وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن عَجَز عن الصومِ لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أفْطَرَ وأطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا) الشَّيْخُ الكَبِيرُ، والعَجُوزُ، إذا كان الصومُ يُجْهِدُهما ويَشُقُّ عليهما مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا. وهذا قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بنُ جُبيْرٍ، وطاوُسٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجِبُ عليه شئٌ؛ لأنَّه تَرَك الصومَ لعَجْزِه، فلم يَجِبْ فِدْيَةٌ, كما لو تَرَكَه لمَرَضٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، الآيَةُ. قال ابنُ عباسٍ في تَفْسِيرِها: نَزَلَتْ رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ . ولأَنَّ الأداءَ صومٌ واجِبٌ، فجاز أن يَسْقُطَ إلى الكَفّارَةِ، كالقَضاءِ.
وأمّا المَرِيضُ، فإن كان لا يُرْجَى بُرْؤُه فهو كمَسْألَتِنا،
وإن كان يُرْجَى بُرْؤُه فإنَّما لم يَجِبْ عليه الإِطْعامُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى أن يَجِبَ على المَيِّتِ ابْتِداءً،
بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ وُجُوبَ الإِطْعامِ يَسْتَنِدُ إلى حالِ الحَياةِ، والشَّيخُ الهِمُّ له ذِمَّة صَحِيحَةٌ،
فإن كان عاجِزًا عن الإِطْعامِ، فلا شئَ عليه، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها. والمَرِيضُ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه، حُكْمُه حُكْمُ الشَّيْخِ فيما ذَكَرْنا. وذَكَر السّامَرِّىّ أنَّها تَبْقَى في ذِمَّتِه، ولا تَسْقُطُ، كسائِرِ الدُّيُونِ.
وكذلك قال فيما يَجِبُ على الحَامِلِ والمُرْضِعِ، إذا أفْطرَتَا خَوْفًا على وَلَدَيْهما، أنَّه لا يَسْقُطُ الإِطْعامُ عنهما بالعَجْزِ عنه، لأنَّه في مَعْناه. فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في مَن به شَهْوَةُ الجِماعِ غالِبَةٌ، لا يَمْلِكُ نَفْسَه، ويَخَافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: يُطْعِمُ. أباحَ له الفِطْرَ؛ لأنَّه يَخافُ على نَفْسِه، فهو كالمَرِيضِ.
ومَن يخافُ على نَفْسِه الهَلاكَ لعَطَشٍ، أو نَحْوِه، أوْجَبَ الإِطْعامَ بَدَلًا مِن الصِّيامِ. وهذا مَحْمُولٌ مِن كَلامِه على مَن لا يَرْجُو إِمْكانَ القَضاءِ،
فإن رَجا ذلك فلا فِدْيَةَ عليه. والواجِبُ انْتِظارُ القَضاءِ وفِعْلُه إذا قَدَر عليه؛ لقَوْلِه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. وإنَّما يُصارُ إلى الفِدْيَةِ عندَ اليَأْسِ مِن القَضاءِ.
فإن أطْعَمَ معِ إياسِه، ثم قَدَر على القَضاءِ، احْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّ ذِمَّتَه قد بَرِئَت بأَداءِ الفِدْيَةِ الواجِبَةِ عليه، فلم تَعُدْ إلى الشُّغْلِ، كالمَعْضُوبِ إذا أقامَ مَن يَحُجُّ عنه، ثم عُوفِىَ. واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَه القَضاءُ؛ لأنَّ الإِطْعامَ بَدَلُ إياسٍ، وقد بَيَّنّا ذَهابَ الإِياسِ، فأشْبَهَ مَن اعْتَدَّت بالشُّهُورِ عندَ اليَأْسِ مِن الحَيْضِ، فيما إذا ارْتَفَع حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، ثم حاضَتْ.
