ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ
الشروح عليها
مسألة: (وصاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المَسْجِدِ أحَقُّ بالإِمامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ) متى أُقِيمَتِ الجَماعَةُ في بَيْتٍ، فصاحِبُه أوْلَى بالإِمامَةِ مِن غيرِه، إذا كان مِمَّن تَصِحُّ إمامَتُه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بإِذْنِهِ». رَواه مسلمٌ . وعن مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ زارَ قَوْمًا فلَا يَؤُمَّهُمْ وليَؤُمَّهُمْ رجُلٌ مِنهُمْ».
رَواه أبو داوُدَ . وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإنْ كان في البَيْتِ ذُو سُلْطَانٍ قُدِّمَ على صاحِبِ البَيْتِ؛ لأنَّ وِلايتَه على البَيْتِ وصاحِبِه، [وقَد أمَّ] النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عِتْبانَ بنَ مالكٍ وأنَسًا في بُيُوتِهِما . اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: صاحِبُ البَيْتِ أحَقُّ بالإمامَةِ؛ لعُمُومِ الحَدِيثِ. والأوَّلُ أَصَحُّ.
وكذلك إمامُ المَسْجِدِ الرّاتِبِ أوْلَى مِن غيرِه؛ لأنَّه في مَعْنَى صاحِبِ البَيْتِ، إلَّا أن يَكُونَ بَعْضُهم ذا سُلْطانٍ، ففيه وَجْهان. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه أتَى أرْضًا له، وعندَها مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلًى له، فصَلَّى ابنُ عُمَرَ معَهم، فسَألُوه أن يَؤُمَّهم، فأبَى،
وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ .
فصل: وإذا أذِنَ المُسْتَحِقُّ مِن هؤلاء لرَجُلٍ في الإِمامَةِ، جاز، صار بمَنْزِلَةِ مَن أُذِن له في اسْتِحْقاقِ التَّقَدِيمِ ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إلَّا بإِذْنِهِ». ولأنَّه حَقٌّ له، فجازَ نَقْلُه إلى مَن شاء. قال أحمدُ: قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ في سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ». أرْجُو أن يَكُونَ الإِذْنُ في الكُلِّ.
فصل: وإذا دَخَل السُّلْطانُ بَلَدًا له فيه خَلِيفَةٌ، فهو أَحَقُّ مِن خَلِيفَتِه؛ لأنَّ وِلايَتَه على خَلِيفَتِه وغيرِه.
وكذلك لو اجْتَمَعَ العَبْدُ وسَيِّدُه في بَيْتِ العَبْدِ، فالسَّيِّدُ أوْلَى؛ لأنَّه يَمْلِكُ البَيْتَ والعَبْدَ على الحَقِيقةِ، ووِلايتُه على العَبْدِ،
فإن لم يَكُنْ سَيِّدُه معهم فالعَبْدُ أَوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وقد رُوِي أنَّه اجْتَمَعَ ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، في بَيْتِ أبي سعيدٍ موْلَي أبي أسِيدٍ وهو عَبْدٌ، فتَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ ليُصَلِّي بهم، فقالُوا له: وَراءَكَ. فالْتَفَتَ إلى أَصْحابِه، فقال: أكذلك؟ قالُوا: نعم. فتَأخَّرَ، وقَدَّمُوا أَبا سعيدٍ، فصَلَّى بهم . رَواه صالِحُ بنُ أحمدَ، بإسْنادِهِ .
