وَإِنْ تَشَاحَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فِي الِاسْتِيفَاءِ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن تَشَاحَّ أوْلِياءُ المَقْتُولِ في الاسْتِيفاءِ، قُدِّمَ أحَدُهم بِالقُرْعَةِ) إذا [كان القِصاصُ لجماعةٍ مِن الأولياءِ، وتَشاحُّوا في المُوَلَّى منهم] للاسْتِيفاءِ، أُمِرُوا بتَوْكِيلِ واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولم يَجُزْ أن يتَولَّاه جميعُهم؛ لِما فيه مِن تَغذِيب الجانى، وتعَدُّدِ أفْعالِهم.
فإن لم يَتَّفِقُوا على أحدٍ، وتَشاحُّوا، وكان كلُّ واحدٍ منهم يُحْسِنُ الاسْتِيفاء، أُقْرِعَ بينَهم؛ لأَنَّ الحُقُوقَ إذا تَساوَتْ، وعُدِمَ التَّرْجِيحُ، صِرْنا إلى القُرْعَةِ، كما لو تَشاحُّوا في تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهم،
فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، أُمِر الباقون بتَوْكِيلِه،
ولا يجوزُ له الاستِيفاءُ بغيرِ إذْنِهم؛ [لأَنَّ الحقَّ لهم، فلا يَجُوزُ استِيفاؤُه بغيرِ إذْنِهم].
فإن لم يتَّفِقُوا على [توكيلِ واحدٍ]، مُنِعُوا الاستِيفاءَ حتى يُوَكِّلُوا.
(وَإِنْ تَشَاحَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فِي الِاسْتِيفَاءِ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْقَتْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمْ فَوَجَبَ التَّقْدِيمُ (بِالْقُرْعَةِ) كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اسْتَأْذَنَ شُرَكَاءَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ،
وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَوْكِيلِ أَحَدٍ لَمْ يَسْتَوْفِ حَتَّى يُوَكِّلُوا،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا تَشَاحُّوا أَمَرَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ بِاسْتِيفَائِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اقْتَصَّ جَانٍ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَا وَلِيٍّ جَازَ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " وَصَحَّحَ فِي " التَّرْغِيبِ ": لَا يَقَعُ قَوَدًا،
وَفِي " الْبُلْغَةِ " يَقَعُ،
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَلَوْ أَقَامَ حَدَّ زِنًا، أَوْ قَذْفٍ عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنٍ لَمْ يَسْقُطْ،
بِخِلَافِ قَطْعِ سَرِقَةٍ وَلَهُ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ إِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةٍ لِفَوَاتِ الرَّدْعِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِنَفْسِهِ،
وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا اضْطَرَبَتْ يَدُهُ فَجَنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَلَى جَوَازِهِ إِذْنًا،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اعْتِبَارُهُ، وَهَلْ يَقَعُ الْمَوْقِعَ؟ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْقَوَدِ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي حَدِّ زِنًا، وَقَذْفٍ وَشُرْبٍ كَحَدِّ سَرِقَةٍ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَهُوَ قَطْعُ الْعُضْوِ الْوَاجِبِ قَطْعُهُ وَعَدَمِ حُصُولِ الرَّدْعِ، وَالزَّجْرِ بِجَلْدِهِ نَفْسَهُ.
[
وإنْ تَشاحَّ أَوْلِياءُ المَقْتُولِ فى الاسْتِيفاءِ، قُدِّمَ أحَدُهم بالقُرْعَةِ. هذا المذهبُ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. قال فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا المَشْهورُ.
وقيل: يُعَيِّنُ الإِمامُ أحدَهم. واختارَه ابنُ أبى موسى. فعلى المذهبِ، مَن وقَعَتْ له القُرْعَةُ يُوَكِّلُه الباقُون.
فائدتان؛ إحْداهما، لو اقْتَصَّ الجانِى مِن نَفْسِه، ففى جَوازِه برِضَا الوَلِىِّ وَجْهان. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ»، أحدُهما، يجوزُ. وهو الصَّحيحُ. جزَم به فى «المُنَوِّرِ»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثَّانى، لا يجوزُ. صحَّحه فى «النَّظْمِ». وهو ظاهِرُ كلامِه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وصحح فى «التَّرْغيبِ»، لا يقَعُ ذلك قَوَدًا.
وقال فى «البُلْغَةِ»: يقَعُ ذلك قَوَدًا.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن.
قال: ولو أقامَ حَدَّ زِنًى أو قَذْفٍ على نَفْسِه بإذْنٍ، لم يسْقُطْ،
بخِلافِ قَطْعِ مَرِقَةٍ. ويأتِى إذا وجَب عليه حَدٌّ، هل يسقُطُ بإقامَتِه على نَفْسِه بإذْنِ الإِمامِ، أمْ لا؟ فى كتابِ الحُدودِ.
الثَّانيةُ، يجوزُ له أن يخْتِنَ نفْسَه إنْ قَوِىَ عليه وأحْسَنَه. نصَّ عليه؛ لأنَّه يسِير، وتقدَّم ذلك فى بابِ السِّواكِ. وليس له القَطْعُ فى السَّرِقَةِ لفَواتِ الرَّدْعِ.
وقال القاضى: على أنَّه لا يَمْتَنِعُ القَطْعُ بنَفْسِه،
وإنْ منَعْناه، فلأنَّه رُبَّما اضْطَرَبَتْ يَدُه فجَنَى على نفْسِه. ولم يَعْتَبِرِ القاضى على جَوازِه إِذْنًا. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ اعْتِبارُه. قال: وهو مُرادُ القاضى. وهل يقَعُ الموْقِعَ؟ يتوَجَّهُ على الوَجْهَيْن فى القَوَدِ. قال: ويتَوَجَّهُ احْتِمالُ تخْرِيجٍ فى حَدِّ زِنًى وقَذْفٍ وشُرْبٍ، كحدِّ سَرِقَةٍ، وبينَهما فَرْقٌ؛ لحُصولِ المَقصودِ فى القَطْعِ فى السَّرِقَةِ، وهو قَطْعُ العُضْوِ الواجِبِ قَطْعُه، وعدَمُ حُصولِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ بجَلْدِه نفْسَه. وقد يقالُ: بحُصولِ الرَّدْعَ والزَّجرِ بحُصولِ الألمَ والتَّأذى بذلك. انتهى.
فصل [في استيفاء القصاص في النفس] قال المصنف رحمه الله: (ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يفعل به كما فعل. فلو قطع يده ثم قتله فعل به ذلك، وإن قتله بحجر أو غرّقه أو غير ذلك فُعل به مثل فعلِهِ (١».
أما كون القصاص في النفس لا يستوفى إلا بالسيف في إحدى الروايتين؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا قَوَدَ إلا بالسَّيف» (٢). رواه ابن ماجة.
وأما كونه يُفعل به كما فَعل في الأخرى؛ فلأن الله تعالى قال:{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}،
وقال تعالى:{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَضَخَ رأسَ اليهودي لرضْخِه رأسَ الجارية».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«منْ حَرَّقَ حرَّقنَاهُ،
ومنْ غَرَّقَ غرَّقنَاه».
ولأن القصاص موضوع على المماثلة، ولفظه مشعر بها. فيجب أن يستوفى منه ما فعل؛ كما لو ضرب العنق آخر غيره.
فعلى هذه الرواية لو قطع يده ثم قتله قطعت يده ثم قتل وإن قتله بحجر قتل بحجر،
وإن غرقه غرق، وإن فعل به غير ذلك من أنواع القتل فُعل به ذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.