وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن كَرَّرَ أيمَانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، فعليه كَفَّارَة واحِدَةٌ. وعنه، لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ) إذا كَرَّرَ أيمانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، [كقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -]: «واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا»، فحَنِثَ، فليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ،
وكذلك إن حَلَف بأيمانٍ [كَفّارَتُها واحِدَةٌ]، كقَوْلِه: واللهِ، وعَهْدِ اللهِ، ومِيثَاقِه، وقُدْرَتِه، وكَلامِه، وكِبْرِيائِه. على شيءٍ واحدٍ. رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ. وبه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، وإسْحاقُ. ورُوِيَ أيضًا عن عَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وحَمَّادٍ، والأوْزاعِيِّ.
وقال أبو عُبَيدٍ، في مَن قال: عليَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه وكَفالتُه. ثم حَنِثَ: فعليه ثَلاثُ كفَّاراتٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: عليه لكلِّ يَمينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أن يَنْويَ التَّأكِيدَ أو التَّفْهِيمَ. ونحوُه عن الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وعن الشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين. وعن عمرِو بنِ دينارٍ، إن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ كقَوْلِنا،
وإن كان في مَجالِسَ كقَوْلِهم. واحْتَجُّوا بأنَّ أسْبابَ الكَفَّاراتِ تَكَرَّرَتْ، فتَكَرَّرُ الكَفَّاراتُ، كالقَتْلِ لآدَمِيٍّ، أو صَيدِ حَرَمِيٍّ . ولأنَّ اليَمِينَ الثانِيَةَ مثلُ الأُولَى، فتَقْتَضِي ما تَقْتَضِيه. ولَنا، أنَّه حِنْثٌ واحدٌ أوْجَبَ جِنْسًا واحدًا من الكَفَّاراتِ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن كَفَّارَةٍ، كما لو قَصَد التَّأْكِيدَ. قولُهم: إنَّها أسْبابٌ تَكَرَّرَتْ. مَمْنُوعٌ،
فإنَّ السَّبَبَ الحِنْثُ، وهو واحِدٌ،
وإن سَلَّمْنا، فيَنْتَقِضُ بما إذا كَرَّرَ الوَطْءَ في رمضانَ في أيَّامٍ، وبالحُدودِ إذا تَكَرَّرَتْ أسْبابُها،
ولا يَصِحُّ القياسُ على الصَّيدِ الحَرَمِيِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ بَدَلٌ، ولذلك تَزْدادُ بكِبَرِ الصَّيدِ، وتُقَدَّرُ بقَدْره، فهي كدِيَةِ القتلِ، ولا على كَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِي؛ لأنَّها أُجرِيَتْ مُجْرَى البَدَلِ أيضًا لحَقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لمّا أتْلَفَ آدَمِيًّا عابدًا للهِ تعالى، ناسَبَ أن يُوجِدَ عبدًا يَقُومُ مَقامَه في العِبادَةِ، فلمَّا عَجَز عن الإِيجادِ، لَزِمَه إعْتاقُ رَقَبَةٍ؛ لأنَّ العِتْقَ إيجاد للعَبْدِ بتَخْلِيصِه من رِقِّ العُبُودِيَّةِ وشُغْلِها، إلى فَراغِ البالِ للعِبادَةِ بالحُرِّيَّةِ التي حَصَلَت بالإِعْتاقِ، ثم الفَرْقُ ظاهِرٌ، لأنَّ السَّبَبَ ههُنا تَكَرَّرَ بكَمالِه وشُروطِه،
وفي مَحَل النِّزاعِ لم يُوجَدْ ذلك، لأنَّ الحِنْثَ
إمَّا أن يكونَ هو السَّبَبَ، أو جُزْءًا منه، أو شَرْطًا له، بدليلَ تَوَقُّفِ الحُكْمَ على وجُودِه، وأَيًّا ما كان، فلم يَتَكَرَّرْ، فلم يَجُزِ الإِلْحاقُ ،
وإن صَحَّ القِياسُ، فقِياسُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ على مِثْلِها أوْلَى من قِياسِها على القَتْلِ؛ لبُعْدِ ما بينَهما.
٤٧١٣ -
(وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَدٌّ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» . فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحُدُودِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومَن كَررَ أيمانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، فعليه كَفَارَةٌ واحِدَةٌ. يعْنِي، إذا كان مُوجبُها واحِدًا. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، منهم القاضي. وذكَر أبو بكْرٍ، أنَّ الإمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رجَع عن غيرِه.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: هذا الأشْهَرُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لكُل يمينٍ كفَّارَةٌ. كما لو اخْتلَفَ مُوجِبُها. ومَحَلُّ الخِلافِ، إذا لم وَالظَّاهِرُ أَنَّها إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
وَإِنْ يُكَفِّرْ. أمَّا إنْ كفَّر بحِنْثِه في أحَدِها، ثم حَنِثَ في غيرِها، فعليه كفَّارَةٌ ثانيةٌ بلا رَيبٍ.
قال: (ومن كرَّرَ أيماناً قبل التكفير فعليه كفارة واحدة. وعنه: لكل يمين كفارة. والظاهر أنها إن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة. وإن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة. وإن كانت الأيمان مختلفة الكفارة؛ كالظهار واليمين بالله تعالى فلكل يمين كفارتها) .
أما كون من كرر أيماناً قبل التكفير عليه كفارة واحدة على الأول؛ فلأن الكفارة حدود بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«الحدودُ كفاراتٌ لأهلِها». فوجب أن تتداخل؛ كالحدود.
وأما كونه عليه لكل يمين كفارة على روايةٍ؛ فلأن كل واحدةٍ منهن مثل الأولى.
وأما كون الظاهر أن الأيمان إن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة،
وإن كانت على أفعال فلكل يمين كفارة؛ فلأنها إذا كانت على فعل واحد متى حنث في إحداها حنث في غيرها فتكون بمنزلة يمين واحدة وعليه فيها كفارة واحدة فكذلك فيما هو بمنزلتها.
بخلاف الأيمان على أفعال فإنه لا يكون كذلك فيكون ذلك بمنزلة أيمان مختلفة وعليه فيها كفارات فكذلك فيما هو بمنزلتها.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن الخلاف المذكور لا يجري في تكرير الأيمان بعد التكفير. وهو صحيح؛ لأن اليمين الأولى كفرتها ثم حصلت اليمين بعدها. فوجب أن يرتب عليها كفارتها؛ كالأولى.
ولأن الحدود تتعدد بتعدد موجبها إذا استوفي الأول قبل فعل الثاني فكذلك هاهنا.
وأما كون الأيمان إذا كانت مختلفة وجب لكل فعل حده. فكذلك الأيمان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.