وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً
الشروح عليها
مسألة: (ويَجِبُ على المسلمِ ضِيافَةُ المسلمِ المُجْتازِ به يومًا وليلةً، فإن أبَى فلِلضَّيفِ طَلَبُه به عندَ الحاكمِ) قال أحمدُ: الضِّيافَةُ على المسلمين، كلُّ مَن نزلَ به ضَيفٌ كان عليه أن يُضِيفَه. قيل: إن ضافَ الرّجُلَ ضَيفٌ كافِرٌ [يُضِيفُه؟ قال]: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». [وهذا الحديثُ بَيِّنٌ]،
ولمَّا أضافَ المشركَ دَلَّ على أنَّ المسلمَ [والمشركَ] يُضافُ، وأنا أراه كذلك. والضِّيافَةُ معناها معنى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ على المسلمِ والكافرِ. واليومُ والليلةُ حَقٌّ واجبٌ.
وقال الشافعيُّ: ذلك مُسْتَحَبٌّ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّه غيرُ مُضْطَرٍّ إلى طعامِه، فلم يجِبْ عليه بَذْلُه، كما لو لم يُضِفْه. ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن الحديثِ، وروَى المِقْدامُ أبو كَرِيمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ واجِبٌ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنَائِهِ، فَهُوَ دَينٌ عَلَيهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى، وإنْ شَاءَ تَرَكَ». حدِيثٌ صَحِيحٌ .
وفي لفظٍ: «أيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيفُ مَحْرُومًا، فإنَّ نَصْرَهُ [حَقٌّ] عَلَى كُلِّ مُسْلمٍ، حتى يَأْخُذَ بِحَقِّه مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ». رَوَاه أبو داودَ . والواجبُ يومٌ ولَيلَةٌ، والكمالُ ثلاثةُ أيّامٍ. وذكَرَ ابنُ أبي مُوسى أنَّ الواجِبَ ثلاثةُ أيّامٍ؛ لما روَى أبو شُرَيحٍ ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الضِّيَافَةُ ثَلاثةُ أيامٍ، وجائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَة، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ». قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف يُؤْثِمُهُ؟
قال:«يُقِيمُ عِنْدَهُ ولَيسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ». مُتَّفَقٌ عليه . قال أحمدُ: معنى قولِه عليه السلامُ: «جائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَةٌ». كأنَّه أوْكَدُ مِن سائِرِ الثَّلاثَةِ، ولم يُرِدْ يومًا وليلةً سِوَى الثلاثَةِ؛ لأنَّه يصيرُ أرْبعةَ أيامٍ، وقد قال:«ومَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ».
فإنِ امْتَنَعَ مِن ضِيافَتِه، فللضَّيفِ بقَدْرِ ضِيافَتِه. قال أحمدُ: يُطالِبُهم بحَقِّه الذي جَعَلَه له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يأْخُذُ شيئًا إلَّا بعِلْمِ أهْلِه.
وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، له أن يأخُذَ ما يَكْفِيه بغيرِ إذْنِهِم؛ لما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، إنَّك تَبْعَثُنا، فنَنْزِلُ بقومٍ فلا يَقْروننا. قال: «إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيفِ، فَاقْبَلُوا ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ». مُتَّفَقٌ عليه .
٤٦٢٣ -
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ) قَالَ أَحْمَدُ: الضِّيَافَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كُلُّ مَنْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّفَهُ، لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ كَرِيمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ:«فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ.»
وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَهُمْ حَقُّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ ضِيَافَةَ الْكَافِرِ لَا تَجِبُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي رِوَايَةٍ: وَتَجِبُ لِذِمِّيٍّ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ الضِّيَافَةَ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ نُصُوصِهِ أَنَّهَا تَجِبُ لِحَاضِرٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ، في قرية،
وَفِي مِصْرَ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، جَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ أَنَّ الْمُسْلِمَ تَجِبُ عَلَيْهِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى لَا الْأَمْصَارِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ مَرْفُوعًا، قَالَ:«الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهَا تَجِبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَهِيَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدُمٍ،
وَفِي الْوَاضِحِ، وَلِفَرَسِهِ تِبْنٌ لَا شَعِيرٌ،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ: كَأُدُمِهِ، وَأَوْجَبَ شَيْخُنَا الْمَعْرُوفُ عَادَةً، قَالَ: كَزَوْجَةٍ، وَقَرِيبٍ، وَرَفِيقٍ،
وَمَنْ قَدَّمَ لِضِيفَانِهِ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ لَهُ قِسْمَتُهُ، لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ،