١٠٤٨ - مسألة: (والمَرِيضُ إذا خاف الضَّرَرَ، والمُسافِرُ، اسْتُحِبَّ لهما الفِطْرُ، فإن صاما أجْزَأهما) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إِباحَةِ الفِطْرِ للمَرِيضِ في الجُمْلَةِ. والأصْلُ فيه قَوْلُه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. والمَرَضُ المُبِيحُ للفِطْرِ هو الذى يَزِيدُ بالصومِ، أو يُخْشَى تَباطُؤُ بُرْئِه. قِيلَ لأحمدَ: متى يُفْطِرُ المَرِيضُ؟ قال: إذا لم يَسْتَطِعْ. قيل: مِثْلُ الحُمَّى؟ قال: وأىُّ مَرَضٍ أشَدُّ مِن الحُمَّى! وحُكِىَ عن بعضِ السَّلَفِ، أنَّه أباحَ الفِطْرَ بكلِّ مَرَضٍ، حتى مِن وَجَعِ الإِصْبَعِ والضِّرْسِ؛
لعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ المُسافِرَ يُباحُ له الفِطْرُ مِن غيرِ حاجَةٍ إليه، فكذلك المَرِيضُ. ولَنا، أنَّه شاهِدٌ للشَّهْرِ، لا يُؤْذِيه الصومُ، فلَزِمَه، كالصَّحِيحِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في المُسافِرِ والمَرِيضِ جَمِيعًا؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطْرُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، والفَرْقُ بينَ المُسافِرِ والمَرِيضِ، أنَّ السَّفَرَ اعْتُبِرَت فيه المَظِنَّةُ، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حيثُ لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ بنَفْسِها،
فإنَّ قَلِيلَ المَشَقَّةِ لا يُبِيحُ، وكَثِيرُها لا ضابِطَ له في نَفْسِه، فاعْتُبِرَت بمظِنَّتِها، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فدارَ الحُكْمُ مع المَظِنَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، والمَرَضُ لا ضابِطَ له؛
فإنَّ الأمْراضَ تَخْتَلِفُ؛ منها ما يَضُرُّ صاحِبَه الصومُ، ومنها ما لا أثَرَ للصومِ فيه، كوَجَعِ الضِّرْسِ، وجُرْحٍ في الإِصْبَعِ، والدُّمَّلِ، والجَرَبِ، وأشْباهِ ذلك، فلم يَصْلُحِ المَرَضُ ضابِطًا، وأمْكَنَ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ، وهو ما يُخافُ منه الضَّرَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه بذلك. إذا ثَبَت هذا،
فإن تَحَمَّلَ المَرِيضُ وصام مع هذا، فقد فَعَل مَكْرُوهًا؛ لِما يَتَضَمَّنُه مِن الإِضْرارِ بنَفْسِه، وتَرْكِه تَخْفِيفَ اللَّهِ وقَبُولَ رُخْصَتِه،
ويَصِحُّ صومُه، ويُجْزِئه؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُها رُخْصَةً،
فإذا تَحَمَّلَه أجْزَأه، كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجُمُعَةِ إذا حَضَرَها.
فصل: والصَّحِيحُ الذى يَخْشَى المَرَضَ بالصيامِ، كالمَرِيضِ الذى يَخافُ زِيادَةَ المَرَضِ في إباحَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ المَرِيضَ إنَّما أُبِيحَ له الفِطْرُ خَوْفًا مِمّا يَتَجَدَّدُ بصِيامِه مِن زِيادَةِ المَرَضِ وتَطاوُلِه، فالخَوْفُ مِن تَجَدُّدِ المَرَضِ في مَعْناه. قال أحمدُ، في مَن به شَهْوَةٌ غالِبَةٌ للجِماعِ، يَخافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: فله الفِطْرُ.
وقال في الجارِيَةِ: تَصُومُ إذا حاضَتْ،
فإن جَهَدَها الصومُ فلْتُفْطِرْ، ولْتَقْضِ. يَعْنِى إذا حاضَتْ وهى صَغِيرَةٌ. قال القاضى: هذا إذا كانتْ تَخافُ المَرَضَ بالصِّيامِ، يُباحُ لها الفِطْرُ، وإلَّا فلا.
فصل: ومَن أُبِيحَ له الفِطْرُ لشِدَّةِ شَبَقِه، إن أمْكَنَه اسْتِدْفاعُ الشَّهْوَةِ بغيرِ الجِماعِ، كالاسْتِمْناءِ بيَدِه، أو يَدِ امْرأَتِه أو جارِيَتِه، لمِ يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه أفْطَرَ للضَّرُورَةِ، فلم يُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تنْدَفِعُ به. الضَّرُورَةُ، كأكْلِ المَيْتَةِ عندَ الضَّرُورَةِ.
