وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ
الشروح عليها
(وَلَا يُسْتَحَبُّ) صَوْمُهُ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) لِمَا «رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُ عَنِ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إِمَامِنَا نَحْوَهُ. قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالْقَارِنِ إِذَا عَدِمَا الْهَدْيَ، وَسَيَأْتِي.
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
بابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وأَفْضَلُه صَوْمُ داوُدَ، عليه السلام، كان يصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه، وكان أبو بَكْرٍ النَّجَّادُ، مِنَ الأصحابِ، يَسْرُدُ الصَّوْمَ. فظاهِرُ حالِه، أنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ أفْضَلُ.
فائدتان؛ إحداهما، يَحْرُمُ صوْمُ الدَّهْرِ إذا أدخَل فيه يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيَّامَ
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمُ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
التَّشْريقِ. ذكَرَه القاضى وأصحابُه، بل عليه الأصحابُ. وعبَّر القاضى وأصحابُه بالكَراهَةِ، ومُرادُهما، كراهَةُ تحْريمٍ. ذكَرَه المُصَنِّفُ والمَجْدُ وغيرُهما، وهو واضِحٌ.
وإنْ أفْطَر أيَّامَ النَّهْىِ، جازَ صَوْمُه، ولم يُكْرَهْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. نقَل صالِحٌ، إذا أفْطَرَها رَجَوْتُ أنْ لا بأْسَ به. واخْتارَ الكَراهةَ المُصَنِّفُ. وهو رِوايَةُ الأَثْرَمِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: الصَّوابُ قوْلُ مَن جعَلَه تَرْكًا للأوْلَى أو كَرِهَه. الثَّانيةُ،
قوله: ويُسْتَحَبُّ صِيامُ أَيَّامِ البِيضِ مِن كُلِّ شَهْرٍ. هذا بلا نِزاعٍ. واعلمْ أنَّه يُسْتحَبُّ صِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ، والأفْضَلُ أنْ تكونَ أيَّامَ البِيضِ، نصَّ عليه، فإنَّها أفْضَلُ. نصَّ عليه. وسُمِّيَتْ بَيْضاءَ لِابْيِضاضِها ليْلًا بالقَمَرِ ونَهارًا بالشَّمْسِ. وهذا الصَّحيحُ. وذكَر أبو الحَسَنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
التَّمِيمِىُّ فى كِتابِه «اللّطِيفُ الذى لا يسَعُ جَهْلُه»، إنَّما سُمِّيَتْ بيْضاءَ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى تابَ فيها على آدَمَ، وبيَّضَ صحِيفَتَه. وهى؛ الثَّالِثَ عشَرَ، والرَّابعَ عشَرَ، والخامِسَ عشَرَ.
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، [٥٩ و] وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ.
تنبيه: ظاهر قوله: ومَن صامَ رَمَضانَ، وأَتْبَعَه بسِتٍّ من شَوَّالٍ، فكأَنَّما صامَ الدَّهْرَ. أنَّ الأَوْلَى، مُتابعَةُ السِّتِّ؛ إذِ المُتابعَةُ ظاهِرُها التَّوالِى. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وجاعةٍ كثيرةٍ مِنَ الأصحابِ. وصرَّح بعضُ الأصحابِ بذلك. وجزَم به فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، حصُولُ فَضِيلَتِها بصَوْمِها مُتَتابِعَةً ومُتفَرِّقَةً. ذكَرَه كثيرٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم صاحِبُ «الهِدَايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفَائقِ»، وغيرُهم. وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الخُلَاصَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّلْخِيصِ»، و «الوَجِيزِ»، و «الحَاوِيَيْن»، وغيرِهم؛ لإِطْلاقِهم صَوْمَها.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ فرَّقَها جازَ. وقدَّمه في «الفُروعِ»،
وقال: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ في أوَّلِ الشَّهْرِ وآخرِه.
قال في «اللَّطائِفِ»: هذا قوْلٌ أحْمَدُه. اخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. واسْتحَبَّ بعضُ الأصحابِ التَّتابُعَ،
وأنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونَ عَقِيبَ العيدِ. قال في «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ، ولَعَلَّه مُرادُ أحمدَ والأصحابِ، لِمَا فيه مِنَ المُسارَعَةِ إلى الخَيْرِ،
وإنْ حصَلَتِ الفضِيلَةُ بغيرِه.
فائدتان؛ إحداهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الفَضِيلَةَ لا تَحْصُلُ بصِيامِ السِّتَّةِ في غيرِ شَوَّالٍ. وهو صَحيحٌ، وصرَّح به كثيرٌ مِنَ الأصحابِ.
وقال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ احْتِمالٌ، تحْصُلُ الفَضِيلَةُ بصَوْمِها في غيرِ شَوَّالٍ.
وقال في «الفَائقِ»: ولو كانت مِن غيرِ شوَّالٍ، ففيه نظَرٌ.