وإنِ اجْتَمَعَ المُؤْجِرُ والمُسْتَأْجِرُ، فالمُسْتَأْجِرُ أوْلَى، ولأنَّه أحَقُّ بالسُّكْنَى والمَنْفَعَةِ. ٥٥١ - مسألة: (والحُرُّ أَوْلَى مِن العَبْدِ، والحاضِرُ أَوْلَى مِن المُسافِرِ, والبَصِيرُ أَوْلَى مِن الأعْمَي، في أحَدِ الوَجْهَيْن) إمامَةُ العَبْدِ صحِيحَةٌ؛ لِما رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّ غُلامًا لها كان يَؤُمُّها . وصَلَّى ابنُ مسعودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ، وَراءَ أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أَسِيدٍ وهو عَبْدٌ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والثوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
وكَرِه ذلك أبو مِجْلَزٍ. وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم إلَّا أن يَكُونَ قارِئًا وهم أُمِّيُّون. ولَنا، عُمُومُ قَوْله عليه السلامُ:«يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى». ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه مِن أهْلِ الأذانِ للرِّجالِ يَأْتِي بالصلاةِ على الكَمالِ، فجازَ له إمامَتُهم، كالحُرِّ. إذا ثَبَت ذلك فالحُرُّ أوْلَى منه؛ لأنَّه أكْمَلُ منه وأشْرَفُ، ويُصَلِّي الجُمُعَةَ والعِيدَ إمامًا،
بخِلافِ العَبْدِ، ولأنَّ في تَقْدِيمِ الحُرِّ خُرُوجًا مِن الخِلافِ. والمُقِيمُ أوْلَى مِن المُسافِرِ؛ لأنَّه إذا كان إمامًا حَصَلَتْ له الصلاةُ كلُّها جَماعَةً،
فإن أمَّه المُسافِرُ أتَمَّ الصلاةَ مُنْفَرِدًا.
وقال القاضي: إن كان فيهم إمامًا فهو أحَقُّ بالإِمامَةِ وإن كان مُسافِرًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بهم عامَ الفَتْحِ، ويَقُولُ لأهْلِ البَلَدِ:«صَلوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ». رَواه أبو داودَ .
وإن تَقَدَّمَ المُسافِرُ جاز، ويُتِمُّ المُقِيمُ الصلاةَ بعدَ سَلام إمامِه، كالمَسْبُوقِ،
وإن أتَمَّ المُسافِرُ الصلاةَ جازَتْ صَلاُتهُم. وحُكِيَ عنه رِوايَةٌ في صلاةِ المُقِيمِ، أنَّها لا تجُوزُ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلً أمَّ بها مُفْتَرِضِين.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا نَوَى الإِتْمامَ لَزِمَه، فيَصِيرُ الجَمِيعُ فَرْضًا.
فصل: وإمامَةُ الأعْمَى جائِزَةٌ، لا يُعْلَمُ فيها خِلافًا، إلَّا ما حُكِيَ عن أنَسٍ, أنَّه قال: ما حاجَتُهم إليه. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: كَيّفَ أؤُمُّهم وهم يَعْدِلُونَنِي إلى القِبْلَةِ .
والصحِيحُ عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان يَؤُمُّهم وهو أعْمَى، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ، وقَتادَةَ، وجابِرٍ.
وقال أنَسٌ: إنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اسْتَخْلَفَ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، أمَّ النّاسَ وهو أعْمَى. رواه أبو داودَ . ولأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ فَقْدَ الشَّمِّ. والبَصِيرُ أوْلَى منه. اخْتارَه أبو الخَطّابِ، ولأنَّه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بعِلْمِه، ويَتَوَقَّى النَّجاساتِ ببَصَرِه، ولأنَّ في إمامَتِه اخْتِلافًا.
(ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، ثُمَّ اخْتِيَارُ الْجَمَاعَةِ فِي رِوَايَةٍ،
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "،
فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْجَمَاعَةُ عُمِلَ بِالْأَكْثَرِ،
فَإِنِ اسْتَوَوْا، قِيلَ: يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ السُّلْطَانُ الْأَوْلَى،
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ،
وَقِيلَ: وَالْخِلْقَةُ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَزَادَ: بِحُسْنِ اللِّبَاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. (وَصَاحِبُ الْبَيْتِ) بِشَرْطِهِ (وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) مِنَ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى،
وَقَالَ: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِئَاتًا، وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى،
وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُمَا لِلْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَوْلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ فِي بَيْتِ الْعَبْدِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ صَالِحٌ، وَلِعُمُومِ وِلَايَتِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ) فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمَّ عُتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا» ، وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً،
وَكَذَا الْوَالِي مِنْ قِبَلِهِ، زَادَ فِي " الْكَافِي ": وَنَائِبُهُمَا، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلِيفَتِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ» ، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ خَاصَّةٌ، وَإِمَامَةُ السُّلْطَانِ عَامَّةٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَصَرَّفُ السُّلْطَانُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ، كَالْوَكِيلِ،
بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَافْتَرَقَا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: صَاحِبُ الْبَيْتِ وَحْدَهُ أَحَقُّ بِهَا؛ وَهُوَ أَوْلَى.
فَرْعٌ: مُعِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى فِي الْأَصَحِّ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَمُؤَجِّرٍ،
وَفِي " الْوَجِيزِ ": وَسَاكِنُ الْبَيْتِ أَحَقُّ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ، وَأَشْرَفُ، وَيَصْلُحُ إِمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ،
وَلَوْ تَبَعَّضَ، وَعَنْهُ: الْعَبْدُ أَوْلَى إِنْ كَانَ أَفْضَلَ أَوْ أَدْيَنَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ إِمَامَتِهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامٌ لَهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَلِعُمُومِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو ذَرٍّ وَرَاءَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ، رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَانِ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْحُرِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
ثم مَن تَقَعُ له القُرْعَة. يعْنِي، بعدَ الأتْقَى. وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن، وهو المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبَوكِ الذَّهَب»، و «الخُلاصَةِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِي الكبيرِ»، و «تجْريدِ العِنايَةِ»، و «الإفاداتِ»، و «المُنْتَخَبِ». واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، و «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ».
وعنه، يُقَدَّمُ مَنِ اخْتاره الجماعَة على القُرْعَةِ. قدَّمه «ابنِ تَميمٍ»، و «الفائقِ». وجزَم به في «المُبْهجِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الإيضاحِ»، و «النَّظْمِ». قال في «المُغْنِي»،
و «الشَّرْحِ»: فإنِ اسْتَوَوْا في التَّقْوى، أُقْرِعَ بينَهم. نصَّ عليه.
فإنْ كان أحَدُهما يقومُ بعِمارَةِ المسْجدِ وتَعاهُدِه، فهو أحَقُّ به.
وكذلك إنْ رَضِيَ الجِيرانُ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ.
قال الزَّرْكشِيُّ: فإنِ اسْتَوَوْا في التَّقْوَى والوَرعِ، قُدِّمَ أعْمَرُهم للمَسْجدِ، وما رَضِيَ به الجِيرانُ أو أكثرُهم.
فإنِ اسْتَوَوْا في القُرْعَةِ، قال في «مَجْمَعِ البَحْريْن»: ثم بعدَ الأتْقَى مَن يخْتارُه الجِيرانُ أو أكَثَرُهم، لمَعْنًى مقْصودٍ شرْعًا، ككَوْنِه أعْمَرَ للمَسْجدِ، أو أنْفَعَ لجيرانِه ونحوِه ممَّا يعودُ بصَلاحِ المَسْجدِ وأهْلِه، ثم القُرْعَةُ. انتهى. وأطْلقَهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاوِي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ». فعلَى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، لو اخْتَلفُوا في اخْتِيارِهم، عُمِلَ باخْتِيار الأكْثَرِ،
فإنِ اسْتَوَوْا، فقيلَ: يُقْرَعُ. قلتُ: وهو أوْلَى.
وقيل: يخْتارُ السُّلْطانُ الأَوْلَى. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». فعلى القوْلِ باختِيارِ السُّلْطانِ، لا يتَجاوَزُ المُخْتَلَفَ فيهما. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: للسُّلْطانِ أنْ يخْتارَ غيرَهما. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ». وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «الفُروعِ».
