فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ لَمْ يَحْكُمْ له حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن أقَرَّ، لم يَحْكُمْ لَهُ حتَّى يُطالِبَه المُدَّعِي بالحُكْمِ) إذا أقَرَّ المُدَّعَى عليه، لَزِمَه ما ادُّعِيَ عليه به ، وليس للحاكمِ أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بمَسْألةِ المُقَرِّ له؛ لأنَّ الحُكْمَ عليه حَقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمَسْألةٍ مُسْتَحَقَّةٍ. هكذا ذَكَره أصْحابُنا. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له الحكمُ قبلَ مَسْألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحال تَدُلُّ على إرادَتِه ذلك، فاكْتُفِيَ بها، كما اكْتُفِيَ بها في مسْألةِ المُدَّعَى عليه الجوابَ، ولأنَّ كثيرًا مِن الناسِ لا يَعْرِفُ مطالبَةَ الحاكمِ بذلك، فيَتْرُكُ مُطالبَتَه به لجَهْلِه، فيَضِيعُ حَقُّه.
فعلى هذا، يجوزُ له الحكمُ قبلَ مسْألَتِه. وعلى القولِ الأوَّلِ، إن سأله الخَصْمُ الحُكْمَ، حَكَم له على المُقِرِّ. والحُكْمُ أن يقولَ: قد ألْزَمْتُك ذلك. أو: قَضَيتُ عليك له. أو يقولَ: اخْرُجْ إليه منه. فمتى قال له أحدَ هذه الثَّلاثةِ، كان حُكْمًا بالحَقِّ.
٤٨٧٣ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ) سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ وَلَكِنْ (لَمْ يَحْكُمْ له حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ) ذَكَرَهُ السَّامَرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ. وَاخْتَارَ جَمْعٌ: لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي. وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَاكْتَفَى بِهَا كَمَا اكْتَفَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، الْجَوَابُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ لِجَهْلِهِ فَيَضِيعُ حَقُّهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، فَاشْتِرَاطُهُ يُنَافِي ظَاهِرَ حَالِهِمْ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: إِذَا أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَوْلِهِ: قَضَيْتُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ
بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ كَذَا. فَقَالَ: نَعَمْ. لَزِمَهُ، ذِكْرُهُ فِي الْوَاضِحِ.
فإنْ أَقَرَّ له، لم يَحْكُمْ له حَتَّى يُطالِبَه المدَّعِي بالْحُكْمِ. هذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يَحْكُمُ له إلَّا بسُؤالِه، في الأصحِّ. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا. أَوْ: بِعْتُهُ. فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي. أَوْ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ، قال المُصَنِّفُ: هكذا ذكَرَه أصحابُنا. قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يجوزَ له الحُكْمُ قبلَ مَسْألَةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحال يدُلُّ على إرَادَتِه ذلك، فاكْتَفى بها كما اكْتَفَى في مسْألَةِ المُدَّعَى عليه الجَوابَ؛ ولأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ لا يعْرِفُ مُطالبَةَ الحاكِمِ بذلك. انتهى. ومال إليه في «الكافِي».
وقال في «الفُروعِ» أيضًا: فإنْ أقَرَّ، حَكَمَ. قاله جماعَةٌ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ أقَرَّ، فقد ثَبَتَ، ولا يَفْتَقِرُ إلى قولِه: قَضَيتُ. في أحَدِ الوَجْهَين،
بخِلافِ قِيامِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّه يتعَلَّقُ باجْتِهادِه.
قال في «الرِّعايةِ»: وقيلَ: يَثْبُتُ الحقُّ بإقْرارِه وبدُونِ حُكْمٍ.
فائدة: لو قال الحاكِمُ للخَصْمِ: يَسْتَحِقُّ عليك كذا؟ فقال: نعمْ. لَزِمَه. ذكَرَه في «الواضِحِ» في قولِ الخاطِبِ للوَلِيِّ: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم.
قال: (فإن أقرّ له لم يحكم له حتى يُطالبه المدعي بالحكم. وإن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحقُ عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له عليّ: صح الجواب) .
أما كون الحاكم لا يحكم على المدعى عليه إذا أقر حتى يُطالبه المدعي بالحكم؛ فلأن الحكم على المدعى عليه حق للمدعي. فلم يجز استيفاؤه إلا بمسألة مستحقه.
وأما كون جواب المدعى عليه صحيحاً إذا أنكر بنفي عين ما ادعاه المدعي، مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً فيقول المدعى عليه: ما أقرضني ذلك ولا شيئاً منه. أو يقول: بعته فيقول: ما باعني. أو ما أشبه ذلك فلا شبهة فيه؛ لنفيه عين ما ادعي عليه.
وأما كونه صحيحاً إذا أنكر بنفي معنى ما ادعاه؛ مثل أن يقول: أقرضته أو بعته فيقول المدعى عليه: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه؛ فلأنه يفيد نفي ما ادعى عليه. أشبه ما تقدم.
فإن قيل: لو قال: لا حق له عليّ.
قيل: يكون جوابه أيضاً صحيحاً؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم. فتصير بمنزلة قوله: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.