فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

باب الوَدِيعَةِ والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛

١٩٬٤٣٤

وأمّا السُّنَّةُ فقولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمانَةَ إلَى مَنِ ائتْمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذيُّ ،

١٩٬٤٣٥

وقال: حدِيثٌ حسنٌ. ورُوِيَ عنه، عليه الصَّلاةُ والسلامُ، أنَّه كانت عندَه ودائِعُ، فلَمّا أراد الهِجْرَةَ أوْدَعَها عندَ أمِّ أيمَنَ، وأمَرَ عليًّا أن يَرُدَّها على أهْلِها .

١٩٬٤٣٦

وأمّا الإجْماعُ، فأجْمَعَ عُلَماءُ كلِّ عَصْر على جَوازِ الإيداعِ والاسْتِيداعِ، والعِبْرَةُ تَقْتَضِيها؛ لحاجَةِ النّاسِ إليها، فإنَّه يَتَعَذَّر على جَمِيعِهم حِفْظُ أمْوالِهم بأنْفُسِهم، ويَحْتاجُون إلى مَن يَحْفَظُها لهم. والوَدِيعَةُ فَعِيلة، مِن وَدَع الشيءَ: إذا تَرَكَه، أي هي مَتْرُوكَة عندَ المُودَعِ. واشْتِقاقُها بِن السُّكُونِ. يُقالُ: وَدَع، يَدَعُ. فكأنَّها ساكِنَة عندَ المُودَعِ مُسْتَقِرة.

١٩٬٤٣٧

وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن الحِفْظِ والدَّعَةِ، فكأنَّها في دَعة عندَ المُودَعِ. وقَبُولُها مُسْتَحبٌّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه الأمانَةَ؛ لأنَّ فيه قَضاءَ حاجَةِ أخِيه المُؤمِنِ ومُعاوَنَتَه. وهي عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، متى أراد المُودِعُ أخْذَ وَدِيعَتِه لَزِم المُسْتَوْدَعَ رَدُّها؛ للآيَةِ.

١٩٬٤٣٨

وإن رَدَّها المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه التَّبرُّعُ في المُستقْبَلَ. ٢٤٣٢ - مسألة: (وهي أمانَةٌ لا ضَمانَ عليه فيها، إلَّا أن يَتَعَدَّى. وإن تَلِفَتْ منِ بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَدِيعَةَ أمانة، إذا تَلِفَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ ولا تفْرِيطٍ مِن المُودَعِ، فليس عليه ضَمان، سَواءٌ ذَهَب معها شيءٌ مِن مالِ المُودَع أو لم يَذهَبْ. هذا قولُ أكْثرِ أهلَ العِلْمَ.

رُوِيَ ذلك عن أبي بكر، وعليٍّ، وابنَ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي. وعن أحمدَ رِوايَة، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعَة مِن بينِ مالِه ضَمِنَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّه ضَمَّنَ أنَسَ بنَ مالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه . قال القاضي: والأوَّل أصَحُّ؛ لأنَّ الله تعالى سَمّاها أمانَةً، والضَّمان يُنافِي الأمانَةَ. وروَى الدّارَقطنيُّ ، لأنَّ عمرِو بنِ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَيسَ عَلَى الْمُودَعِ ضَمَان».

[ولأن المسْتَوْدَعَ مؤتَمَنٌ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف مِن غيرِ تَعَدِّيه ولا تَفْرِيطِه، كما لو ذَهَبَت مع مالِه]، ولأنَّ المسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَطها لصاحِبِها متَبَرِّعًا، مِن غيرِ نَفعٍ يَرْجِع إليه،

١٩٬٤٣٩

فلو لَزِمَه الضَّمان لامْتَنَعَ النّاس مِنِ الاسْتِيداعِ، وذلك مضِرٌّ؛ لِما بَيَّناه مِن الحاجَةِ إليها. وما رُوِيَ عن عُمَرَ مَحْمولٌ على التَّفْرِيطِ مِن أنَسٍ في حِفْظِها، فلا ينافِي ما ذَكَرْناه.

١٩٬٤٤٠

فإن تَعَدَّى المُودَع فيها، أو فَرَّطَ في حِفظِها، ضَمِنَها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه مُتْلِف لمالِ غيره، فضَمِنَه، كما لو أتْلَفَه مِن غير اسْتِيداع.

