وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ
الشروح عليها
فصل: ويَصِحُّ بَيعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه إذا صَحَّ بَيعُها لغيرِه، فله أوْلَى؛ لأنَّ العَينَ في يَدِه. وهل تَبْطُلُ الإِجارَةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه مَلَك المَنْفَعَةَ، ثم مَلَك الرَّقَبَةَ المَسْلُوبَةَ بعَقْدٍ آخَرَ، فلم يَتَنافَيا، كما يَمْلِكُ الثَّمَرةَ بعَقْدٍ ثم يَمْلِكُ الأصْلَ بعَقْدٍ آخَرَ.
ولو أجَرَ المُوصَى له بالمَنْفَعَةِ مالِكَ الرَّقَبةِ، صَحَّتِ الإِجارَةُ، فدَلَّ على أنَّ مِلْكَ المَنْفَعةِ لا يُنافِي العَقْدَ على الرَّقَبةِ.
وكذلك لو اسْتَأْجَرَ المالِكُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ مِن مُسْتَأْجِرِها، جازَ. فعلى هذا، يكونُ الأجْرُ باقِيًا على المُشْتَرِي، وعليه الثَّمَنُ، ويَجْتَمِعانِ للبائِعِ، كما لو كان المُشْتَرِي غيرَه.
والثاني، تَبْطُلُ الإجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّه عَقَدَ على مَنْفَعَةِ العَينِ، فبَطَلَ بمِلْكِ العاقِدِ الرَّقَبَةَ، كما لو تَزَوَّجَ أمَةً ثم اشْتَراها، بَطَل نِكاحُه، ولأنَّ مِلكَ الرَّقَبةِ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإِجارَةِ، فمَنَعَ اسْتِدامَتَها، كالنِّكاحِ. فعلى هذا، يَسْقُطُ عن المُشْتَرِي الأجْرُ فيما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الإِجارَةِ، كما لو بَطَلَتِ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ.
وإن كان المُؤْجِرُ قد قَبَض الأجْرَ كُلَّه، حَسَبَه عليه مِن الثَّمَنِ إن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ.
فصل:[وإن وَرِثَ] المُسْتَأْجِرُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ، فالحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراها، في بُطْلانِ الإِجارَةِ وبَقائِها.
فلو اسْتَأْجَرَ إنْسانٌ مِن أبِيه دارًا، ثم مات الأبُ وخَلَفَ ابْنَينِ، أحَدُهما المُسْتَأْجِرُ، فالدّارُ بينهما نِصْفَينِ، والمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بمَنْفَعَتِها؛ لأنَّ النِّصْفَ الذي لأخِيه الإِجارَةُ باقِيَةٌ فيه، والنِّصْفَ الذي وَرِثَه يَسْتَحِقُّه،
إمّا بحُكْمِ المِلْكِ أو بحُكْمِ الإِجارَةِ، وما عليه مِن الأُجْرةِ بينهما نِصْفَينِ.
فإن كان أبُوه قد قَبَض الأجْرَ، لم يَرْجِعْ على أخِيه بشيء منه، ولا على تَرِكَةِ أبِيه، ويكونُ ما خَلَفَه أبُوه بينهما نِصْفَينِ؛ لأنَّه لو رَجَع بشيءٍ أفْضَى إلى أن يكونَ قد وَرِثَ النِّصْفَ بمَنْفَعَتِه، وَوَرِثَ أخُوه نِصْفًا مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، واللهُ سُبْحانَه قد سَوَّى بينَهُما في المِيراثِ. ولأنَّه لو رَجَع بنِصْفِ أجْرِ النِّصْفِ الذي انْتَقَضتِ الإِجارَةُ فيه، لوَجَبَ أن يَرْجِعَ أخُوه بنِصْفِ المَنْفَعَةِ التي بَطَلَتِ الإِجارَةُ فيها، إذ لا يُمْكِنُ أن يُجْمَعَ له بينَ المَنْفَعَةِ وأخْذِ عِوَضِها مِن غيرِه.
