مضت السنةُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تجوزَ شهادة النساءِ في الحدودِ، ولا في النكاحِ، ولا في الطلاق». رواه أبو عبيد في الأموال.

ولأنه عقد ليس بمال ولا المقصود منه المال ويحضره الرجال في غالب الأحوال. فلم ينعقد بشهادة النساء؛ كالحدود.

١١٬٨٣٢

وأما كونه ينعقد بحضور رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة. فانعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ كالبيع.

١١٬٨٣٣

وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور بالغين عاقلين على المذهب؛ فلأن الصبي ليس من أهل الشهادة.

١١٬٨٣٤

وأما كونه ينعقد بحضور مراهقَيْن عاقلَيْن على روايةٍ؛ فلأن المراهق العاقل يصح تحمله. أشبه شهادته على البيع.

١١٬٨٣٥

وأما كونه ينعقد بما تقدم ذكره وإن كانا ضريرين؛ فلأنها شهادة على قول. فصحت من الضريرين؛ كالشهادة بالاستفاضة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.