١٩٬٤٤١

فصل: فإن شَرَط المُودِعُ على المُسْتَوْدَعِ ضَمانَ الوَدِيعَةِ، فقَبِلَه، أو قال: أنا ضامِنٌ لها. لم يَضْمَنْ. قال أحمدُ في المُودَعِ: إذا قال: أنا ضامِنٌ. فسُرِقَتْ، فلا شيءَ عليه.

١٩٬٤٤٢

وكذلك كلُّ ما أصْلُه الأمانةُ، كالمُضارَبَةِ، ومالِ الشَّرِكَةِ، والرَّهْنِ، والوَكالةِ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لأنَّه شَرَط ضَمانَ ما لم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَط ضَمانَ ما يَتْلَفُ في يَدِ مالِكِه.

٢٤٣٣ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

بَابُ الْوَدِيعَةِ][ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ][الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ] ِ الْوَدِيعَةُ وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إِذَا تَرَكَهُ، أَيْ هِيَ مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ،

١٣٬٢٢٠

وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدَّعَةِ، فَكَأَنَّهَا عِنْدَ الْمُودَعِ غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ لِلِانْتِفَاعِ،

١٣٬٢٢١

وَقِيلَ: مِنْ وَدَعَ الشَّيْءُ يَدَعُ إِذَا سَكَنَ، فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِعَيْنٍ تُوضَعُ عِنْدَ آخَرَ لِيَحْفَظَهَا، فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي الْحِفْظِ، فَيُعْتَبَرُ أَرْكَانُهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنَّهَا تَوْكِيلٌ فِي حِفْظِ مَمْلُوكٍ، أَوْ مُحْتَرَمٍ مُخْتَصٍّ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِجْمَاعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} مَعَ السُّنَّةِ الشَّهِيرَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا؛

لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ حِفْظُ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ.

١٣٬٢٢٢

وَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا لِمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا، وَتُكْرَهُ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِرِضَى رَبِّهِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتٍ، وَجُنُونٍ، وَعَزْلٍ مَعَ عِلْمِهِ،

١٣٬٢٢٣

فَإِنْ بَطَلَتْ بَقِيَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً يُؤَدِّيهِ إِلَى مَالِكِهِ،

١٣٬٢٢٤

فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَهَدَرٌ،

١٣٬٢٢٥

وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ فَوَجْهَانِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيدَاعُ وَالِاسْتِيدَاعُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَتَبَرُّعِهِ بِهِ. (وَهِيَ أَمَانَةٌ)

١٣٬٢٢٦

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» ، رَوَاهُ ابْنُ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا،

١٣٬٢٢٧

فَلَوْ ضُمِنَتْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَذَلِكَ مُضِرٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا (إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) فَيَضْمَنَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

باب الوديعة] والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، وقوله تعالى:{فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته}.

٨٬٧٦٠

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنكَ، ولا تَخُنْ منْ خَانَكْ». رواه أبو داود والترمذي.

٨٬٧٦١

وقال: حديث حسن.

وأما الإجماع فأجمع المسملون في الجملة على جواز الإيداع والاستيداع.

٨٬٧٦٢

وأما المعنى؛ فلأن بالناس حاجة إليها؛ لأنهم يتعذر عليهم حفظ جميع أموالهم بأنفسهم.

قال المصنف رحمه الله: (وهي أمانة. لا ضمان عليه فيها. إلا أن يتعدى) .

٨٬٧٦٣

أما كون الوديعة أمانة؛ فلأن الله تعالى سماها أمانة.

٨٬٧٦٤

وأما كون المودَع لا ضمان عليه فيها إذا لم يتعد؛ فلأن الضمان ينافي الأمانة، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«منْ أَودعَ وَديعةً فلا ضَمانَ عليه» رواه ابن ماجة.

ولأنه قول جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.

ولأن المستودَع إنما يحفظها لصاحبها،

٨٬٧٦٥

فلو ضُمِنَت لامتنع الناس من قبول الودائع وذلك مضر؛ لما فيه من مسيس الحاجة إليها.

٨٬٧٦٦

وأما كونه عليه الضمان إذا تعدى؛ فلأن التعدي يوجب الضمان حيث وجد، وقد وجد هنا.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.