ويَجِبُ على المُسْلِمِ ضِيافَةُ المُسْلِمِ المُجْتازِ به يَوْمًا ولَيلةً. هذا المذهبُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشَرْطِه الآتِي، ونصَّ عليه في رِوايةِ الجماعَةِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: لَيلَةً. والأَشْهَرُ، ويَوْمًا. نقَله الجماعَةُ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: الواجِبُ ليلَةٌ فقطْ. جزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، و «نِهايَةِ ابنِ رَزِينٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، لكِنْ قال: الأوَّلُ الأَشْهَرُ. وهو أيضًا مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: ثَلاثةُ أيَّامٍ، فما زادَ فهو صدَقَةٌ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُوسى. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. ونقَل عليُّ بنُ سَعِيدٍ، عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ما يدُلُّ على وُجوبِ الضِّيافَةِ للغُزاةِ خاصَّةً، على مَن يمُرُّونَ بهم ثَلاثةَ أيَّام. ذكَره ابنُ رَجَبٍ في «شَرْحِ الأرْبَعِين النَّواويَّةِ»، وصاحِبُ «الفُروعِ»؛ وهو مِنِ مُفْرَداتِ المذهِبِ أيضًا. وتقدَّم في أواخرِ بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، هل يجبُ عليهم ضِيافَةُ مَن يمُرُّ بهم مِن المُسْلِمين مُطْلَقًا، أو بالشَّرْطِ؟
تنبيه: في قوْلِه: المُجتازِ به. إشْعارٌ بأنْ يكونَ مُسافِرًا. وهو صحيحٌ، [فلا حقَّ لحاضِرٍ]. وهو أحدُ الوَجْهَين. وهو ظاهِرُ كلامِه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم،
فإنَّ عِبارَتَهم مثْلُ عِبارَةِ المُصَنِّفِ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن». والوَجْهُ الثَّاني، هو كالمُسافرِ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ نُصوصِه، وحاضِرٌ، وفيه وَجْهان للأصحابِ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يُشْترَطُ للوُجوبِ أيضًا، أنْ يكونَ المُجْتازُ في القُرَى،
فإنْ كانَ في الأمْصارِ، لم تجِبِ الضِّيافَةُ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم. وعنه، الأمْصارُ كالقُرَى.
قال في «الفُروعِ»: وفي مِصرٍ رِوايَتان مَنْصوصَتان.
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: ويجِبُ على المُسْلِمِ ضِيافَةُ المُسْلِمِ المُجتْازِ به. أنَّها لا تجِبُ للذِّمِّي إذا اجْتازَ بالمُسْلِمِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُحَرَّرِ»، وغيرِه مِن الأصحابِ. قال ابنُ رجَب في «شَرْحِ النَّواويَّةِ»: وخَصَّ كثيرٌ مِن الأصحابِ الوُجوبَ بالمُسْلمِ. وقدَّمه في «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ».
وعنه، هو كالمُسْلمِ في ذلك. نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وهو قولٌ في «النَّظْمِ». وقدَّمه ابنُ رَجَبٍ في «شَرْحِ النَّواويَّةِ»،
وقال: هو المَنْصوصُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال: (ويجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يوماً وليلة. فإن أبى فللضيف طلبه به (١) عند الحاكم. وتستحب ضيافته ثلاثاً. فما زاد فهو صدقة.
ولا يجب عليه إنزاله في بيته؛ إلا أن لا يجد مسجداً أو رباطاً يبيت فيه).
أما كون ضيافة المسلم المجتاز بالمسلم تجب عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ليلةُ الضيف حقٌ واجب على كل مسلم».
وأما كونها يوماً وليلة؛ فلما روى أبو شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الضيافةُ ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ... مختصر» متفق عليه.
قال:«جائزته يوم وليلة» كأنه آكد من سائر الثلاثة.
وفي تقييد المصنف رحمه الله من تجب ضيافته بكونه مسلماً إشعار بأن ضيافة الكافر لا تجب. وصرح في المغني بوجوبها للكافر؛ كالمسلم، وعموم الحديث يدل عليه.
وفي عدم تقييد من تجب ضيافته بكونه مسافراً إشعار بوجوبها للمسافر وغيره. وصرح به في المغني محتجاً بعموم الحديث. ثم قال: وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن الضيافة تجب على أهل القرى دون أهل الأمصار.
وأما كون الضيف له أن يطالب المجتاز به إذا أبى تضييفه؛ فلما روى المقدام ابن أبي كريمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلةُ الضيفِ حقٌ واجب، فإن أصبحَ بفنائِه فهو دَين عليه، إن شاءَ اقتضى وإن شاءَ ترك».
وفي لفظ رواه أبو داود:«أيما رجلٍ ضافَ قوماً فأصبحَ الضيفُ محروماً. فإنّ نصْرَهُ على كل مسلم حتى يأخذَ بحقه من زرعهِ وماله».
ولو لم يكن له طلبه لما وجب نصره.
وأما كونها تستحب ثلاثاً؛ فلما تقدم في حديث أبي شريح الخزاعي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة» فيجب حمل الثلاث على الاستحباب والليلة على الوجوب.
وأما كون ما زاد على ذلك صدقة؛ فلأنه تبرع من التبرعات. فكان صدقة؛ كصدقة النفل.
وأما كون إنزاله في بيته إذا وجد مسجداً أو رباطاً يبيت فيه لا يجب عليه؛ [فلأن الضيف يستغني بالمبيت في ذلك.
وأما كون إنزاله في بيته إذا لم يجد ذلك يجب عليه] ؛ فلأن حاجته تدعو إليه. أشبه الضيافة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.