فإن جامَعَ فعليه الكَفّارَةُ. وكذلك إن أمْكَنَه دَفْعُها بما لا يُفْسِدُ صومَ غيرِه، كوطْءِ زَوْجَتِه أو أَمَتِه الصَّغِيرَةِ أو الكِتابِيَّةِ، أو المُباشَرَةِ للكَبِيرَةِ المُسْلِمَةِ دُونَ الفَرْجِ، أو الاسْتِمْناءِ بِيَدِها أو بِيَدِه، لم يُبَحْ له إفْسادُ صَوْمِ غيرِه؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ إذا انْدَفَعَتْ لم يُبَحْ ما وَراءَها، كالشِّبَعِ مِن المَيْتَةِ إذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بسَدِّ الرَّمَقِ.
وإن لم تَنْدَفِعِ الضَّرُورَةُ إلَّا بإفْسادِ صومِ غيرِه، أُبِيحَ ذلك؛ لأنَّه مِمّا تَدْعُوِ الضَّرُورَةُ إليه، فأُبِيحَ، كفِطْرِه، وكالحامِلِ، والمُرْضِعِ يُفْطِران خوْفًا على وَلَدَيْهما.
فإن كان له امْرَأَتان، حائِضٌ، وطاهِرٌ صائِمَةٌ، وَدَعَتْه الضَّرُورَةُ إلى وَطْءِ إحْداهما، احْتَمَلَ وَجْهيْن؛ أحَدُهما، وَطْءُ الصائِمَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على النَّهْى عن وَطْءِ الحائِضِ في كتابِه. والثّانِى، يَتَخَيَّرُ؛ لأنَّ وَطْءَ الصائِمَةِ يُفْسِدُ صِيامَها، فتَتَعارَضُ المَفْسَدَتان، ويَتَساوَيان.
فصل: وحُكْمُ المُسافِرِ حُكْمُ المَرِيضِ، في إباحَةِ الفِطْرِ وكَراهِيَةِ الصومِ، وإجْزائِه إذا فَعَلَه. وإباحَةُ الفِطْرِ للمُسافرِ ثابِتَةٌ بالنَّصِّ، والإِجْماعِ؛ وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّه إن صام أجْزَأه. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، أنّه لا يَصِحُّ صومُ المُسافِرِ. قال أحمدُ: عُمَرُ، وأبو هُرَيْرَةَ يَأْمُرانِه بالإِعادَةِ. وروَى الزُّهْرِىُّ عن أبى سَلَمَةَ، عن أبيهِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنَّه قال: الصائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ . وهو قولُ بعضِ أهلِ الظّاهِرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ».
مُتَّفَقٌ عليه . ولأَنَّه عليه السَّلامُ أفْطَرَ في السَّفَرِ، فلمَّا بَلَغَه أنَّ قَوْمًا صامُوا، قال:«أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». ورَوَى ابنُ ماجه ، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«الصَّائِمُ في رَمَضَانَ في السَّفَرِ، كَالمُفْطِرِ في الْحَضَرِ». وعامَّةُ أهلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا القولِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا قولٌ يُرْوَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، هَجَرَه الفُقَهاءُ كلُّهم، والسُّنَّةُ تَرُدُّه، وحُجَّتُهم ما رُوِى عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِىِّ، أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أصُومُ في السَّفَرِ؟
وكان كَثِيرَ الصيامِ، قال:«إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ». مُتَّفَقٌ عليه . وفى لَفْظٍ رَواه النَّسائِىُّ، أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أجِدُ قُوَّةً على الصيامِ في السَّفَرِ، فهل عَلَىَّ جُناحٌ؟ قال:«هِىَ رُخْصَةٌ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».
وقال أنَسٌ: كُنّا نُسافِرُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَعِبِ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصائِمِ. مُتَّفقٌ عليه . وأحاديثُهم مَحْمُولَةٌ على تَفْضِيلِ الفِطْرِ على الصيامِ.
فصل: والفِطْرُ في السَّفَرِ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: الصومُ أفْضَلُ لمَن قَوِىَ عليه. يُرْوى ذلك عن أنَسٍ، وعثمانَ بنِ أبى العاصِ؛ لِما روَى سَلَمَةُ بنُ المُحَبَّقِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِى إلَى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ». رَواه أبو داودَ . ولأنَّ مَن خُيِّرَ بينَ الصومِ والفِطْرِ، كان الصومُ أفْضَلَ، كالتَّطَوُّعِ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أفْضَلُ الأمْرَيْن أيْسَرُهما؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}.