فصل: فإنِ اشْتَرَى المُسْتَأْجِرُ العَينَ، فوَجَدَها مَعِيبةً، فرَدَّها،
فإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بالبَيعِ. فهي باقيةٌ بعدَ رَدِّ العَينِ كما كانتْ قبلَ البَيعِ.
وإن قُلْنا: قد انْفَسَخَتْ. فالحُكْمُ فيها كما لو انْفَسَخَتْ بتَلَفِ العَينِ.
فإن كان المُشْتَرَى أجْنَبيًّا، فرَدَّ المُسْتَأْجِرُ الإِجارَةَ لِعَيبٍ، فيَنْبَغِي أن تَعُودَ المَنْفَعَةُ إلى البائِعِ؛ لأَنَّه يَسْتَحِقُّ عِوَضَها على المُسْتَأجِرِ،
وإذا سَقَط العِوَضُ، عاد إليه المُعَوَّضُ. ولأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَك العَينَ مَسْلُوبةَ المَنْفَعةِ مُدَّةَ الإجارَةِ، فلا يَرْجِعُ إليه، ما لم يَمْلِكْهُ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرْجِعُ إلى المُشْتَرِي؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ تابِعَةٌ للرَّقَبةِ، وإنَّما اسْتُحِقَّتْ بعَقْدِ الإِجارَةِ،
فإذا زالتْ، عادَتْ إليه، كما لو اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجةً فطَلَّقَها الزَّوْجُ.
قال شيخُنا : ولا يَصِحُّ هذا القِياسُ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ البُضْعِ قد اسْتَقَرَّ عِوَضُها للبائِعِ بمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بها، ولا يَنْقَسِمُ العِوَضُ على المُدَّةِ، ولهذا لا يَرْجِعُ الزَّوجُ بشيءٍ مِن الصَّداقِ فيما إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ أو وَقَع الطلاقُ،
بخِلافِ الأجْرِ في الإِجارَةِ، فإنَّ المُؤْجِرَ يَسْتَحِقُّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ مَقْسُومًا على مُدَّتِها،
فإذا كان له عِوَضُ المَنْفَعَةِ المُسْتَقْبَلَةِ. فزال بالفَسْخِ، رَجَع إليه مُعَوِّضُها، وهو المَنْفَعَةُ. ولأنَّ مَنْفَعةَ البُضْعِ لا يجوزُ أن تُمْلَكَ بغيرِ مِلْكِ الرَّقَبةِ أو النِّكاحِ،
فلو رَجَعَتْ إلى البائعِ، لمُلِكَتْ بغيرِهما. ولأنَّها ممّا لا يجوزُ للزَّوْجِ نَقْلُها إلى غيرِه ولا المُعاوَضَةُ عنها، ومَنْفَعةُ البَدَنِ بخِلافِها.
فصل: وإذا وقَعَتِ الإِجارَةُ على عَين، كمَن اسْتَأْجَرَ عَبْدًا للخِدْمَةِ، أو للرَّعْي، فتَلِفَ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وقد ذَكَرْناه.
وإن خَرجَتِ العَينُ مُسْتَحَقَّةً، تَبَينا أنَّ العَقْدَ باطِلٌ.
وإن وَجَد بها عَيبًا فرَدَّها، انْفَسَخَ العَقْدُ أيضًا، ولم يَمْلِكْ إبْدالها؛ لأنَّ العَقْدَ على مُعَيَّن، فتَثْبُتُ هذه الأحكامُ، [كما لو] اشْتَرَى عَينًا.
وإن وَقَعَتْ على عَين مَوْصُوفةٍ في الذِّمَّةِ، انْعَكَسَتْ هذه الأحْكامُ، فمتى سَلَّمَ إليه عَينًا فتَلِفَتْ، أو خَرَجَتْ مَغْصُوبةً، أو وَجَد بها عَيبًا، فرَدَّها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، ولَزِمَ المُؤْجِرَ إبْدالُها، لأنَّ المَعْقُودَ عليه غيرُ هذه العَينِ، وهذه بَدَلٌ عنه، فلم يُؤَثِّرْ ذلك في إبْطالِ العَقْدِ، كما لو اشْتَرَى بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، على ما قُرِّرَ في مَوْضِعِه.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُمْ في مَن اكْتَرَى جَمَلًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَه مَن هو مِثْلُه.
