فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن نَسِىَ التَّكْبيرَ قَضاه، ما لم يُحْدِثْ، أو يَخْرُجْ مِن المَسْجِد) لأنَّه مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ. فعلى هذا إن ذَكَرَه في المَسْجِدِ بعدَ أن قام، عاد إلى مكانِه، فجَلَسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلِةَ فكَبَّرَ.
وقال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ ماشِيًا. قال شيخُنا : وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ الصَّلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.
فإن ذَكَرَه بعدَ خُرُوجِه مِن المَسْجِدِ لم يُكَبِّرْ؛ لِماَ ذَكَرْنا. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى. ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ بعدَ الصَّلاةِ، فاسْتُحِبَّ وإن خَرَج، كالدُّعاءِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ بعدَ الصَّلاةِ.
وإن نَسِيَه حتى أحْدَثَ، فقال أصْحابُنا: لا يُكَبِّرُ، سواءٌ أحْدَثَ عامِدًا أو ساهِيًا؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصلاةَ عَمْدُه وسَهْوُه. وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إن تَرَكَه حتى تَكَلَّمَ لم يُكَبِّرْ. قال الشَّيْخُ: والأَوْلَى إن شاء اللَّهُ أَنَّه يُكَبِّرُ؛ لأنَّ ذلك ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، فلا يُشْتَرَطُ له الطَّهارَةُ، كسائِرِ الذِّكْرِ، ولأنَّ اشْتِراطَ الطَّهارَةِ
إمّا بنَصٍّ أو مَعْناه، ولم يُوجَدْ.
وإن نَسِيَه الإِمامُ كَبَّرَ المَأْمُومُ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصلاةَ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ. ٦٩٥ -
(فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، قَضَاهُ) مَكَانَهُ وَيَعُودُ، فَيَجْلِسُ مَنْ قَامَ أَوْ ذَهَبَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ إِمْكَانِهَا،
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ كَبَّرَ مَاشِيًا فَلَا بَأْسَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَقْيَسُ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ، وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ،
وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ (مَا لَمْ يُحْدِثْ) لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَالذِّكْرُ تَابِعٌ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا،
وَقِيلَ: أَوْ يَتَكَلَّمْ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ عَقِيبَهَا، فَنَافَاهُ مَا يُنَافِيهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَأْتِي بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالدُّعَاءِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "
وإنْ نَسْىَ التكْبيرَ قَضاه. وهذا بلا نِزاعٍ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، فيَقْضِيه فى المَكانِ الذى صلَّى فيه،
فإنْ قامَ منه أو ذهَب، عادَ وجلَس وقَضاة. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الرِّعايَةِ»: جلَس جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ.
وقيل: له قَضاؤُه ماشِيًا. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ». ما لم يُحْدِثْ، أو يَخْرُجْ مِنَ المَسْجِدِ.
فإذا أحْدَث، أو خَرج مِنَ المسجدِ، لم يُكَبِّرْ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «المُغْنِى».
وقيل: يُكَبِّرُ. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: وهو الصَّحيحُ. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ».
وقال فى «الكافِى»: فإنْ أحْدَث قبلَ التَّكْبيرِ، لم يكَبِّرْ،
وإنْ نَسِىَ التَّكْبيرَ، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وكبَّر، ما لم يخْرُجْ مِنَ المسجدِ. انتهى.
وقيل: إنْ نَسِيَه حتى خرَج مِنَ المسجدِ، كبَّر. وهو احْتِمالٌ فى «الرِّعايَةِ». وزادَ،
وإنْ بَعُدَ.