ولِما روى أبو داودَ، عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو،
قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى صاحِبُ ظَهْرٍ، أُعالِجُه وأُسافِرُ عليه، وأكْرِيه، وإنَّه رُبَّما صادَفَنِى هذا الشَّهْرُ، يَعْنِى رمضانَ، وأنا أجِدُ القُوَّةَ، وأنا شابٌّ، وأجِدُنِى أن أصومَ، يا رسولَ اللَّهِ، أهْوَنَ عَلَىَّ مِن أن أُؤَخِّرَ، فيَكونَ دَيْنًا عَلَىَّ، أفأَصُومُ يا رسولَ اللَّه أعْظَمُ لأجْرِى، أو أُفْطِرُ؟ قال:«أىَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ». ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الأخْبارِ في الفَصْلِ الذى قبلَه، ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«خَيْركُمُ الَّذِى يُفْطِر في السَّفَرِ وَيَقْصُرُ».
ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، فكان أفْضَلَ، كالقَصْرِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَرِيضِ، وبصومِ الأيّامِ المَكْرُوهِ صومُها.
فصل: وإنَّما يُباحُ الفِطْرُ في السَّفَرِ الطَّوِيلِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى في الصَّلاةِ . ثم لا يَخْلُو المُسافِر مِن ثَلَاَثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَدْخلَ عليه شَهْرُ رمضانَ في السَّفَرِ، فلا خِلافَ في إباحَةِ الفِطْرِ له فيما نَعْلَمُ. الثّانى، أن يُسافِرَ في أثْناءِ الشَّهْرِ لَيْلًا، فله الفِطْرُ في صَبِيحَةِ الليْلَةِ التى يَخْرجُ فيَها، وما بعدَها، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، وسُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ : لا يُفْطِر مَن سافَرَ بعدَ دُخُولِ، لشَّهْرِ؛ لقَوْلِه تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وهذا شاهِدٌ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. وروَى ابن عباسٍ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفَتْحِ في شَهْرِ رمضانَ، فصامَ جتى بَلَغ الكَدِيدَ ، ثم أفْطرَ، وأفْطَرَ النّاسُ. مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه مُسافِرٌ فأُبِيحَ له الفِطْرُ, كما لو سافَرَ قبلَ الشَّهْرِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على مَن شَهِد الشهرَ كلَّه، وهذا لم يَشْهَدْه كلَّه.
الثّالِثُ، أن يُسافِرَ في أثْناءِ يومٍ مِن رمضانَ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّهُ.
١٠٤٩ -
(وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وَهُوَ الْهَمُّ وَالْهِمَّةُ (أَوْ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ) أَيْ: لَهُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ يُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْمُرَادُ بِالْإِطْعَامِ: مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ،
فَلَوْ كَانَ الْكَبِيرُ مُسَافِرًا وَمَرِيضًا فَأَفْطَرَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَلَا قَضَاءَ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وَيُعَايَا بِهَا،
وَإِنْ أَطْعَمَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَكَمَعْضُوبٍ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ. (وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ وَالْمُسَافِرُ) وَهُوَ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ (اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أَيْ: فَأَفْطَرَ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا:«إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ الرُّخْصَةِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالْأَخَفِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَرْتُ أَيْسَرَهُمَا»
وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَخَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ بُرْئِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي وَجَعِ رَأْسٍ وَحُمَّى، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يُنْضَرَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنَ الْحُمَّى.
فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ كُرِهَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ
ومَن عجَز عَنِ الصَّوْمِ لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أفطَرَ وأَطْعَم عن كلِّ يَوْم مِسْكينًا. بلا نِزاعٍ، لكنْ لو كانَ الكَبيرُ مُسافِرًا أو مَرِيضًا، فلا فِدْيَةَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لفطْرِه بعُذْرٍ مُعْتَادٍ. ذكَرَه القاضِى فى «الخِلافِ». قاله فى «الفُروعِ».