ولو اكْتَرَى أرْضًا لِزَرْعِ شيءٍ بعَينِه، جازَ له زَرْعُ ما هو مِثْلُه أو دُونَه في الضَّرَرِ. فِلم قُلْتُم: إذا اكْتَرَى جَمَلًا بعَينه لا يجوزُ أن يُبْدِلَه؟ قلنا: المَعْقُودُ عليه مَنْفَعَةُ العَينِ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيزَ المَعْقُودِ عليه، كما لو اشْتَرَى عينًا، لا يَجُوزُ أن يَأْخُذَ غيرَها، والراكِبُ غيرُ مَعْقُودٍ عليه، إنَّما هو مُسْتَوْفٍ لِلْمَنْفَعةِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه لِتُقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، لا لِكَوْنِه مَعْقُودًا عليه.
وكذلك الزَّرْعُ في الأرْضِ، فإنَّما يُعَيَّنُ لِيُعْرَفَ به قَدْرُ المَنْفَعَةِ المُسْتَوْفاةِ، فيَجُوزُ الاسْتِيفاءُ بغَيرِها، كما لو وَكَّلَ المُشْتَرِي غيرَه في اسْتِيفاءِ المَبيعِ، ألا تَرَى أنَّه لو تَلِفَ البَعِيرُ أو الأرْضُ انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ،
ولو ماتَ الرّاكِبُ أو تَلِفَ البَذْرُ لم تَنْفَسِخْ، وجازَ أن يَقُومَ غيرُه مَقامَه، فافتَرَقا.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ولا ضَمانَ على الأجيرِ الخاصِّ، وهو الذي يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ فيما تَلِفَ في يَدِه) [بغيرِ تَفْرِيطٍ] (إلَّا أن يَتَعَدَّى) وجُملةُ ذلك، أنَّ الأجِيرَ على ضَرْبَينِ؛ خاصٌّ، ومُشْتَرَكٌ. فالخاصُّ: الذي يَقَعُ العَقْدُ عليه في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ نَفْعَه في جَمِيعِها، كمَن اسْتُؤْجِرَ لخِدْمةٍ، أو خِياطَةٍ، أو رِعايةٍ، شَهْرًا أو سَنَةً، سُمِّيَ خاصًّا؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَخْتَصُّ بنَفْعِه في تلك المُدَّةِ دُونَ سائِرِ الناسِ. والمُشْتَرَكُ: الذي يَقَعُ العَقْدُ معه على عَمَل مُعَيَّنٍ، كخِياطةِ ثَوْبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ، وحَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ، أو على عَمَلٍ في مُدَّةٍ لا يَسْتَحِق جَمِيعَ نَفْعِه فيها، كالكَحّالِ والطَّبِيبِ، سُمِّيَ مُشْتَرَكًا؛
لأنَّه يَتَقَبَّلُ أعمالًا لاثْنَينِ وأكْثَرَ في وَقْتٍ واحدٍ، ويَعْمَلُ لهم، فيَشْتَرِكونَ في مَنْفَعَتِه، فسُمِّى مُشْتَرَكًا؛ لاشْتراكِهم في مَنْفَعَتِه.
فأمّا الأجِيرُ الخاصُّ، فلا ضَمانَ عليه ما لم يَتَعَدَّ. قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا في رَجُلٍ أمَرَ غُلامَه يَكِيلُ لرَجُلٍ بَزْرًا، فسَقَطَ الرَّطْلُ مِن يَدِه فانْكَسَرَ: لا ضَمان عليه. فَقِيلَ: ألَيسَ هو بمَنزِلَةِ القَصّارِ؟ قال: لا، القَصّارُ مُشْتَرَكٌ. قيلَ: فرَجُلٌ اكْتَرَى رَجُلًا يَسْتَقِي ماءً فكَسَرَ الجَرَّةَ؛ فقال: لا ضَمانَ عليه.
