فَإِنْ تَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
(فإنْ تاب، فعلى وَجْهَيْن) مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، كالخَمْرِ، والزِّنا، والقِمارِ، والغِناءِ، ونحوِه، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعْصِيَةِ.
وكذلك إذا سافَرَ في مَعْصِيَةٍ، فأرادَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، لا يُدْفَعُ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ، لِما ذَكَرْنا.
فإن تاب مِن المَعْصِيَةِ، فقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ إبْقاءَ الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ ليس مِن المَعْصِيَةِ، بل يَجِبُ تَفْرِيغُها، والإعانَةُ على الواجِبِ قُرْبَةٌ لا مَعْصِيَةٌ، فأشْبَهَ من أتْلَفَ مالَه في المَعاصِى حتَّى افْتَقَرَ، فإنَّه يُدْفَعُ إليه مِن سَهْمِ الفُقرَاءِ. والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه اسْتِدانَةٌ لِلمَعْصِيَةِ، فلم يُدْفَعْ إليه، كما لو لم يَتُبْ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَعُوذ إلى الاسْتِدَانَةِ لِلمَعاصِى ثِقَةً منه بأن دَيْنَه يُقْضَى،
بخِلافِ من أتْلَفَ مالَه في المَعاصِى، فإنَّه يُعْطى لِفَقْرِه لا لِمَعْصِيَتِه.
وكذلك مَن سافَرَ إلى مَعْصِيَةٍ، ثم تاب أو أراد الرُّجوعَ إلى بَلَدهِ، يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّ رُجُوعَه، ليس بمَعْصِيَةٍ، أشْبَهَ غيرَه، بل ربَّما كان رُجوعُه إلى بَلَدِه تَرْكًا للمَعْصِيَةِ، وإقْلاعًا عنها، كالعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجوعَ إلى أَبَوَيْه. والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّ سبَبَ ذلك المَعْصِيَةُ، أشْبَهَ الغارِمَ في المَعْصِيَةِ.
١٠١٨ -
(فَإِنْ تَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَفْرِيغَ الذِّمَّةِ مِنَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَالْإِعَانَةَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ حَتَّى افْتَقَرَ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ بِشَرْطِهِ، وَعَوْدُ ابْنِ السَّبِيلِ إِلَى بَلَدِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ إِقْلَاعًا عَنْهَا، كَالْعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى أَبَوَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا لِكَوْنِهِ اسْتِدَامَةً لِلْمَعْصِيَةِ، فَلَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتُبْ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إِظْهَارِ التَّوْبَةِ لِأَجْلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ، ثُمَّ يَعُودُ،
وَكَذَا لَوْ سَافَرَ فِي مَكْرُوهٍ أَوْ نُزْهَةٍ.
[اسْتِحْبَابُ صَرْفِهَا فِي الْأَصْنَافِ كُلِّهَا]
فإنْ تابَ، فعلى وَجْهَين. وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، وأطْلَقهما فى الغارِمِ فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، أحدُهما، يُدْفَعُ إليهما. وهو المذهبُ. قال فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»: دفَع إليه فى أصحِّ الوجْهَيْن. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وجزَم به فى «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنْتَخَبِ». وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «المنَوِّرِ»، [فى الغارِمِ]، ولم يذْكُروا المُسافِرَ إذا تابَ، وهو مِثْلُه.
واخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيل فى الغارمِ. وصحَّحَه ابنُ تَميمٍ فى الغارِمِ.
قال فى «الفُروعِ» فى الغارِمِ: فإنْ تابَ دُفِعَ إليه فى الأصحِّ.
وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا فى الْأَصْنَافِ كُلِّها.
فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى إنْسَانٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ثَلَاثَة مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، إِلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وَاحِدًا.
قال الزَّرْكَشِىُّ فى الغارِمِ: المذهبُ الجَوازُ. اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقيلٍ، وأبو البَرَكاتِ، وصاحبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. انتهى. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، فى المُسافِرِ. والوَجْهُ الثَّانِى، لا يُدْفَعُ إليهما. وقدَّم ابنُ رَزينٍ عدَمَ جَوازِ الدَّفْعِ إلى الغارِمِ إذا تابَ، وجَوازَ الذَفْعِ للمُسافرِ إذا تابَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.