وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأكَلَ يسمَكًا، حَنِث عندَ الخِرَقِيِّ، ولم يَحْنَثْ عندَ ابنِ أبي مُوسَى) إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، ولم يُرِدْ لحمًا بعَينِه، فأكَلَ من لَحْم الأنْعامِ أو الصَّيدِ أو الطَّيرِ، حَنِثَ، في قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ.
وأمَّا السَّمَكُ، فظاهِرُ المذْهَبِ أنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِه. وبهذا قال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ.
وقال ابنُ أبي موسى في «الإِرْشَادِ»: لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَه. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، [وأبي ثورٍ]؛ لأنَّه لا يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْمِ،
ولو وَكَّلَ وَكِيلًا في شِراءِ اللَّحْمِ، فاشْتَرَى له سَمَكًا، لم يَلْزَمْه،
ويَصِحُّ أن يَنْفِيَ عنه الاسْمَ، فيقولَ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، إنَّما أكَلْتُ سَمَكًا. فلم يَتَعَلَّقْ به الحِنْثُ عندَ الإِطْلاقِ، كما لو حَلَفَ: لاقَعَدْتُ تحتَ سَقْفٍ. فإنَّه لا يَحْنَثُ بقُعُودِه تحتَ السَّماءِ, وقد سمَّاها اللهُ تعالى سَقْفًا مَحْفُوظًا؛ لأنَّه مَجازٌ، كذا ههُنا. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا}. ولأنَّه من جِسْمِ حَيوانٍ، ويُسَمَّى لحْمًا، فَحَنِثَ بأكْلِه، كلَحْمِ الطَّيرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلَحْمِ الطَّائِرِ.
وأمَّا السَّماءُ، فإنَّ الحالِفَ لا يَقْعُدُ تحتَ سَقْفٍ لا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن القُعُودِ تحتَها، فيُعْلَمُ أنَّه لم يُرِدْها بيَمِينِه، ولأنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وههُنا حَقِيقَةٌ؛ لكَوْنِه من جِسْمِ حَيوانٍ يَصْلُحُ للأكْلِ، فكان الاسمُ فيه حَقِيقَةً، كلَحْمِ الطَّيرِ، حيثُ قال اللهُ تعالى:{وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}. ٤٧٦٦ -
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} ، وَلِأَنَّهُ جِسْمُ حَيَوَانٍ يُسَمَّى لَحْمًا، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ كَلَحْمِ الطَّيْرِ، وَتَقْدِيمًا لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى) إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ،
وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَى لَهُ سَمَكًا لَمْ يَلْزَمْهُ،
وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ، فَيُقَالُ مَا أَكَلْتُ لَحْمًا، وَإِنَّمَا أَكَلْتُ سَمَكًا، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قَعَدْتُ تَحْتَ سَقْفٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِقُعُودِهِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَقْفًا مَحْفُوظًا، لِأَنَّهُ مَجَازٌ، كَذَا هُنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ وَالسَّقْفِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالسَّمَاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ، وَهُنَا حَقِيقَةٌ لِكَوْنِهِ مِنْ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً كَلَحْمِ الطَّيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} ،
وإِنْ حلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ. وهو المذهبُ؛ تقْدِيمًا للشَّرْعِ واللُّغَةِ.
قال في «المُذْهَبِ»: حَنِثَ في ظاهرِ المذهبِ. قال المُصَنِّفُ: هذا ظاهرُ المذهبِ.
قال في «الخُلاصةِ»: حَنِثَ في الأصحِّ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ. وهو اخْتِيارُ الْخِرَقِيُّ، والقاضي وعامَّةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصحابِه. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي» , و «الشَّرْحِ»، ونَصَرَاه. وقدَّمه في «الفُروعِ». ولَم يَحْنَثْ عندَ ابنِ أبي مُوسى، إلَّا أنْ يَنْويَ. قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّه الظَّاهِرُ.
قال في «القَواعِدِ»: ولعلَّه ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وأَطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ».
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطُّيُورِ وَالسَّمَكِ، وَبَيضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي. وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ، لَا يَحْنَثُ إلا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَال الْحَيَاةِ.
قال: (وإن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي، ولم يحنث عند ابن أبي موسى) .
أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند الخرقي؛ فلأن الله تعالى قال:{وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً}،
وقال عز وجل:{ومِن كُلٍّ تأكلونَ لحمًا طريًا}.
ولأن السمك لحم حيوان.
وأما كونه لا يحنث عند ابن أبي موسى؛ فلأن السمك لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم بدليل: ما لو وكل رجلاً في شراء لحم فاشترى له سمكاً لم يلزمه.
ولأنه يصح أن يُنفى عنه فيقال: ما أكل لحماً وإنما أكل سمكاً. وتسمية ذلك باللحم لا يوجب الحنث. بدليل: أن الله عز وجل سمى السماء سقفاً محفوظاً .
ولو حلف حالف: لا قعدت تحت سقف ففعل تحت السماء لم يحنث.
والأول ظاهر المذهب. قاله المصنف رحمه الله في المغني.
والفرق بين مسألة اللحم وبين مسألة السقف: أن الظاهر أن من حلف لا يقعد تحت سقف قصد بيمينه تحت سقف يمكنه التحرز منه، والسماء ليست كذلك فلا تدخل في يمينه.
بخلاف الحالف بأنه لا يأكل لحماً؛ لعدم المعنى المذكور في يمينه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.