وقال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: ذكَرَه القاضِى فى «تَعْلِيقِه». وهما كِتابٌ واحِدٌ، ولا قَضاءَ عليه والحالَةُ هذه؛ للعَجْزِ عنه، وتَبعَ القاضِى مَن بعدَه، فيُعايَى بها. ويأْتِى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُكْمُ الكَفَّارَةِ إذا عجَز عنها، بعدَ أحْكام الحامِلِ والمُرْضِعِ. ويأْتِى آخِرَ بابِ ما يُفْسِدُ الصَّوْمَ، إذا عجَزَ عن كفَّارَةِ الوَطْءِ وغيرِه.
فائدتان؛ إحداهما، لو أطْعَمَ العاجِزُ عنِ الصَّوْمِ؛ لكِبَرٍ، أو مرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، ثم قدَر على القضاءِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المعْضُوبِ فى الحَجِّ إذا أُحِجَّ عنه ثم عُوفِىَ. على ما يأْتِى فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى كتابِ الحَجِّ. جزمَ به المَجْدُ وغيرُه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وذكَرَ بعضُ الأصحابِ احْتِمالَيْن؛ أحَدُهما، هذا. والثَّانِى، يَلْزَمُه القَضاءُ بنَفْسِه. الثَّانيةُ، المُرادُ بالإِطعامِ هنا، ما يُجْزِئُ فى الكفَّارَةِ. قالَه الأصحابُ.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: أفْطَرَ وأطعَمَ عن كلِّ يوْمٍ مِسْكينًا. أنَّه لا يُجْزِئُ الصَّوْمُ وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، وَالْمُسَافِرُ، اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ،
فَإِنْ صَامَا أَجزَأَهُمَا.
عنهما. وهو صَحِيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لو تَبرَّعَ إنْسانٌ بالصَّوْمِ عن من لا يُطِيقُه لكِبَرٍ ونحوِه، أو عن مَيِّتٍ، وهما مُعْسِران، توَجَّه جَوَازُه؛ لأنَّه أَقْرَبُ إلى المُمَاثَلَةِ مِنَ المالِ. وحكَى القاضِى فى صَوْمِ النَّذْرِ فى حَياةِ النَّاذِرِ نحوَ ذلك. والمريضُ إذا خافَ الضَّرَر، والمُسافِرُ، اسْتُحِبَّ لهما الفِطْرُ.
أمَّا المَرِيضُ إذا خافَ زِيادَةَ مَرضِه، أو طُولَه، أو كان صَحيحًا، ثم مَرِضَ فى يَوْمِه، أو خافَ مرَضًا لأَجْلِ العَطَشِ أو غِيرِه، فإنَّه يُسْتَحَبُّ له الفِطْرُ،
ويُكْرَهُ صوْمُه وإتْمامُه إِجْماعًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحداها، [مَن لم يُمْكِنْه التَّداوِى فى مرَضِه]، وتَرْكُه يَضُرُّ به، فلَه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّداوِى. نقَلَه حَنْبَلٌ فى من به رَمَدٌ يخَافُ الضَّرَرَ بتَرْكِ الاكْتِحالِ لتَضَرُّرِه بالصَّوْمِ، كتَضَرُّرِه بمُجَرَّدِ الصَّوْمِ. الثَّانيةُ، مفْهومُ قوْلِه: والمريضُ إذا خافَ الضَّرَرَ. أنَّه إذا لم يَخَفِ الضَّرَرَ لا يُفْطِرُ. وهو صَحِيحٌ، وعليه الأصحابُ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ»، فى وَجَعِ رَأْسٍ وحُمَّى،
ثم قال: قلتُ: إلَّا أنْ يتَضَرَّرَ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
وقيل لأحمدَ: متى يُفْطِرُ المَرِيضُ؟ قال: إذا لم يَسْتَطِعْ. قيل: مِثْلُ الحُمَّى؟ قال: وأىُّ مرَضِ أشَدُّ مِنَ الحُمَّى! الثَّالثةُ، إذا خافَ التَّلَفَ بصَوْمِه، أجْزَأَ صَوْمُه، وكُرِهَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «عُيُونِ المَسائِلِ»، و «الانْتِصَارِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن» , و «الفائقِ»، وغيرِهم: يَحْرمُ صَوْمُه. قال فى «الفُروعِ»: ولم أَجِدْهم ذكَروا فى الإِجْزاءِ خِلافًا. وذكَرَ جماعةٌ فى صَوْمِ الظِّهارِ، أنَّه يجِبُ فِطْرُه بمَرَضٍ مَخُوفٍ. الرَّابعةُ، لو خافَ بالصَّوْمِ ذَهابَ مالِه، فسَبَق أنَّه عُذْرٌ فى تَرْكِ الجُمُعَةِ والجَماعَةِ وفى صَلاةِ الخَوْفِ. الخامسةُ، لو أحاطَ العدُوُّ ببَلَدٍ، والصَّوْمُ يُضْعِفُهم، فهل يجوزُ الفِطْرُ؟ ذكَرَ الخَلَّالُ رِوايتَيْن.
