وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ
الشروح عليها
فصل: ويُقادُ به الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفانِ في القَوَدِ، ويُقَادُ هو بكلِّ واحدٍ منهما،
فأمَّا جِراحُه؛ فإن كانت دُونَ الثُّلُثِ، اسْتَوَى الذَّكرُ والأُنْثَى؛ لأَنَّ أدْنَى حالَيْه أن يكونَ امرأةً، وهى تُساوِى الذَّكرَ على ما بيَّنَّا، وفيما زادَ ثَلاثةُ أرباعَ جُرحِ ذَكَرٍ.
فصل: (ودِيَةُ الكِتابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ المسْلِمِ) إذا كان حُرًّا (ونِساؤُهم على النِّصْفِ من دِياتِهِم) هذا ظاهِر المذهبِ. وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ.
وعنه أنَّها ثُلُثُ. دِيَةِ المسلمِ، إلَّا أنَّه رجَع عنها، فرَوَى عنه صالِحٌ، أنَّه قال: كنتُ أقولُ: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنصْرانِىِّ أرْبَعةُ آلافٍ، وأنا اليومَ أذْهَبُ إلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحديثِ عثمانَ الذى يَرْوِيه الزُّهْرِىُّ عن سالم عن أَبِيه . وهذا صَرِيح في الرُّجُوعِ عنه. ورُوِىَ عن عمرَ، وعُثمانَ، أنَّ دِيَتَه أرْبَعةُ آلافِ دِرْهَم . وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاء، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، والشافعى، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛
لِما رَوَى عُبادَةُ بن الصَّامِت أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرانِىِّ، أرْبَعَةُ آلافٍ أرْبَعَةُ آلافٍ». ورُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جعَل دِيَةَ اليَهُودِى والنَّصْرانِىِّ أرْبَعَةَ آلافٍ، ودِيَةَ المَجُوسِىِّ ثمانمائةِ دِرْهَم.
وقال عَلْقَمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: دِيَتُه كدِيَةِ المُسلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعُثمانَ، وابنِ مسعودٍ، ومُعاوِيةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ : هو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ؛ لِما رَوَى عمرُو ابنُ شُعَيْب، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّه قال: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرَانِىِّ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ . ولأَنَّ اللَّه سبحانه ذكَر في كتابِه دِيَةَ المسلمِ، وِقال:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}.
وقال في الذِّمِّىِّ مثلَ ذلك، ولم يُفَرِّقْ، فدَلَّ على أنَّ دِيَتَهُما واحدة، ولأنَّه حُرٌّ ذَكَرٌ مَعْصُومٌ، فتَكْمُلُ دِيَتُه كالمُسْلِمِ. ولَنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْف دِيَةِ المُسْلِمِ». وفى لفظٍ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى أنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمينَ. روَه الإِمامُ أحمدُ . وفى لفظٍ:«دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ». قال الخَطَّابِىُّ : ليس في دِيَةِ أَهْلِ الكِتابِ شئٌ أبْيَنُ مِن هذا, ولا بَأْسَ بإسْنادِه، وقد قال به أحمدُ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
فأمَّا حَدِيثُ عُبادَةَ، فلم يذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ، والظاهرُ أنَّه ليس بصَحِيحٍ. وحديثُ عمرَ، إنَّما كان ذلك حينَ كانتِ الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافٍ، فأوْجَبَ فيه نِصْفَها أرْبعةَ آلافٍ، ودليلُ ذلك ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، قال: كانت قِيمَةُ الدِّيَةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثمانمائةِ دِينارٍ، أو ثمانيةَ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيَةُ أَهْلِ الكتابِ يَوْمَئذٍ النِّصْفُ . فهذا بَيانٌ وشَرْحٌ يُزِيلُ الإِشْكالَ، وفيه جَمْعٌ للأحادِيثِ، فيكونُ دَلِيلًا لنا،
ولو لم يَكُنْ كذلك، لَكانَ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُقَدَّمًا على قولِ عمرَ وغيرِه بغيرِ إشْكالٍ، فقدكان عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، إذا بَلَغَه عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُنَّةٌ، ترَك قولَه وعَمِلَ بها، فكيف يَسُوغُ لأحَدٍ أن يَحْتَجَّ بقَوْلِه في تَرْكِ قوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-!