قلتُ: وهذا ضعيفٌ مُخالِفٌ للحديثِ، وإنَّما أُلْحِقَ بفَضِيلَةِ رَمَضانَ لكَوْنِه حَرِيمَه، لا لكَوْنِ الحسَنةِ بعَشْرِ أمْثالِها، ولأنَّ الصَّوْمَ فيه يُساوِى رَمَضانَ في فَضيلَةِ الواجِبِ.
قال في «الفُروعِ»: وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ.
ويتَوجَّهُ تَحْصيلُ فَضِيلَتِها لمَن صامَها، وقَضَى رَمَضانَ، وقد أفْطَره لعُذْرٍ. قال: ولعَلَّه مُرادُ الأصحابِ، وما ظاهِرُه خِلافُه، خرَج على الغالِبِ المُعْتادِ. انتهى.
قلتُ: وهو حسنٌ. الثَّانيةُ، قوله: وصِيامُ يومِ عاشوراءَ كفَّارَةُ سَنَةٍ، ويومِ عَرَفَةَ كفَّارَةُ سَنَتَيْن. وهذا بلا نِزاعٍ.
قال ابنُ هُبَيْرَةَ: أمَّا كوْنُ صَوْمِ يومِ عرَفَةَ بسَنَتيْن، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لمَّا كان يوْمُ عرَفَةَ في شَهْرٍ حَرام بينَ شَهْرَيْن حَرامَيْن، كفَّر سَنَةً قبلَه وسَنَةً بعدَه. والثَّانى، إنَّما كان لهذه الأُمَّةِ، وقد وُعِدَتْ في العَملِ بأَجْرَيْن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
وإنَّما كفَّر عاشُوراءُ السَّنَةَ الماضِيَةَ، لأنَّه تَبِعَها وجاءَ بعدَها، والتَّكْفيرُ بالصَّوْمِ إنَّما . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكونُ لِمَا مضَى لا لِما يأْتِى. ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وفِطْرُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفْضَلُ. واخْتارَ الآجُرِّىُّ، أنَّه يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعرَفَةَ إلَّا لمَن يُضْعِفُه. وحكَى الخَطَّابِىُّ عن أحمدَ مِثْلَه.
وقيل: يُكْرَهُ صِيامُه. اخْتارَه جماعةٌ مِنَ الأصحابِ. فعلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ، يُسْتَثْنَى مِن ذلك إذا عَدِمَ المُتَمَتِّعُ والقارِنُ الهَدْىَ، فإنَّه يصُومُ عَشَرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاَثَةً في الحَجِّ،
ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ آخِرُها يومَ عرَفَةَ، عندَ الأصحابِ، وهو المَشْهورُ عن أحمدَ. على ما يأْتِى في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ الفِدْيَةِ.
تنبيه: عدَمُ اسْتِحْبابِ صَوْمِه؛ لتَقَوِّيه على الدُّعاءِ. قالَه الخِرَقِىُّ وغيرُه. وعن الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، لأنَّه يَوْمُ عيدٍ.
فائدتان؛ الأُولَى، سُمِّىَ يوْمَ عرَفَةَ للوُقُوفِ بعرَفَةَ فيه.
وقيلَ: لأنَّ جِبْرِيلَ حَجَّ وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِى الْحِجَّةِ، بإِبْراهِيمَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا أتَى عرَفَةَ، قال: عرَفْتَ؟ قال: عرَفْتُ.
وقيل: لتَعارُفِ حوَّاءَ وآدَمَ بها. الثَّانيةُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، وأكثرِ الأصحابِ، أنَّ يوْمَ التَّرْوِيَةِ في حقِّ الحاجِّ ليس كيَوْمِ عَرَفَةَ في عدمِ الصَّوْمِ. وجزَم في «الرِّعايَةِ» بما ذكَرَه بعضُهم، أنَّ الأفْضَلَ للحاجِّ الفِطْرُ يومَ التَّرْوِيَةِ ويَوْمَ عرَفَةَ بهما. انتهى. وسُمِّىَ يوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لأنَّ عرَفَةَ لم يكُنْ بها ماءٌ، وكانوا يَتَرَوَّوْنَ مِنَ الماءِ إليها.
وقيل: لأنَّ إبْراهيمَ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، رأَى ليْلَةَ التَّرْوِيَةِ الأمْرَ بذَبْحِ ابنِه، فأصْبَحَ يتَرَوَّى، هل هو مِنَ اللهِ، أو حُلْمٌ؟ فلمَّا رَآه اللَّيْلَةَ الثَّانيةَ، عرَف أنَّه مِنَ اللهِ.
(١») [رواه مسلم].
وأما كون صيام يوم عرفة لا يستحب لمن كان بعرفة فلما روى ابن عمر قال:«حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه».
ولأنه يوم يستحب فيه إكثار الدعاء فاستحب الفطر فيه إعانة لفاعله على ذلك.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.