تنبيه: قوْلِي في الرِّوايَةِ الثَّانيةِ: مَنِ اخْتاره الجماعَةُ. هكذا
قال في «الفُروعِ»، و «مُخْتَصَرِ ابن تَميمٍ» وغيرِهما.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: من رَضِيَه وأَرادَه المُصَلُّون.
وقيل: الجماعَةُ. وقيل: الجِيرانُ. وقيل: أكْثَرُهم.
تنبيه: ظاهِرُ كلام المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّ القُرْعَةَ بعدَ الأتْقَى والأوْرَعِ، أو مَن تخْتارُه الجماعةُ، على الرِّوايَةِ الأُخْرَى. وهو صحيحٌ.
وقيل: يُقَدَّمُ بحُسْنِ خُلُقِه. جزَم به في «الرِّعايَةِ» في مَوْضعٍ.
وكذلك ابنُ تَميمٍ. وقيل، يُقَدَّمُ أَيضًا بحُسْن الخِلْقَةِ. وأطْلَقَهُما ابنُ تَميمٍ. وَصَاحِبُ الْبَيْتِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ.
فائدة: تحْرير الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ في الأَوْلَى بالتَّقْديمِ في الِإمامَةِ فالأَوْلَى؛ الأَقْرَأَ جوْدَةً، العارِفُ فِقْهَ صلَاته، ثمَّ القارِئُ كذلك، ثم الأفْقَهُ، ثم الأسَنُّ، ثم الأشْرَف، ثم الأقْدَمُ هِجْرَة، والأسْبَقُ بالإِسْلامِ، ثم الأتْقَى والأوْرَعُ، ثم مَن يختارُه الجِيرانُ، ثم القُرْعَة. واعلمْ أنَّ الخِلافَ إنَّمَا هو في الأَوْلَوِيَّةِ، لا في اشْتِراطِ ذلك ووُجوبِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه الأكثرُ، وقطَعوا به، ونصَّ عليه، ولكنْ يُكْرَهُ تقْديمُ غيرِ الأوْلَى. ويأْتِي بأَتَمَّ مِن هذا قرِيبًا. وصاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المسْجدِ أحَقُّ بالإِمامَةِ.
يعْنِي، أنَّهما أحَقُّ بالإِمامَةِ مِن غيرِهما ممَّن تقَدَّم ذِكْرُه، إذا كان ممَّن تصِحُّ إمامَتُه قالَه في «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الزَّرْكَشِيِّ» وغيرِهما.
قال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: إنْ صَلُحَا للإِمامَةِ بهم مُطْلَقًا،
وإنْ كان أفْضَلُ منهما. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهمْ.
وقال ابنُ عَقِيل: هما أحَقُّ مِن غيرِهما مع التَّساوِي. ووَجَّه في «الفُروعِ» أنَّه يُسْتَحبُّ لهما أنْ يُقَدِّما أفْضَلَ منهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: لهما تقْديمُ غيرِهما، ولا يُكْرَهُ. نصَّ عليه.
وعنه، يُكْرَهُ تقْديمُ أبَوَيْهِما مُطْلَقًا، فغْيرُهما أوْلَى أنْ يُكْرهُ.
وكذا الخِلافُ في إذْنِ مَنِ اسْتَحَقَّ التَّقْديمَ غيرِهما. ويأْتِي قرِيبًا بأعَمَّ مِن هذا.