قيلَ له: فإنِ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْرُثُ له على بَقَرةٍ، فكَسَرَ الذي يَحْرُثُ به؟ قال: فلا ضَمانَ عليه. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِه، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. وله قولٌ آخَرُ، أنَّ جَمِيعَ الأجَراءِ يَضْمَنُونَ، ورَوَى في مُسْنَدِه أنَّ عَلِيًّا كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ، ويقولُ: لا يُصْلِحُ الناسَ إلَّا هذا. ولَنا، أنَّ عَمَلَه غيرُ مَضْمُونٍ عليه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصاصِ، وقَطْعِ يَدِ السّارِقِ. وخَبَرُ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ،
والصَّحِيحُ فيه أنَّه كان يُضَمِّنُ الصَّبّاغَ والصَّوَاغَ،
وإن رُوِيَ مُطْلَقًا حُمِلَ على هذا،
فإنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. ولأنَّ الأجِيرَ الخاصَّ نائِبٌ عن المالِكِ في صَرْفِ مَنافِعِه إلى ما أمَرَه به، فلم يَضْمَنْ مِن غيرِ تَعَدٍّ، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ.
فأمّا ما تَلِفَ بتَعَدِّيه، فعليه ضَمانه، مثلَ الخَبّازِ الذي يُسْرِفُ في الوَقُودِ، أو يَلْزَقُه قبلَ وَقْتِه، أو يَتْرُكُه بعدَ وَقتِه حتى يَحْتَرِقَ؛ لأَنه تَلِفَ بتَعَدِّيه، فضَمِنَ، كغيرِ الأجِيرِ.
فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ أجِيرًا خاصًّا، كالخَيّاطِ في دُكّانٍ يَسْتَأْجِرُ أجيرًا مُدَّةً يَسْتَعْمِلُه فيها، فتَقَبَّلَ صاحِبُ الدُّكّانِ خِياطَةَ ثَوْبٍ، ودَفَعَه إلى أَجيرِه فخَرَقَه أو أفْسَدَه، لم يَضْمَنْه، لأنَّه أجِيرٌ خاصٌّ، ويَضْمَنُه صاحِبُ الدُّكّانِ، لأنَّه أجِيرٌ مُشْتَرَكٌ.
٢٢١٢ - مسألة: (ويَضْمَنُ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ ما جَنَتْ يَدُه، مِن تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وغَلَطِه في تَفْصِيلِه) قد ذَكَرْنا أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ هو الصّانِعُ الذي لا يَخْتَصُّ المُسْتَأْجِرُ بنَفْعِه، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُه، فالحائِكُ إذا أفْسَدَ حِياكَتَه ضامِنٌ لِما أفْسَدَ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. والقَصّارُ ضامِنٌ لِما يَتَخَرَّقُ مِن دَقِّه أو مَدِّه أو عَصْرِه أو بَسْطِه. والطّبّاخُ ضامِنٌ لِما أفْسَدَ مِن طَبِيخِه. والخَبّازُ ضامِن لِما أفْسَدَ مِن خُبْزِه. والحَمّال يَضْمَنُ ما سَقَطَ مِن حِمْلِه عن دابَّتِه، أو تَلِفَ مِن عَثْرَتِه.
والجَمّالُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ بقَوْدِه وسَوْقِهِ، وانْقِطاعِ حَبْلِه الذي يَشُدُّ به حِمْلَه. والمَلَّاحُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ مِن مَاه، أو جَذْفِه، أو ما يُعالِجُ به السَّفِينَةَ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، و [عبدِ الله] بنِ عُتْبةَ، وشرَيحٍ، والحَسَنِ، والحَكَمَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَضْمَنُ ما لم يَتَعَدَّ. قال الرَّبِيعُ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ،
وإن لم يَبُحْ به. رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وزُفَرَ؛ لأنَّها عَين مَقْبُوضةٌ بعَقْدِ الإجارَةِ، فلم تَصِرْ مَضْمُونةً، كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ. ولَنا، ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الصّبّاغَ والصَّوّاغَ،
وقال: لا يَصْلُحُ الناسُ إلَّا على ذلك . ورَوَى الشافعيُّ بإسْنادِه عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ ويَقُولُ: لا يُصْلِحُ النّاسَ إلَّا هذا . ولأنَّ عَمَلَ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ مَضْمُون عليه، فما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أن يكونَ مَضْمُونًا، كالعُدْوانِ بقَطْعِ عُضْوٍ،
بخِلافِ الأجِيرِ الخاصِّ. والدَّلِيلُ على أنَّ عَمَلَه مَضْمُونٌ عليه، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَمَلِ،
وأنَّ الثَّوْبَ لو تَلِفَ في حِرْزِه بعدَ عَمَلِه، لم يَكُنْ له أجْر فيما عَمِلَ فيه، وكان ذَهَابُ عَمَلِه مِن ضَمانِه،
بخِلافِ الخاصِّ، فإنَّه إذا أمْكَنَ المُسْتَأْجِرَ مِن اسْتِعمالِه، اسْتَحَقَّ العِوَضَ بمُضِيِّ المُدَّةِ وإن لم يَعْمَل، وما عَمِلَ فيه مِن شيءٍ فتَلِفَ مِن حِرْزِه، لم يَسْقُطْ أجْرُه بِتَلَفِه. فصلِ: ذَكَر القاضِي أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ إنَّما يَضْمَنُ إذا كان يَعْمَلُ في مِلْكِ نفْسِه، [مثلَ الخَبّازِ] يَخْبِزُ في تَنُّورِه، والقَصّارِ والخَيّاطِ في دُكَّانَيهِما،
قال: ولو دَعَا الرجلُ خَبّازًا فخَبَزَ له في دارِه، أو خَيّاطًا أو قَصّارًا لِيَقْصِرَ ويَخِيطَ عندَه، لا ضَمانَ عليه فيما أتْلَفَ، ما لم يُفَرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فصار كالأجِيرِ الخاصِّ.
قال : ولو كان صاحِبُ المتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفِينَةِ، أو راكِبًا على الدّابّةِ فوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، لا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكارِي؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتَاعِ لم تَزُلْ.
ولو كان رَبُّ المَتاعِ والحَمّالُ راكِبَينِ على الحِمْلِ، فتَلِفَ حِمْلُه، لم يَضْمَنِ الحَمّالُ؛ لأنَّ رَبَّ المَتاعِ لم يُسَلِّمْه إليه. ومَذْهَبُ مالكٍ والشافعيِّ نحوُ هذا. قال أصحابُ الشافعيِّ: لو كان العَمَلُ في دُكّانِ الأجِيرِ، والمُسْتَأْجِرُ حاضِرٌ، أو اكْتَراهُ لِيَعْمَلَ له شيئًا وهو معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ يَدَه عليه، فلم يَضمَنْ مِن غيرِ جِنايَةٍ،
ويَجِبُ له أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّ يَدَه عليه، فكُلَّما عَمِلَ شيئًا صار مُسَلَّمًا إليه. وظاهِرُ كلامَ الخِرَقِيِّ أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُسْتَأْجِرِه، أو كان صاحِبُ العَمَلِ حاضِرًا عنده أو غائِبًا، أو كَوْنِه مع المَلَّاحِ أو الحَمّالِ أوْ لا،
وكذلك قال ابنُ عَقِيل: ما تَلِفَ بجِنايَةِ المَلَّاحِ بجَذْفِه، أو بجِنايةِ المُكارِي بِشَدِّه المَتاعَ، ونحوه، فهو مَضمُونٌ عليه، سواءٌ كان صاحِبُ المَتاعِ معه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ عليه لِجنايَةِ يَدِه، فلا فَرْقَ بينَ حُضُورِ المالِكِ وغَيبَتِه، كالعُدْوانِ، ولأنَّ جِنايَةَ الحَمّالِ والمَلَّاحِ إذا كان صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا معه تَعُمُّ المتاعَ وصاحِبَه، وتَفْرِيطَه يَعُمُّهُما، فلم يُسْقِطْ ذلك الضَّمَانَ، كما لو رَمَى إنسانًا مُتَتَرِّسًا فكَسَرَ تُرْسَه وقَتَلَه، ولأنَّ الطَّبِيبَ والخَتّانَ إذا جَنَتْ يَداهُما، ضَمِنا مع حُضُورِ المُطَبَّبِ والمَخْتُونِ.