وقال ابنُ عَقيلٍ: إنْ حصَر العَدُوُّ بلَدًا، أو قصَد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْلِمون عَدُوَّا بمَسافَةٍ قريبةٍ، لم يَجُزِ الفِطْرُ والقَصْرُ، على الأصحِّ. ونقَل حَنْبَلٌ، إذا كانُوا بأرْضِ العَدُوِّ، وهم بالقُرْبِ، أفْطَرُوا عندَ القِتالِ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ الفِطْرَ؛ للتَّقَوِّى على الجِهادِ، وفعَلَه هو، وأمرَ به لمَّا نزَل العَدُوُّ دِمَشقَ. وقدَّمه فى «الفائقِ»، وهو الصَّوابُ. فعلى القَوْلِ بالجَوازِ، يُعايَى بها. وذكَر جماعةٌ، فى مَن هو فى الغَزْوِ، وتَحْضُرُ الصَّلاةُ والماءُ إلى جَنْبِه، يخَافُ إنْ ذهَب إليه على نَفْسِه، أو فَوْتَ مَطْلُوبِه، فعنه، يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّى.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ. وعنه، لا يَتَيَمَّمُ ويُؤخِّرُ الصَّلاةَ.
وعنه، إنْ لم يخَفْ على نَفْسِه، تَوَضَّأَ وصلَّى. وسبَق ذلك فى التَّيَمُّمِ،
وأنَّ المذهبَ، أنَّه يتَيَمَّمُ ويُصَلِّى. السَّادِسةُ، لو كان به شَبَقٌ يخَاف منه تشَقُّقَ أُنثَيَيْه، جامَعَ وقَضَى ولا يُكَفِّرُ. نقَلَه الشَّالَنْجِىُّ. قال الأصحابُ: هذا إذا لم تنْدَفِعْ شهْوَتُه بدُونِه،
فإنِ انْدفعَتْ شهْوتُه بدُونِ الجِماعِ، لم يَجُزْ له الجِماعُ.
وكذا إنْ أمْكَنَه أنْ لا يُفْسِدَ صوْمَ زوْجَتِه، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ للضَّرُورَةِ،
فإذا تضَرَّرَ بذلك، وعندَه امْرأةٌ؛ حائضٌ وصائمَةٌ، فقِيلَ: وَطْءُ الصَّائمةِ أوْلَى؛ لتَحْريمِ الحائضِ بالكِتابِ، ولتَحْريمِها مُطْلَقًا. صحَّحَه العَلَّامَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنُ رَجَبٍ، فى «القاعِدَةِ الثَّانيةَ عشْرَةَ بعدَ المِائَةِ». وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه».
وقيلَ: يتخَيَّرُ؛ لإِفْسادِ صوْمِها. وأطْلقَهُما فى «الفُروعِ»، وهما احْتِمالان بوَجْهَيْن مُطْلَقَيْن فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». السَّابعةُ، لو تعَذَّرَ قَضاؤْه؛ لدَوامِ شَبَقِه، فحُكْمُه حُكْمُ العاجِزِ عنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أو مرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه. على ما تقدَّم قرِيبًا. ذكَرَه فى «الفُروعِ» وغيرِه. الثَّامنةُ، حُكْمُ المرَضِ الذى يُنْتفَعُ فيه بالجِماعِ، حُكْمُ مَن يخافُ مِن تشَقُّقِ أُنثَيَيْه. والمسَافِرُ يُسْتَحَبُّ له الفِطْرُ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه، وهو مِنَ المُفْرَداتِ، وسواءٌ وجَد مشَقَّةً أم لا.