فائدة: المُعِيرُ والمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بالإِمامَةِ مِنَ المُسْتَعيرِ والمُؤجِّرِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: عكْسُه. وقدَّم في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، أنَّ المُسْتَعِيرَ أوْلَى مِنَ المالِكِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: قلتُ: ويُخَرَّجُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن المُسْتَعِيرَ أوْلَى، إنْ قُلْنا: العارِيَّة هِبَةُ مَنْفَعَةٍ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ في المُؤَجِّرِ والمُسْتَأْجِرِ. إلَّا أنْ يَكُونَ بعضُهم ذا سُلْطانٍ يعْنِي، فيكونُ أحَقَّ بالإِمامَةِ مِن صاحِبِ البَيْتِ،
ومِن إمام المسْجدِ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، والْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ، وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وعليه الجمهورُ. نصَّ عليه. وقيل: هما أحَقُّ منه. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ في صاحبِ البَيْتِ. وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، في صاحِبِ البَيْتِ والسُّلْطانِ.
فائدة: لو كان البَيْتُ لعَبْدٍ، فسَيِّدُه أحَقُّ منه بالإِمامَةِ. قالَه في «الكافِي» وغيرِه. وهو واضِحٌ، لأنَّ السيِّدَ صاحِبُ البَيْتِ،
ولو كان البَيْتُ للمُكاتَبِ، كان أوْلَى. قالَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: يُقدَّمان في بَيْتِهما على غيرِ سَيِّدِهما. والحُرُّ أَوْلَى مِنَ العَبْدِ ومِنَ المُكاتَب،
ومَن بعضُه حُرٍّ. وهو المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، لا يُقَدَّمُ عليه إلَّا إذا تساوَيا.
وقيل: إذا لم يكنْ أحَدُهما إمامًا راتِبًا. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، العَبْدُ المُكَلَّفُ أوْلَى مِنَ الصَّبِيُّ، إذا قُلْنا: تصِحُّ إمامَتُه بالبالِغِين. قالَه في «الرِّعايَةِ». الثَّانيةُ، أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ إمامَةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العَبْدِ صحيحةٌ مِن حيثُ الجُمْلَة. وهو صحيحٌ، لا أعلمُ فيه خِلْافًا في المذهبِ، إلَّا ما يأْتِي في إمامَتِه في صَلاةِ الجُمُعَةِ، بل ولا يُكْرهُ بالأحْرارِ. نصَّ عليه.
قال: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان) .
أما كون صاحب البيت أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعضهم من في بيته ذا سلطان؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«صاحب الدار أحق بالدار».
وقوله:«لا يُؤَمَّنّ الرجل في بيته».
وأما كون إمام المسجد أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعض من في المسجد كذلك؛ فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنها كان له مولى يصلي في مسجد. فحضر ابن عمر. فقيل له: تقدم. فقدم مولاه. وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك».
ولأن في تقديم غيره افتياتاً على من نصبه وكسراً لقلب المولّى.
وأما كون السلطان أحق منهما؛ فلأن له ولاية عامة عليهما وعلى غيرهما.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّ عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما».
وذكر أبو الخطاب وجهاً أنهما أحق من السلطان لأن مرتبة السلطان لا تنقص بذلك وفيه جبر قلب صاحب البيت والإمام الراتب. وزيادة في شرفه. قال: (والحر أولى من العبد. والحاضر أولى من المسافر. والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين) .
أما كون الحر أولى من العبد؛ فلأن الحر أشرف منه وأكمل في أحكامه. ويصلح لإمامة الجمعة والعيد
بخلاف العبد.
وقول المصنف رحمه الله:[أولى من العبد]؛ مشعر بصحة إمامة العبد وهو صحيح؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«يؤم القوم أقرؤهم».
و«لأن عائشة رضي الله عنها صلت خلفَ غلام لها».
و«صلى أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم» رواه صالح بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما في مسائله.
ولأنه أهلٌ للأذان فصلح أن يكون إماماً كالحر.
وأما كون الحاضر أولى من المسافر؛ فلأنه إذا أم حصل جميع الصلاة في جماعة
بخلاف المسافر.
وأما كون البصير أولى من الأعمى في وجه؛ فلأنه أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة باجتهاده.
وأما كونهما سواء في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأن الأعمى أخشع من البصير فيكون ذلك مقابلاً لتوقي النجاسات.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.