وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها للمُدَّعِى، في ظَاهِرِ المذهبِ. وعنه، إن شَهدَتْ بَيِّنةُ المُدَّعَى عليه أنَّها له، نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أو قَطِيعَةٌ مِن الإمَام، قُدِّمَتْ بَينتُه، وإلَاّ فهي للمُدَّعِى بِبَيِّنتِهِ. وقَالَ القَاضِى فيهما: إذا لم يكُنْ مع بَيِّنَةِ الدَّاخل تَرْجِيحٌ، لم يُحْكَم بها، رِوايَةً واحدَةً. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايَة أخرَى، أنَّها مُقَدِّمَة بكلِّ حالٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ادَّعى عَيْنًا في يَدِ غيرِه، فأنْكَرَه، وأقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنَةً، [حُكِمَ بها] للمُدَّعِى ببَينتِه، وتُسَمَّى بَيِّنةَ الخَارِجِ، وبَينةُ المُدَّعَى عليه تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وقد اخْتلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، رَحِمه الله، فيما إذا تَعارَضَتا، فالمشْهُورُ عنه تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ المُدَّعِى، ولا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه بحالٍ.
وهذا اختِيارُ الخِرَقِىِّ. وهو قولُ إسحاقَ.
وعنه، رِوَايَةٌ ثانِيَةٌ, إن شَهِدَت بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بسَبَبِ المِلْكِ، فقالت: نُتِجَتْ في مِلْكِه. أو: اشتَرَاها. أو: نَسَجَها. أو كانت بَيِّنَتُه أقْدَمَ تارِيخًا، قُدِّمَتْ، وإلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنةُ المُدَّعِىِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي ثَوْرٍ، في النِّتاجِ والنِّساجِ، فيما لا يتَكَرَّرُ نسْجُه،
وأمَّا ما يتَكَرَّرُ نَسْجُه، كالخَزِّ والصوفِ، فلا تُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالسَّبَب، فقد أفادَت ما لا تُفِيدُه اليَدُ، وقد رَوَى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَصَمَ إليه رَجُلان في دَابَّةٍ أو بَعيرٍ، فأقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما البَيِّنةَ [أنَّها له]، أنْتَجَها، فقَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للذي هى في يَدِه .
وذكرَ أبو الخَطَّابِ رِوايَةً ثالثةً، أنَّ بَيِّنةَ المُدَّعَى عليه تُقَدَّمُ بكُلِّ حالٍ.
وهو قولُ شُرَيْح، والشَّعْبِى، والحَكَمِ، والشافعىِّ، وأبي عُبَيْدٍ،
وقال: هو قولُ أهْلِ المدينةِ، وأهْلِ الشَّامِ. ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
وأنْكَرَ القاضى كَوْنَ هذا رِوايةً عن أحمدَ،
وقال: لا تُقَدَّمُ بَمنةُ الدَّاخِلِ إذا لم تُفِدْ إلَّا ما أفادَتْه يدُه، رِوَايةً واحدةً. واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى تقْدِيم بَيِّنةِ المُدَّعَى عليه بأنَّ جَنَبَتَهُ أقْوَى؛ لأنَّ الأصْلَ معه، ويَمينُه تُقَدَّمُ على يَمِينِ المُدَّعِى،
فإذا تَعارَضَتِ البَيِّنَتانِ، وَجَب إبْقاءُ يَدِه على ما فيها، وتَقْدِيمُه، كما لو لم تكُنْ بَيِّنَة لواحِدٍ منهما، وحديثُ جابرٍ يدُلُّ على هذا، فإنَّه إنَّما قَدَّمَ بَيِّنتَه ليَدِه. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». فجعَلَ جنْسَ البَيِّنةِ في جَنَبَة المُدَّعِى، فلا يَبْقَى في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه بَيِّنَةٌ، ولأنَّ بَيِّنَةَ المُدَّعِى أكْثَرُ
فائِدَةً، فوَجَب تَقْدِيمُها، كتقْدِيمِ بَيِّنَةِ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ. ودليلُ كثْرَةِ فائِدَتِها، أنَّها تُثْبِتُ شيئًا لم يكُنْ، وبيِّنةُ المُنْكِرِ إنَّما تُثْبتُ ظاهرًا تدُلُّ اليدُ عليه، فلم تكُنْ مُفِيدَةً، ولأنَّ الشَّهادةَ بالملْكِ يجُوزُ أنْ يَكونَ مُسْتَنَدُها رُؤيَةَ اليَدِ والتَّصَرُّفَ،
فإنَّ ذلك جائِز عندَ كَثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ، فصارَتِ البَينّةَ بمنْزِلَةِ اليَدِ المُفْرَدَةِ، فتُقَدَّمُ عليها بَيِّنَةُ المُدَّعِى، كما تُقَدَّمُ اليَدُ، كما أنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لمّا كانا مَبْنِيَّين على شاهِدَىِ الأصلِ، لم تَكُنْ لهما مَزِيَّة عليهما.
فصل: وأىُّ البَينتَينِ قدَّمْنَاها, لم يَحلِفْ صاحِبُها.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يُستَحلفُ صَاحِبُ اليَدِ؛ لأنَّ البَيِّنَتَيْن سَقَطَا بتَعارُضِهِما، فصَارَتَا كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما، فيَحْلِفُ الدَّاخِلُ كما لو لم تكُن لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ.
