وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ وَإِلَّا فَلَا وَالثَّانِيَةُ الْمُعَاطَاةُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن تَراخَى القَبُولُ عن الإِيجابِ، صَحَّ ما داما في المَجْلِسِ ولم يَتَشاغَلا بما يَقْطَعُه، وإلَّا فلا) لأنَّ حالَةَ المَجْلِس كحالَةِ العَقْدِ؛ بدَلِيلِ أنَّه يَكْتَفِى بالقَبْضِ فيه لِما يَشْتَرِطُ قَبْضَه.
فإن تَفَرَّقا عن المَجْلِسِ، أو تَشاغَلا بما يَقْطَعُه، لم يَصِحَّ؛ لأن العَقْدَ إنَّما يتمُّ بالقَبُولِ، فلم يَتِمَّ مع تَباعُدِه عنه، كالاسْتِثْناءِ، والشَّرْطِ، وخَبَرِ المُبْتَدَأ الَّذى لا يَتِمُّ الكَلَامُ إلَّا به.
١٥٥٠ - مسألة: (الثّانِيَةُ، المُعاطاةُ) وهو (أن يَقُولَ: أعْطِنى بهذا الدِّينارِ خُبْزًا. فيُعْطِيَه ما يُرْضِيهِ. أو يَقُولَ البائِعُ: خُذْ هذا بدِرْهَمٍ. فيَأْخُذَه. وقال القاضِى: لا يَصِحُّ هذا إلَّا في الشَّئِ اليَسِيرِ) نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ هذا البَيْعِ، في مَن قال لخَبّازٍ: كيف تَبِيعُ الخُبْزَ؟ قال: كذا بدِرْهَمٍ. قال: زِنْهُ، وتَصَدَّقْ به.
فإذا وَزَنَه، فهو عليه. وقَوْلُ مالِكٍ نَحْوٌ مِن هذا، فإنَّه قال: يَقَعُ البَيْعُ بما يَعْتَقِدُه النّاسُ بَيْعًا.
وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِح في خَسائِسِ الأشْياءِ. وهو قَوْلُ القاضِى؛ لأنّ العُرْفَ إنَّما جَرَى به في الشَّىْءِ اليَسِيرِ. ومَذْهَبُ الشافعىِّ، أنَّ البَيْعَ لا يَصِحُّ إلَّا بإيجابٍ وقَبُولٍ. وذَهَب بَعْضُ أصْحابِه إلى مِثْلِ قَوْلِنا. ولَنا، أن اللَّهَ تعالى أحَلَّ البَيْعَ، ولمْ يُبَيِّن كَيْفِيَّته، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كما رُجِعَ إليه في القَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفْرِيقِ، والمُسْلِمُون في أسْواقِهم وبِياعاتِهم على ذلك، ولأنّ البَيْعَ كان مَوجُودًا بينَهم مَعْلُومًا عندَهم، وإنَّما عَلَّقَ الشَّرْعُ عليه أحْكامًا، وأبْقاه على ما كان، فلا يَجُوزُ تَغْيِيرُه بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولَمْ يُنْقَلْ عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا عن أصْحابِه -مع كثْرةِ وُقُوعِ البَيْعِ بينَهم- اسْتِعْمالُ الإِيجابِ والقَبُولِ،
ولو اسْتَعْمَلُوا ذلك في بِياعاتِهم لنُقِلَ نَقْلًا شائِعًا،
ولو كان ذلك شَرْطًا، لوَجَبَ نَقْلُه، ولَمْ يُتَصَوَّرْ منهم إهْمالُه والغَفْلَةُ عن نَقْلِه، ولأنَّ البَيْعَ مِمّا تَعُمُّ به البَلْوَى،
فلو اشْتُرِطَ الإِيجابُ والقَبُولُ لبَيَّنَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيانًا عامًّا، ولم يَخْفَ حُكْمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُقُوعِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَثِيرًا، وأكْلِهمُ المالَ بالباطِلِ، ولم يُنْقَلْ ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحدٍ مِن أصْحابِه، فيما عَلِمْناه، ولأنَّ النّاسَ يَتَبايَعُون بالمُعاطاةِ في كلِّ عَصْرٍ، ولم يُنْقَلْ إنْكارُه قبلَ مُخالِفِينا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ إنَّما يُرَادانِ للدَّلالَةِ [على التَّراضِى]،
فإذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه مِن المُساوَمَةِ والتَّعاطِى، قام مَقامَهما، وأجْزَأ عنهما؛ لعَدَمِ التَّعَبُّدِ فيه.
(وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يكتفي بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يَشْتَرِطُ قَبْضَهُ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ فِيمَا إِذَا تَرَاخَى عَنِ الْإِيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبُولِ، فَلَمْ يَتِمَّ مَعَ تَبَاعُدِهِ عَنْهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ،
وَكَذَا إِذَا تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، لِأَنَّهُمَا صَارَا مُعْرِضَيْنِ عَنِ الْبَيْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالرَّدِّ. (وَالثَّانِيَةُ الْمُعَاطَاةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ لَفْظًا، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبَيَاعَاتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي بَيْعِهِمْ،
وَلَوِ اسْتُعْمِلَ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا وَلَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، وَلَمْ يُخْفِ حُكْمَهُ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذَهُ) لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ إِنَّمَا يُرَادَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاضِي،
فَإِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُعَاطَاةِ قَامَ مَقَامَهُمَا، وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرِّضَى أَمْرٌ خَفِيُّ، فَأُنِيطَ بِالصِّيغَةِ وَكَالنِّكَاحِ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَيْعُ الضَّمِينُ، كَمَا إِذَا قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا
والثَّانيةُ، المُعاطاةُ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، صِحَّةُ بَيْعِ المُعاطاةِ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وهو المَعْمُولُ به فى المذهبِ.
