وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ الحَلِفِ) باللهِ، ولا الإِفْراطُ فيه؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ}. وهذا ذَمٌّ له يَقْتَضِي كَراهَةَ فِعْلِه.
فإن لم يخرُجْ إلى حَدِّ الإِكْثارِ، فليس بمَكْرُوهٍ، إلَّا أن يَقْتَرِنَ به ما يُوجِبُ كراهَتَه.
ومن الناسِ مَن قال: الأَيمانُ كُلُّها مَكْروهَةٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ}. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحْلِفُ كثيرًا، وقد كان يَحْلِفُ في الحديثِ الواحِدِ أيمانًا كثيرةً، ورُبَّما كرَّرَ اليمينَ الواحِدةَ ثلاثًا، فإنَّه
قال في خُطْبةِ الكُسوفِ: «وَاللهِ يا أُمَّةَ محمَّدٍ، مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أو تَزْنِيَ أَمتُهُ، يَا أَمَّةَ محمّدٍ، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيتُمْ كَثيرًا» . ولَقِيَتْه امرأةٌ من الأنْصارِ، معها أولادُها، فقال:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُم لأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ». ثَلاثَ مَرَّاتٍ . وقال:«وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا».
ولو كان هذا مكروهًا، لَكانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَبْعدَ الناسِ منه. ولأنَّ الحَلِفَ بالله تعالى تعظيمٌ له، وربَّما ضَمَّ إلى يَمِينِه وَصْفَ الله تعالى بتعظِيمِه وتَوْحِيدِه، فيكونُ مُثابًا على ذلك. فقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا حَلَفَ على شيءٍ، فقال: واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو، ما فَعَلْتُ كذا.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا إنَّه، قد كَذَبَ، وَلَكِنْ غفَرَ اللهُ له بتَوْحِيدِه» .
وأمَّا الإفْراطُ في الحَلِفِ، فإنَّه إنَّما كُرِهَ، لأنَّه لا يَكادُ يَخْلُو من الكَذِبِ. واللَّهُ أعلمُ.
وأمَّا قولُه تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ}. فمَعْناه لا تَجْعَلُوا أَيمَانَكُم باللهِ مانِعَةً لكم من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسِ، وهو أن يَحْلِفَ باللهِ أن لا يَفْعَلَ بِرًّا ولا تَقوَى ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، ثم يمْتنِعَ مِن فِعْلِه، لِيَبَرَّ في يَمِينِه، ولا يَحْنَثَ فيها، فنُهُوا عن المُضِيِّ فيها. قال أحمدُ، ولِيَبَرَّ حديثَ ابنِ عباسٍ بإسْنادِه، في قولِه تعالى:{وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ}: الرجلُ يَحْلِفُ أن لا يَصِلَ قَرابَتَه، وقد جَعَل اللهُ له مَخْرَجًا في التَّكْفير، فأمَرَه أن لا يَعْتَلَّ باللهِ، وَلْيُكَفِّرْ، ولْيَبَرَّ .
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَأَنْ يَسْتَلِجَّ أَحَدُكُمْ في يَمِينِه، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أنْ يُؤَدِّيَ الكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ» .
وإن كان النَّهْي عادَ إلى اليَمِينِ، فالمَنْهِيُّ عنه الحَلِفُ على تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسَ، لا على كلِّ يَمِينٍ، فلا حُجَّةَ فيها لهم إذًا.
٤٧٠١ -
(وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ) كَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ،
وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَصَرَّحَ بِهَا فِي الرِّعَايَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ} هَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الْإِكْثَارِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُكْثِرُ الْحَلِفَ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَلَفَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ،
وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ،
وَأَمَّا الْآيَةُ فَمَعْنَاهَا: لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَلَّا يَصِلَ قَرَابَتَهُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَيُبِرَّ،
وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَادَ إِلَى الْيَمِينِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ: الْحَلِفُ عَلَى قَوْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا عَلَى كُلِّ يَمِينٍ
ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ الحَلِفِ. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ. وقطَعُوا به. وقال في «الفُروعِ»: ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ حَلِفِه، فقيلَ: يُكْرَهُ. ونقَل حَنْبَلٌ، لا يُكْثِرُ الحَلِفَ؛ فإنَّه مَكْروهٌ. لكنْ يُشْتَرطُ فيه أنْ لا يبْلُغَ حدَّ الإِفْراطِ،
فإنْ بلَغ ذلك، كُرِهَ قَطْعًا.
وَإنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ وإذا دُعِيَ إلى الحَلِفِ عندَ الحاكمِ وهو مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ له افْتِداءُ يَمِينِه، يَمِينِهِ،
فَإِنْ حَلَفَ، فَلَا بَأْسَ.
فإنْ حلَف، فلا بَأْسَ. هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: فالأَوْلَى افْتِداءُ يمينِه. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافي»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُكْرَهُ حَلِفُه. ذكَرَه في «الفُروع». قال المُصَنَفُ، والشَّارِحُ: قال أصحابُنا: ترْكُه أَوْلَى. فيَكونُ مَكْروهًا. انتهى.
وقيل: يُباحُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونقَلَه حَنْبَلٌ، كعنْدِ غيرِ الحاكمِ. وأطْلَقهما شارِحُ «الوَجيزِ».
قال في «الفُروعِ»: ويتوَجَّهُ فيه، يُسْتَحَبُّ لمَصْلحَةٍ، كزِيادَةِ طُمَأْنِينَةٍ وتوْكيدِ الأمْرِ وغيرِه، ومنه قوْلُه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ لعُمَرَ عن صلاةِ العَصْرِ:«واللهِ مَا صَلَّيتُهَا». تَطييبًا منه لقَلْبِه.
وقال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللهُ، في «الهَدْي»، عن قِصَّةِ الحُدَيبِيَةِ: فيها جوازُ الحَلِفِ، [بل اسْتِحْبابُه، على الخَبَرِ الدِّينِيِّ الَّذي يريدُ تأْكِيدَه، وقد حُفِظ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحَلِفُ] في أكثرَ مِن ثَمانِين موْضِعًا، وأمَرَه اللهُ بالحَلِفِ على تَصْديقِ ما أخْبَرَ به في ثَلاثةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، في سُورَةِ
فصْلٌ: فإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ.
يُونُس ، وَسَبأ ، والتَّغابُن .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.