وأمَّا ما احْتَجَّ به الآخَرُونَ،
فإنَّ الصَّحِيحَ من حديثِ عمرِو ابنِ شُعَيْبٍ ما رَوَيْناه، أخْرَجَه الأئِمَّةُ في كُتُبِهم دُونَ ما رَوَوْه،
وأمَّا [ما رَوَوْه مِن] قوْلِ الصَّحابةِ، فقد رُوِىَ عنهم خِلافُه، فيُحْمَلُ قولُهم في إيجابِ الدِّيَةِ كاملةً على سَبِيلِ التَّغْلِيظِ. قال أحمدُ: إنَّما غَلَّظَ عُثمان الدِّيَةَ عليه؛ لأنَّه كان عَمْدًا، فلمَّا ترَك القَوَدَ غَلَّظَ عليه.
وكذلك حديثُ مُعاوِيةَ ، ومثلُ هذا ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ انْتَحَر رَقِيقُ حاطبٍ ناقَةً لرَجُلٍ مُزَنِىٍّ، فقال عمرُ لحاطِبٍ: إنِّى أراكَ تُجِيعُهم، لأُغْرِمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك. فأَغْرَمَه مِثْلَىْ قِيمَتِها .
٤٢٠٨ -
فَصْلٌ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ] فَصْلٌ (وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ:«دِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْكِتَابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَعَنْهُ، ثُلُثُ صحيحٌ بلا نِزاعٍ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. جزَم به ناظِمُها فى كتابِ الفَرائضِ.
قلتُ: هذا بعيدٌ أَنْ يكونَ مِن مُفْرَداتِ المذهبِ، فيما يظْهَرُ.
وكذلك أَرْشُ جِراحِه. ودِيةُ الكِتابىِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ. [سواءٌ كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو مُعاهَدًا]. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى دِيَتِهِ.
«الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وعنه، ثُلُثُ دِيته. اخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ،
وقال: إنْ قَتَلَه عَمْدًا، فدِيَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْلِمِ. قلتُ: خالَفَ المذهبَ فى صُورَةٍ، ووافَقَه فى أُخْرَى. لكِنَّ أحمدَ رجَع عن هذه الروايةِ فى رِوايةِ أبى الحارِثِ.
وكذلك قال أبو بَكْرٍ: المَسْألة رِواية واحدةً، أنَّها على النِّصْفِ.
وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ،
تنبيه: قولُه: وكذلِك جِراحُهم ونِساؤُهم على النِّصْفِ مِن دِياتِهم. يعْنِى، وَدِيَةُ المَجُوسِىِّ وَالْوَثَنِىِّ ثَمَانُمِائةِ دِرْهَمٍ.
أنَّها مَبْنِيَّةٌ كل الخِلافِ الذى ذكَرَه فيهما.
فائدتان؛ إحْداهما، قولُه: ودِيَةُ المَجُوسِىِّ -الذِّمِّىُّ [والمُسْتَأْمِنُ منهم- ثمانُمائةِ دِرْهَمٍ. بلا نِزاعٍ.
وكذلك] الوَثَنِىُّ، [وكذا مَن ليسَ له كِتابٌ كالتُّرْكِ]،
ومَن عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ [كالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، ونحوِهم].
وكذلك المُعاهَدُ منهم والمُسْتَأْمِنُ بدارِنا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى المُعاهَدِ. قال فى «التَّرْغيبِ»، فى المُسْتَأْمِنِ: لو قتَل منهم مَنْ أمَّنُوه بدَارِهم.
وقال فى «المُغْنِى»: دِيَةُ المُعاهَدِ قَدْرُ دِيَةِ أَهْلِ دِينِه.
الثَّانيةُ، جِراحُهم تُقَدَّرُ بالنِّسْبَةِ إلى دِيَاتِهم.
وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلا ضمَانَ فِيهِ. وَعِنْدَ أبى الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ، فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلَ دِينهِ، وَإِلَّا فَلا شَىْءَ فِيهِ.
فصل [في دية الكتابي] قال المصنف رحمه الله: (ودية الكتابي نصف دية المسلم. وعنه: ثلث ديته. وكذلك جراحهم. ونساؤهم على النصف من دياتهم) .
أما كون دية الكتابي نصف دية المسلم على المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ المسلم».
وفي لفظ:«أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقلَ أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المسلمين». رواه الإمام أحمد.
وأما كونها ثلث ديته على روايةٍ؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ديةُ اليهودي والنصراني أربعةُ آلاف [أربعةُ آلاف]
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.