وقال القاضى: لا يصِحُّ إلَّا فى الشئِ اليَسِيرِ.
وعنه، لا يصِحُّ مُطْلَقًا. وقدَّمَه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وأطْلقَهُنَّ فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلغَةِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ أحدُها، بَيْعُ المُعاطَاةِ كما مثَّلَ المُصَنِّفُ، ومثْلُ ما لو ساوَمَه سِلْعَةً بثَمَنٍ، فيقولُ: خُذْها، أو هى لك، أو قد أعْطَبْتُكَها. أو يقولُ: كيفَ تَبِيعُ الخُبْزَ؟ فيقولُ: كذا بدِرْهَم. فيقولُ: خُذْ دِرْهَمًا، أو زِنْه. ونحوَ ذلك ممَّا يدُلُّ على البَيْعِ والشراءِ. قالَه فى «الرِّعايَةِ».
وقال أيضًا: ويصِحُّ بشَرْطِ خيارٍ مَجْهُولٍ، كما فى المَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ والخِيَارِ مع قَطْعِ ثَمَنِه عُرْفًا وعادةً. قال فى «الفُروعِ»: مثْلُ المُعاطَاةِ، وَضْعُ ثَمَنِه عادةً وأخْذُه. الثَّانِى، كلامُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفِ كالصَّريحِ فى أنَّ بَيْعَ المُعاطَاةِ لا يُسَمَّى إيجابًا وقَبُولًا. وصرَّح به القاضى وغيرُه، فقال: الإِيجابُ والقَبولُ للصِّيغَةِ المُتَّفَقِ عليها. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: عِبارَةُ أصحابِنا وغيرِهم تَقْتَضِى أنَّ المُعاطَاةَ ونحوَها ليستْ مِنَ الإِيجابِ والقَبُولِ، وهو تَخْصِيصٌ عُرْفِىٌّ. قال: والصَّوابُ أنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ اسْمٌ لكُل تَعاقُدٍ؛ فكُلُّ ما انْعقَدَ به البَيْعُ مِنَ الطَّرفَيْن، سُمِّىَ إثباتُه إيجابًا، والْتِزامُه قَبولًا. الثَّالثُ، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يصِحُّ البَيْعُ بغيرِ الإِيجابِ والقَبولِ بالألفاظِ المُتقَدِّمَةِ بشَرْطِها، والمُعاطَاةِ.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه القاضى، والأصحابُ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ صِحَّةَ البَيْعِ بكُلِّ ما عدَّه النَّاسُ بَيْعًا؛ مِن مُتَعاقِب ومُتَراخٍ مِن قوْلٍ أو فِعْلٍ.
فائدتان؛ إحداهما، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الهِبَةَ كبَيْعِ المُعَاطاةِ، على ما يأتِى فى بابِه.
قال فى «الفُروعِ»: ومِثْلُه الهِبَةُ.
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»،
وغيرِهم: وكذا الهِبَةُ، والهَديَّةُ، والصَّدَقَةُ. وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه صِحَّةَ الهِبَةِ، سواءٌ صحَّحْنا بَيْعَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُعاطَاةِ أَوْ لا. انتهى. فمتى قُلْنا بالصِّحَّةِ، يكونُ تَجْهِيزُ ابْنَتِه بجَهاز إلى زَوْجِها تمْلِيكًا، فى أصحِّ الوَجْهَيْن. قالَه فى «الفُروعِ». قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: تَجْهِيزُ المرْأةِ بجَهازٍ إلى بَيْتِ زَوْجِها تَمْليكٌ. قال القاضى: قِياسُ قوْلِنا فى بَيْعِ المُعاطَاةِ، أنَّها تَمْلِكُه بذلك. وأفتَى به بعضُ أصحابِنا. الثَّانيةُ، لا بَأْسَ بذَوْقِ المَبِيعِ عندَ
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا، التَّرَاضِى بِهِ؛ وَهُوَ أنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا،
فَإنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، الشِّراءِ. نصَّ عليه؛ لقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ.
وقال الإِمامُ أحمدُ مرَّة: لا أدْرِى، إلَّا أنْ يَسْتَأْذِنَ.
قال: (والثانية: المعاطاة مثل (١) أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم فيأخذه.
وقال القاضي: لا يصح هذا إلا في الشيء اليسير).
أما كون الصورة الثانية من صور البيع: المعاطاة. وهي منصوص الإمام أحمد واختيار المصنف؛ فلأن البيع موجود قبل الشرع وإنما الشرع علق عليه أحكاماً ولم يعين له لفظاً فيجب أن يرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرْز. ولأن المسلمين في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة استعمال إيجاب وقبول في بياعاتهم ولو كانوا يستعملون ذلك في جميع بياعاتهم لنقل نقلاً شائعاً.
ولأن البيع مما تعم به البلوى
فلو اشترط له ذلك لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً شافياً ولم يخف حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيراً.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يقول ... إلى فيأخذه؛ فبيان لصورة المعاطاة.
وأما كون المعاطاة لا تصح في الشيء الكثير على قول القاضي؛ فلأن البيع عقد معاوضة فكان الإيجاب والقبول من شروطه كالنكاح.
وأما كونها تصح في الشيء اليسير؛ فلأن اعتبار ذلك فيه يشق فيسقط دفعاً للمشقة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.