وفيه وَجْهٌ، أنَّ الصَّوْمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفضَلُ. ذكَرَه فى القاعِدَةِ الثَّانيةِ والعِشْرِين مِنَ «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحداها، المُسافِرُ هنا، هو الذى يُباحُ له القَصْرُ. على الصَّحيحِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقال الشَّيخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يُباحُ له الفِطْرُ،
ولو كان السَّفَرُ قَصِيرًا. الثَّانيةُ، لو صامَ فى السَّفَرِ، أجْزَأَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، وعليه الأصحابُ. ونقَل حَنْبَلٌ، لا يُعْجِبُنِى. واحْتَجَّ حَنْبَلٌ بقَوْلِه، علَيه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فى السَّفَرِ». قال فى «الفُروعِ»: والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هذا القَوْلَ. ورِوايةُ حَنْبَلٍ تَحْتَمِلُ عدَمَ الإِجْزاءِ، ويُؤَيِّدُه تَفَرُّدُ حَنْبَلٍ، وحَمْلُها على رِوايَةِ الجماعةِ أَوْلَى. فعلى المذهبِ، . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو صامَ فيه كُرِهَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وحَكَاه المَجْدُ عنِ الأصحابِ. قال: وعندِى لا يُكْرَهُ إذا قَوىَ عليه. واخْتارَه الآجُرِّئُ. وظاهِرُ كلام ابنِ عَقيلٍ فى «مُفْرَداتِه»، وغيرِه، لا يُكْرَهُ، بل تَرْكُه أفْضَلُ. قال: وليس الصَّوْمُ أَفْضَلَ. وهو وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا فى رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ.
مِنَ المُفْرَداتِ، وفرَّق بينَه وبينَ رُخْصَةِ القَصْرِ، أنَّها مُجْمَعٌ عليها، تَبْرَأُ بها الذِّمَّةُ. قال فى «الفُروعِ»: ورُدَّ بصَوْمِ المريضِ، وبتَأْخيرِ المَغْرِبِ ليْلَةَ المُزْدَلِفَةِ. الثَّالثةُ، لو سافَرَ ليُفْطِرَ، حَرُمَ عليه.
قال: (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) .
أما كون من عجر عن الصوم لكبر يفطر فلما تقدم من أنه لا يجب عليه.
ولأن الفطر إذا جاز للمريض فلأن يجوز للعاجز بطريق الأولى.
وأما كون من عجز عنه لمرض لا يرجى برؤه يفطر فلأنه إذا جاز للمريض الذي يرجى برء مرضه فلأن يجوز للمريض الذي لا يرجى برء مرضه بطريق الأولى.
وأما كون الكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً فلأن الله تعالى قال:{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}.
قال ابن عباس:«نسخت إلا في حق الشيخ الكبير والعجوز».
ولأنه صوم واجب في الأصل فجاز أن ينوب عنه المال كصوم الكفارة.
وأما كون المريض يطعم كذلك فلأنه في معنى العاجز لكبر.
قال: (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر وإن صاما أجزأهما. ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره) .
أما كون المريض والمسافر يستحب لهما الفطر فيقتضي أمرين:
أحدهما: جوازه. والآخر: رجحانه.
أما الجواز فلأن الله تعالى قال:{ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخَر}.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله وضع عن المسافر الصوم» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وللجواز المذكور في المريض شرط وهو أن يخاف الضرر مثل أن يخاف زيادة مرضه أو تباطؤ برؤه.
فإن لم يخف ذلك لم يبح له الفطر لأن المبيح له العذر وهو مفقود هنا.
فإن قيل: الآية عامة.
قيل: تخصص بما ذكر.
وأما رجحان الفطر فلأنه أخف عليهما وفيه قبول رخصة الله تعالى ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما خيرت بين أمرين إلا اخترت أيسرهما».
وفي الحديث:«ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه.
وقال عليه السلام:«خيركم الذي يفطر في السفر».
وأما كون المريض والمسافر إذا صاما أجزأهما فلأن الصوم عزيمة فإذا تحملاها أجزأتهما كالذي تسقط عنه الجمعة لمرضه فتكلف وحضر، وكالذي يعجز عن القيام في الصلاة فيتكلف ويقوم.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الأسلمي وقد سأله عن الصوم في السفر:«ومن أحب أن يصوم في السفر فلا جناح عليه» رواه مسلم.
وعن أنس:«كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم».
وعن عائشة قالت:«يا رسول الله! أفطرتَ وصمتُ قال: أحسنتِ».
وأما كونهما لا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره فلأن الفطر أبيح تخفيفاً فإذا لم يريدا التخفيف لزمهما الإتيان بالأصل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.