وقد ذَكَرَ القاضِي، أنَّه لو كان حَمّالٌ يَحْمِلُ على رَأْسِه ورَبُّ المتاعِ معه، فعَثَرَ، فسَقَطَ المَتاعُ فتَلِفَ، ضَمِنَ،
وإن سُرِق، لم يَضْمَنْ، لأنَّه في العِثارِ تَلِف بجِنايَتِه، والسَّرِقَةُ ليست مِن جِنايَتِه، ورَبُّ المالِ لم يَحُلْ بينه وبينه. وهذا يَقْتَضِي أنَّ تَلَفَه بجِنايَتِه مَضْمُونٌ عليه، سواء حَضَر رَبُّ المالِ أو غاب، بل وُجُوبُ الضَّمانِ في محَلِّ النزاع أوْلَى؛ لأنَّ الفِعْلَ في ذلك المَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفاعِلِه، والسَّقْطَةُ مِن الحَمّالِ غيرُ مَقْصودةٍ له،
فإذا وَجَب الضَّمانُ ههُنا، فثَمَّ أوْلَى. فصل: وذَكَر القاضِي أنَّه إذا كان المُسْتَأْجَرُ على حَمْلِه عَبِيدًا، صِغارًا أو كِبارًا، فلا ضَمانَ على المُكارِي فيما تَلِفَ مِن سَوْقِه وقَوْدِه، إذ لا يَضْمَنُ بَنِي آدَمَ مِن جهَةِ الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ. والأوْلَى وُجُوبُ الضَّمانِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ههُنا مِن جِهَةِ الجِنايَةِ، فوَجَبَ أن يَعُمَّ بَنِي آدَمَ وغيرَهم، كسائِرِ الحَيواناتِ، وما ذَكَرَه يَنْتَقِضُ بجِنايَةِ الطَّبِيبِ والخاتِنَ.
٢٢١٣ -
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ) أَيْ يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مُدَّةً مَعْلُومَةً يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ نَفْعَهُ فِي جَمِيعِهَا سِوَى فِعْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا بِسُنَنِهَا، وَصَلَاةِ جُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، وَلَا يَسْتَنِيبُ وَسُمِّيَ خَاصًّا لِاخْتِصَاصِ الْمُسْتَأْجِرِ بِنَفْعِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ،
وَقِيلَ: هُوَ مَنْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ مُبَاحٍ (فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ) الْجَارُّ وَمَجْرُورُهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْقَصَاصِ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمَالِكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْوَكِيلِ (إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أَشْبَهَ الْغَاصِبَ. قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ تَفْرِيطٍ،
وَمِثْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " بِالْخَبَّازِ إِذَا أَسْرَفَ فِي الْوَقُودِ، أَوْ أَلْزَقَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، أَوْ بِتَرْكِهِ بَعْدَ وَقْتِهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
[يَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ] (وَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ) وَهُوَ مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِعَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ، وَسُمِّيَ مُشْتَرَكًا ; لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَعْمَلُ لَهُمْ فَيَشْتَرِكُونَ فِي مَنْفَعَتِهِ كَالْحَائِكِ، وَالْقَصَّارِ، وَالطَّبَّاخِ، وَالْحَمَّالِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ ضَامِنٌ (مَا جَنَتْ يَدُهُ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إِلَّا بِالْعَمَلِ،
وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ
بِخِلَافِ الْخَاصِّ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ،
وَظَاهِرُهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ فِي بَيْتِهِ، أَوْ بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمَتَاعِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَجَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ ضَمَانَهُ لِجِنَايَتِهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ عَمَلُهُ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ،
فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي مُلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا.
فَصْلٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأجِيرِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ ولا ضَمانَ على الأجيرِ الخَاصِّ؛ وهو الذي يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتَأجِرِ -يعْنِي، لعَمَل مَعْلومٍ مُباحٍ- فيما يتْلَفُ بيَدِه. فقَوْلُ المُصَنفِ في حدِّه: هو الذي نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ، إلَّا أنْ يَتَعَدَّى.
يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ. هو أحدُ الوَجْهَين. ذكَرَهما في «الرِّعايةِ الصُّغْرى». وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الأَجيرَ الخاصَّ؛ هو الذي يُؤْجِرُ نَفْسَه مُدَّةً مَعْلومَةً، يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ نفْعَها في جَميعِها، سواء سلَّم نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ أوْ لا. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغْرى». والذي يَظْهَرُ لي، أنَّ المَسْأْلةَ قَوْلٌ واحِدٌ،
وأنَّ صاحِبَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرِّعايةِ الصُّغْرَى» رأَى بعضَهم ذكَر العِبارَةَ الأُولَى، وذكَر بعضُهم العِبارَةَ الثَّانيةَ، فظَن أنَّهما قَوْلان. والعُذْرُ لمَن قال: هو الذي يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتأْجِرِ. أنَّه الواقِعُ في الغالِبِ، فأناطَ الحُكْمَ للغالِبِ،
لا أنَّ الذي يُؤجِرُ نَفْسَه مُدَّةً ولم يُسَلِّمْها إلى المُسْتَأْجِرِ لا يُسَمَّى أجِيرًا خاصًّا،
فإنَّ المَعنَى الذي سُمِّيَ به يشْمَلُه. إلَّا أنْ يُعْثَرَ على أحدٍ مِنَ الأصحابِ بيَّن ذلك، وذكَر عِلَّةَ كل قَوْلٍ. إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يضْمَنُ ما تَلِفَ بيَدِه بشَرْطِه. نصَّ عليه.
قال في «الفُروعِ»: لا يضْمَنُ جِنايَتَه في المَنْصوصِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى». قال الزَّرْكَشِيُّ: وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ جماعَةٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يضْمَنُ. اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ»، وحكَى فيه عن أحمدَ رِوايَةً بتَضْمِينِه ما تَلِفَ بأمْر خَفِيٍّ لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِه، كما يأْتِي في الأجيرِ المُشْتَرَكِ،
وقال فيه: لا يضْمَنُ ما هلَك بغيرِ فِعْلِه، قوْلًا واحدًا، إذا كانتْ في بَيتِ المُسْتَأْجِرِ.
وقال: لا فَرْقَ بينَ الأجيرِ الخاصِّ والمُشْتَركِ.
تنبيه: قولُه: إلَّا أنْ يتَعَدَّى.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم: إلَّا أنْ يَتَعَمَّدَ.
وقال جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم ابنُ حَمْدانَ في «رِعايَتَيه»: إلَّا أنْ يَتَعمَّدَ أو يُفرِّطَ.
فائدتان؛ إحْداهما، ليس له أنْ يَسْتَنِيبَ فيما يعْمَلُه، وله فِعْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في أوْقاتِها بسُنَنِها، وصلاةُ الجُمُعَةِ، والعيدِ. الثَانيةُ، ليس له أنْ يعْمَلَ لغيرِه في مُدَّةِ المُسْتَأْجِرِ،
فإنْ عَمِلَ وأضَرَّ بالمُسْتَأْجِرِ، فله قِيمَةُ ما فوَّتَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرَى».
وقيل: يرْجِعُ بقِيمَةِ وَيَضْمَنُ الأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ؛ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ.
ما عَمِلَه لغيرِه. وهو احْتِمالٌ في «الرِّعايةِ».