ولَنا، أنَّ إحْدَى البَيِّنَتَيْن راجِحةٌ، فيَجبُ الحُكْمُ بها مُنْفرِدَةً، كما لو تَعارَضَ خَبَران، خَاصٌّ وعامٌّ، أو أحَدُهما أرجَحُ بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ البَيِّنَةَ الرّاجِحَةَ تَسْقُطُ، وإنَّما ترْجُحُ، ويُعْمَلُ بها، وتَسْقُطُ المَرْجُوحَةُ.
٤٩٧٨ -
(وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) وَهِيَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، أُقِيمَتْ بَيِّنَةُ مُنْكِرٍ بَعْدَ زَوَالِ يَدِهِ أَوْ لَا، (حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْبَيِّنَةَ فِي جَنَبَةِ المدعي بِقَوْلِهِ:«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَلَا يَبْقَى فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ
فَائِدَةً؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا كَبَيِّنَةِ الْجُرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا دَلَّتِ الْيَدُ عَلَيْهِ فَلَمْ تُفِدْ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ بَيِّنَةِ الْمُنْكِرِ رُؤْيَةَ التَّصَرُّفِ، وَمُشَاهَدَةُ الْيَدِ أَشْبَهَتِ الْيَدَ الْمُفْرَدَةَ. وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ مُطْلَقًا، اخْتَاره أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَعَارَضَتَا وَمَعَ صَاحِبِ الْيَدِ تَرْجِيحٌ بِهَا، فَقُدِّمَتْ كَالنَّصَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا وَمَعَ أَحَدِهِمَا الْقِيَاسُ
وإنْ كان لكلِّ واحِدٍ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها للْمُدعى، في ظَاهِرِ الْمذهَبِ. يعْنِي تُقدَّمُ بَيِّنَةُ الخارِجِ؛ وهو المُدَّعِى. وهو المذهبُ كما قال. وعليه جماهيرُ في مِلْكِهِ، أوْ قَطِيعَة مِنَ الإمَامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وإلَّا فَهِىَ لِلْمُدَّعِى بِبَينتِهِ.
وقَالَ الْقَاضِى فِيهِمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أبُو الخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أخْرَى، أنَهَا مُقَدَّمَة بِكُلِّ حَالٍ.
الأصحابِ، وسَواءٌ كانَ بعدَ زَوال يَدِه أو لا. قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: البَيِّنَةُ للمُدَّعِى، ليس لصاحِبِ الدَّارِ بَيِّنَة. قال فى «الانْتِصارِ»: كما لا تُسْمَع بَيِّنَةُ منكِرٍ أوَّلا. قال الشارحُ: هذا المَشْهورُ. قال الزرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِن الرِّواياتِ،
والمُختارُ للأَصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ» وغيرِه. وقال هو وغيرُه: هذا المذهبُ. وهو مِن المُفْرَداتِ.
وعنه، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه أنَّها له، نُتِجَتْ في مِلْكِه، أو قَطِيعَةٌ مِنَ الإمامِ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُه، وإلَّا فهي للمُدَّعِى ببَينتِه. قال القاضى فيهما: إذا لم يَكُنْ مع بَيِّنةِ الدَّاخِلِ ترْجِيحٌ، لم يُحْكَمْ بها، رِوايَةً واحِدَةً.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايَةٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخرَى، أنَّها مُقَدَّمَة بكُلِّ حالٍ. يعْنِي، تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الدَّاخِلِ بكُل حالٍ. واخْتارَها أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ.
وعنه، يُحْكَمُ بها للمُدَّعِى إنِ اخْتَصَّتْ بَيِّنتُه بسَبَبٍ أو سَبْقٍ. فعلى هذه الرِّوايةِ والرِّوايةِ الثَّانيةِ، يَكفِى سَبَبٌ مُطْلَقٌ، على الصَّحيحِ. قدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، تُعْتَبَرُ إفادَتُه للسَّبْقِ. وأطلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». ويأْتِى نقْلُه في «الوَسِيلَةِ».
فائدة: لو أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً أنَها نُتِجَتْ في مِلْكِه، تَعارَضَتَا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». وقدَّم في «الإرْشادِ»، أنَّ بَيِّنَةَ فَإِنْ أقامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقَالَ القَاضِى: تُقَدُّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَينّةَ الْخَارِجِ.
المُدَّعِى تُقَدَّمُ.
قال: (وإن كان لكل واحدٍ منهما بينة حُكم بها للمدعي في ظاهر المذهب. وعنه: إن شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الإمام قدمت بينته، وإلا فهي للمدعي ببينته. قال القاضي فيهما: إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يُحكم بها رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال) .
أما كون العين يحكم بها للمدعي في ظاهر المذهب إذا كان لكل واحدٍ من المتنازعين بينة وكانت العين في يد أحدهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه». جعل النبي صلى الله عليه وسلم جنس البينات في جنبة المدعي فلا تبقى في جنبة المنكر بينة.
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها. ودليل كثرة فائدتها أنها تُثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تُثبت ظاهراً دلت اليدُ عليه.
وأما كون المدعى عليه تقدم بينته إذا شهدت بالسبب من نتاج أو غيره كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن البينة إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد، وقد روى جابر بن عبدالله «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابةٍ أو بعير فأقام كل واحدٍ منهما البينة أنها له أنتجها. فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها للذي في يده».
وأما كون بينة الداخل لا يُحكم بها رواية واحدة إذا لم يكن معها ترجيح على قول القاضي؛ فلأن بينة الخارج أقوى منها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستندها اليد.
بخلاف بينة الداخل.
وأما كون بينة الداخل مقدمة بكل حال في روايةٍ قالها أبو الخطاب؛ فلأن جنبته أقوى من جنبة الخارج. بدليل: أن يمينه تُقدم على يمينه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.