وَإِنْ قَالَ: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ وَالْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ثَلَاثًا كَالْأَشْهُرِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال: الأبدَ، والدَّهْرَ. فَذَلِكَ على الزَّمَانِ كلِّه) لأنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، تَقْتَضِي الدَّهْرَ كلَّه.
وكذلك الزمانُ، في الصَّحِيحِ، وقد ذَكَرْناه.
٤٧٥٥ - مسألة: (والحُقْبُ ثَمَانُونَ سنةً) وقال مالكٌ: أَرْبَعُونَ عَامًا ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: هو أدْنَى زَمانٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن أهْلِ اللُّغَةِ فيه تَقدِيرٌ. ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه
قال في تَفْسيرِ قولِه تعالى:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}: الحُقْبُ ثمانون سَنَةً . وما ذَكَرَه القاضي وأصحابُ الشافِعِيِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ قولَ ابنِ عباسٍ حُجَّةٌ، ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى حَمْلِ كلامِ اللهِ تعالى:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}. وقولِ موسى:{أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. إلى اللُّكْنَةِ؛ لأنَّه أخْرَجَ ذلك مَخْرَجَ التَّكْثيرِ،
فإذا صارَ مَعْنَى ذلك: لابِثِينَ فِيهَا ساعاتٍ أو لَحَظاتٍ، أو أمْضِيَ لَحَظاتٍ أو سَاعاتٍ، صارَ مُقْتَضَى ذلك التَّقْليلَ، وهو ضِدُّ مما أرادَ اللهُ تعالى بكلامِه، وضِدُّ المفْهُومِ منه، ولم يَذْكُرْه أحَدٌ من المُفَسِّرِين فيما نَعْلَمُ، فلا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُقْبِ به. ٤٧٥٦ - مسألة: (والشُّهُورُ اثْنا عَشَرَ عندَ القاضي. وعندَ أبي الخَطَّاب ثَلَاثةٌ، كالأَشْهُرِ)
أما الأَشْهُرُ، فهي ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ.
وأمَّا الشَّهورُ، فاخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّها ثلاثةٌ أيضًا؛ لذلك، ولأنَّ جَمْعَ الكَثْرَةِ يُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى القِلَّةِ، كقَوْلِه تعالى:{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}.
وقال القاضي وغيرُه: هي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا؛ لقولِ اللهِ تعالى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا}. ولأنَّ الشُّهورَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وأقَلُّه عَشَرَةٌ، فلا يُحْمَلُ على ما يُحْمَلُ عليه جَمْعُ القِلَّةِ.
٤٧٥٧ -
(فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ) ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ الزَّمَانِ كُلِّهِ. (وَالْحُقْبُ) ، بِضَمِّ الْحَاءِ: (ثَمَانُونَ سَنَةً) ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ،
وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ عَامًا، وَقِيلَ: لِلْأَبَدِ (وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} ، (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ جَمْعٌ (كَالْأَشْهُرِ) فَإِنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا،
وإنْ قال: الأَبَدَ، والدَّهْرَ -يعْنِي، مُعَرَّفًا بالأَلِفِ واللَّامِ- فذلك على الزَّمانِ كلِّه.
وكذا: العُمْرَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: إنَّ العُمْرَ كالحِينِ. وقيل: أرْبَعون سنَةً.
فائدة: الزَّمانُ كحِين. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ. وقدَّمه في «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين». واخْتارَ جماعةٌ أنَّه على الزَّمانِ كلِّه؛ منهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ في «مُحُرَّرِه». وحُكِيَ عن ابن أبي مُوسى أنَّه ثلاثةُ أشْهُرٍ.
وأمَّا الذي قاله في «الإِرْشادِ» فإنَّما هو فيما إذا حلَف لَا يكَلِّمُه زَمانًا، فإنَّه لا يكَلِّمُه ثلاثَةَ أشْهُرٍ. والحُقْبُ ثَمَانُون سَنةً. وجزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». وصحَّحه في «تَجْريدِ العِنايَةِ».
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»: وأمَّا الحُقْبُ فقيل: ثَمانُون سنَةً. واقْتَصرا عليه. وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين». وجزَم به الأدَمِيُّ في «مُنْتَخَبِه».
وقال القاضي: هو أدْنَى زَمانٍ. وقدَّم في «الفُروعِ» أنَّ حُقْبًا أقَلُّ زَمانٍ.
وقيل: الحُقْبُ أرْبَعُون سنَةً.
قال في «الرِّعايتَين»: قلتُ: ويَحْتَمِلُ أنَّه كالعُمْرِ.
وقيل: الحُقْبُ للأَبَدِ.
فائدة: لو قال: إلى الحَوْلِ. فحَوْلٌ كامِلٌ لا تَتِمَّتُه. أوْمَأ إليه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ. ذكَرَه في «الانْتِصارِ». وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ ثَلَاثةٌ، كَالْأَشْهُرِ. وَالْأيَّامُ ثَلَاثَةٌ. والشُّهُورُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا عندَ القاضِي. قال الشَّارِحُ: عندَ القاضي وغيرِه. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «تَجْريدِ العِنايَةِ». وعندَ أبي الخَطَّابِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ كـ «الأشْهُرِ»، و «الأيَّامِ». وهو المذهبُ. قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين».
قال: (والحُقب ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر عند القاضي، وعند أبي الخطاب: ثلاثة؛ كالأشهر والأيام ثلاثة.
وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث).
أما كون الحُقب بضم الحاء ثمانين سنة؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس.
وقال الجوهري في كتابه المسمى بالصحاح: الحُقْب بالضم ثمانون سنة.
وأما كون الشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي؛ فلأن الله تعالى قال:{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}.
وأما كونها ثلاثة كالأشهر عند أبي الخطاب؛ فلأن فعولاً تستعمل ويراد به أفعل، ومنه قوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وإذا استعمل في كل واحد منهما كان الأقل متيقناً والأكثر مشكوكاً فيه،
ومتى دار الأمر بين متيقن ومشكوك فيه كان حمل اللفظ على المتيقن متعيناً.
ولأن الأصل براءة ذمته. تُرك العمل به في الأقل؛ لتيقنه. فيبقى فيما عداه على مقتضى البراءة.
وأما كون الأيام ثلاثة؛ فلأنها أقل الجمع.
وأما كون من حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث؛ فلأنه فعل ما حلف على تركه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.