وقال القاضي: يرْجِعُ بالأُجْرَةِ التي أخَدها مِن غيرِ مُسْتَأْجرِه. ويَضْمَنُ الأَجيرُ المُشْتَرَكُ ما جَنَتْ يَدُه؛ مِن تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وغَلَطِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في تَفْصِيلِه. الأجِيرُ المُشْتَرَكُ؛ هو الذي يقَعُ العَقْدُ معه على عَملٍ مُعَيَّنٍ، فيَضْمَنُ ما جنَتْ يَدُه؛ مِن تخْريقِ الثَّوْبِ، وغلَطِه في تَفْصِيلِه، وزَلْقِ الحِمالِ، والسُّقوطِ عن دابَّتِه.
وكذا الطَّبَّاخُ، والخَبَّازُ، والحائِكُ، وملَّاحُ السَّفِينَةِ، ونحوُهم. ويَضْمَنُ أيضًا ما تَلِفَ بفِعْلِه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه في رِوايةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ مَنْصُورٍ. وجزَم به في «المُحَررِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَورِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وصرح به القاضي في «التَّعْليقِ»، في أثْناءِ المَسْأَلةِ، وابنُ عَقِيلٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقيل: لا يضْمَنُ ما لم يَتَعَدَّ. وهو تَخْرِيجٌ لأبِي الخَطَّابِ.
قلتُ: والنَّفْسُ تَمِيلُ إليه. وقيل: إنْ كان عمَلُه في بَيتِ المُسْتَأْجِرِ، أو يَدُه عليه، لم يَضْمَنْ، وإلا ضَمِنَ. اخْتارَه القاضي، وأصحابُه. قاله في وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ، أوْ بِغَيرِ فِعْلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ.
«الكافِي». ونَقلَه في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والتِّسْعِين» عنِ القاضِي، واقْتصَرَ عليه، وذكَر القاضي أيضًا في تَضْمينِه ثَلاثَ رِواياتٍ؛ الضَّمانُ، وعدَمُه، والثَّالِثَةُ، لا يضْمَنُ، إذا كان غيرَ مُسْتَطاعٍ، كزَلْقٍ ونحوه. قلتُ: وهذا قَويٌّ.
فصل [في ضمان الأجير] قال المصنف رحمه الله: (ولا ضمان على الأجير الخاص - وهو: الذي يسلم نفسه إلى المستأجر- فيما يتلف في يده إلا أن يتعدى. ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله. ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أجرة له فيما عمل فيه. وعنه: يضمن) .
أما كون الأجير الخاص لا ضمان عليه فيما يَتلف في يده مع عدم التعدي منه فيما عمله؛ كرجل اكترى آخر ليسقي له ماء فانكسرت الجرة، أو ليكيل له فسقط من يده الكيل فانكسر، ونحو ذلك؛ فلأنه غير متعد. أشبه تلف الوديعة.
وأما كون الضمان عليه مع التعدي؛ مثل: أن يتعمد كسر الجرة، أو يكون خبازاً فيسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه أكثر من وقته حتى يحترق؛ فلأنه متعد. أشبه الغاصب.
وأما كون الأجير المشترك يضمن ما جنت يده من تخريق الثوب، وغلطه في تفصيله؛ فلما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي «أنه كان يُضَمِّنُ الصباغ والصواغ. وقال: لا يُصلح الناسَ إلا ذلك» .
ولأن الأجير المشترك عمله مضمون عليه دليله أنه لا يستحق الأجرة إلا بعمله فما تولد منه يجب أن يكون مضموناً؛ كالجناية على عضوٍ ظلماً.
ولأنه قبض العين لمنفعته فكان ضامناً لها؛ كالمستعير.
وأما كونه لا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله على المذهب؛ فلأن العين في يده أمانة. أشبه المودع.
وأما كونه يضمن ذلك على روايةٍ؛ فلما تقدم من حديث علي.
وأما كونه لا أجرة له فيما عمله؛ فلأن الأجرة لما يعمله الأجير المشترك لا يستحق إلا بالتسليم، وقد فات هنا فيفوت ما هو مرتب عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.