تنبيهان؛ أحدُهمما، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يكَبِّرُ إذا لم يُحْدِثْ، ولم يخْرُجْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ المَسْجدِ ولو تكلَّم. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يكَبِّرُ إذا تكلَّم. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وأطْلقَهما فى «تَجْريدِ العِنايَةِ». الثَّانِى، ظاهرُ كلامِه أيضًا، أنَّه يكَبِّرُ إذا لم يُحْدِثْ، ولم يخْرُجْ مِنَ المسْجدِ ولو طالَ الفَصْلُ. وهو ظاهرُ كلامِ جماعةٍ مِنَ الأصحاب. قالَه فى «الفُروعِ»، وجعَل القوْلَ به تَوْجيهَ احْتِمالٍ وتخْريجٍ مِن عندِه.
قلتُ: هذه المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ ما إذا نَسِىَ سُجودَ السَّهْوِ قبلَ السَّلامِ،
فإنَّ لَنا قوْلًا يقْضِيه، ولو طالَ الفَصْلُ وخرَج مِنَ المَسْجدِ. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ, تقدَّم.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يقْضِية إذا طالَ الفَصْلُ، سواءٌ خرَج مِنَ المَسْجدِ أو لا. وقطَع به أكثرُ الأصحابِ.
فائدة: يكَبِّرُ المأْمومُ إذا نَسِيَه الإِمامُ، ويكَبِّرُ المَسْبوقُ إذا كمَّل، وسلَّم. نصَّ عليه. ويكَبِّرُ مَن لم يَرْمِ جَمْرَةَ العَقَبَةِ ثم يُلبِّى. نصَّ عليه. وَفِى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ. وفى التَّكْبيرِ عَقيبَ صَلاةِ العيدَيْن وجْهان.
وكذا فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الشَّرْحِ» وغيرِهم. وحكَى كثيرٌ مِنَ الأصحابِ الخِلافَ رِوايتَيْن. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وفى التَّكْبيرِ بعدَ صلاةِ العِيدَيْن رِوايَتَان.
وقيل: وفيه بعدَ صلاةِ الأضْحَى وَجْهان.
وقال ابنُ تَميم، والزَّرْكَشِىُّ: وفى التَّكْبيرِ عَقيبَ صلاةِ عيدِ الأضْحَى وَجْهان. وحكَى فى «التَّلْخيصِ»، فى التَّكْبيرِ عَقِيبَ صلاةِ العيدِ، رِوايتَيْن.
وقال فى «النُّكَتِ»، عن كلامِ «المُحَرَّرِ»: سياقُ كلامِه، فى عيدِ الأضْحَى. وهو صحيحٌ؛ لأنَّ عيدَ الفِطْرِ ليس فيه تَكْبيرٌ مُقَيَّدٌ.
وكذا قطَع المَجْدُ فى «شَرْحِه». ولَنا وَجْهٌ؛ أنَّ فى عيدِ الفِطْرِ تكْبيرًا مُقَيَّدًا. فعليه، يُخرَّجُ فى التَّكْبيرِ عَقِيبَ عيدِ الفِطْرِ وَجْهان كالأضْحَى. انتهى. وأطْلقَ الخِلافَ فى «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «النَّظْمِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه». قال أبو الخَطَّابِ: وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ؛ أحدُهما، لا يكَبِّرُ. وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّانى، يُكَبِّرُ عَقِيبَها. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ عَقِيلٍ. وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الْحَمْدُ.
وقال: هو أشْبَهُ بالمذهبِ وأحَقُّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. قال فى «الفائقِ»: يكَبَر عَقِيبَ صلاةِ العيدِ، فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه جماعةٌ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الإِفاداتِ». وقدَّمه ابنُ رَزِيق فى «شَرْحِه». واخْتارَه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وصحَّحه فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
قال: (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد) .
أما كون من نسي التكبير يقضيه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد؛ فلأن فيه استدراكاً لما فات وتحصيلاً للمصلحة المسنونة السالمة عن معارضة ما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقضيه إذا أحدث؛ فلأن الحدث مبطل للصلاة فالتكبير التابع لها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يقضيه إذا خرج من المسجد؛ فلأن الفصل طال وهي سنة فات محلها.
ولأنه ذكر متصل بالصلاة فمنع الخروجُ من المسجد قضاءه كسجود السهو.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.