غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ، فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ
الشروح عليها
فصلٌ في غَسْلِ المَيِّتِ: ٧٣١ - مسألة: (غَسْلُ المَيِّتِ ودَفْنُه وتَكْفِينُه والصلاةُ عليه، فَرْضُ كِفايَةٍ) لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -
قال في الذي وقَصَتْه راحِلَتُه: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ». ودَفْنُه فَرْضُ كِفايَةٍ؛ لأنَّ في تَرْكِه أذًى للنَّاسِ به وهَتْكَ حُرْمَتِه. وهذا مَذْهَبُ الشافِعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ٧٣٢ - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَصِيُّه، ثم أبوه، ثم جَدُّه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، ثم ذَوو أرْحامِهِ، إلَّا الصَّلاةَ عليه، فإنَّ الأمِيرَ أحَقُّ بها بعدَ وصِيِّه) أحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ وَصِيُّه في ذلك.
وقال أصحابُ الشّافعىِّ: أوْلَى النّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ عَصَباتُه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ،
فإن كان له زَوْجَةٌ، فهل تُقَدَّمُ على العَصَباتِ؟ فيه وَجْهان. ولَنا، على تَقْدِيمِ الوَصِىِّ، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، أوْصَى أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ. وأوْصَى أنَسٌ أن يُغَسِّلَه محمدُ بنُ سِيرِينَ، فَقُدِّما بذلك. ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّه حَقٌّ للمَيِّتِ فَقُدِّمَ فيه وَصِيُّه على غيرِه، كتَفْرِيقِ ثُلُثِه.
فصل: فإن لم يكنْ له وَصِىٌّ فالعَصَباتُ أوْلَى النّاسِ به، وأوْلاهم أبوه، ثم جَدُّه وإن عَلا، ثم ابْنُه، ثم ابنُ ابْنِه وإن نزَل، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، على تَرْتِيبِ المِيراثِ؛ لأنَّهم أحَقُّ بالصلاةِ عليه. فصل: وأحَقُّ النّاسِ بالصلاةِ عليه, وَصِيُّه. وهذا قولُ سعيدِ بنِ زَيدٍ، وأنَسٍ، وأبى بَرْزَةَ ، وزيدِ بنِ أرْقَمَ ، وأُمِّ سَلَمَةَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ العَصَبَاتُ؛ لأنَّها وِلايَةٌ تَتَرَتَّبُ بتَرْتِيبِ العَصَبَاتِ، فالوَلِىُّ فيها أوْلَى، كوِلايةِ النِّكاحِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم،
فإنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه عُمَرُ. قاله أحمدُ. قال: وعُمَرُ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه صُهَيْبٌ، وأُمُّ سَلَمَةَ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها سعيدُ بنُ زَيْدٍ، وأبو بَكْرَةَ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه أبو بَرْزَةَ.
وقال غيرُه: عائشةُ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ مسعودٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه الزُّبَيْرُ، وأبو سَرِيحَةَ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ، فجاءَ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، وهو أميرُ الكُوفَةِ، لِيَتَقَدَّمَ فيُصَلِّىَ عليه ، فقال ابنُه: أيُّها الأمِيرُ، إنَّ أبى أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ. فقَدَّمَ زيدًا. وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، ولم يَظْهَرْ لها مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا. ولأنَّه حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فإنَّها شَفاعَةٌ له، فَقُدِّمَ وَصِيُّه فيها، كتَفْرِيقِ ثُلُثِه.
ووِلايَةُ النِّكاحِ يُقَدَّمُ عندَنا فيها الوَصِىُّ أيضًا على الصَّحِيحِ،
وإن سُلِّمَتْ فليست حَقًّا له، إنَّما هي حَقٌّ للمُولَّى عليه، ولأنَّ الغَرَضَ في الصلاةِ الدُّعاءُ والشَّفاعَةُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فالمَيِّتُ يَحْتَاجُ لذلك مَن هو أظْهَرُ صَلاحًا، وأقْرَبُ إجابَةً،
بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ. فإن كان الوَصِىُّ فاسِقًا أو مُبْتَدِعًا، لم تُقْبَلِ الوَصِيَّةُ، كما لو كان الوَصِىُّ ذِمِّيًّا.
وإن كان الأقْرَبُ إليه كذلك لم يُقَدَّمْ، وصلَّى غيرُه، كما يُمْنَعُ مِن التَّقْدِيمِ في الصَّلَواتِ الخَمْسَ .
والأَمِيرُ أحَقُّ بالصلاةِ عليه بعدَ الوَصِىِّ.
وقال به أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وقال الشافعىُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْه: يُقَدَّمُ الوَلِىُّ قِياسًا على تَقْدِيمِه في النِّكاحِ.
ولَنا، قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ».
وقال أبو حازِمٍ: شَهِدْتُ حُسَيْنًا حينَ ماتَ الحسنُ يَدْفعُ في قَفا سعيدِ بنِ العاصِ، ويقولُ: تَقَدَّمْ، لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ . وسعيدٌ أمِيرُ المَدِينَةِ. وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هاشِمٍ، قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ علىِّ، وزيدِ بنِ عُمَرَ، فَصَلَّى عليهما سعيدُ بنُ العاصِ، وكان أمِيرَ المَدِينَةِ، وخَلْفَه يَوْمَئِذٍ ثَمَانُون مِن أصْحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيهم ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والحسينُ .
وقال علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنه: الِإمامُ أحَقُّ مَن صَلَّى على الجِنازَةِ . وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك. وهذا أشْهَرُ، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ فيها الجَماعَةُ، فَقُدِّمَ فيها الأمِيرُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه يُصَلُّونَ على الجَنائِزِ، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّهم اسْتَأْذَنُوا أوْلِياءَ المَيِّتِ في التَّقْدِيمِ. والمُرادُ بالأمِيرِ ههُنا الِإمامُ،
فإن لم يكنْ فالأمِيرُ مِن جِهَتِه،
فإن لم يكنْ فالنَّائِبُ مِن قِبَلِه في الإِمامَةِ،
فإن لم يكنْ فالحَاكِمُ. فصل: وأحَقُّ النَّاسِ بالصلاةِ بعدَ ذلك العَصَباتُ، وأحَقُّهم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلا، ثم الابنُ، ثم ابْنُه وإن نَزَل، ثم الأخُ العَصَبَةُ، ثم ابْنُه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم المَوْلَى المُعْتقُ، ثم عَصَباتُه. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: في تَقْدِيمِ الأخِ على الجَدِّ قَوْلَان. وحُكِىَ عن مالِكٍ تَقْدِيمُ الابْنِ على الأبِ؛ لأنَّه أقْوَى تَعْصِيبًا منه، والأخِ على الجَدِّ؛ لأنَّه يُدْلِى بالابْنِ، والجَدُّ يُدْلِى بالأبِ. ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا فِى الِإدْلاءِ، والأبُ أرَقُّ وأشْفَقُ، ودُعاؤُه لابْنِه أقْرَبُ إلى الِإجابَةِ، فكان أوْلَى، كالقَرِيبِ مع البَعِيدِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بالصلاةِ الدُّعاءُ للمَيِّتِ والشَّفاعَةُ له،
بخِلافِ المِيراثِ.
فصل: وِإنِ اجْتَمَعَ زَوْجُ المَرْأةِ وعَصَبَاتُها، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ، ومذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفَة يُقَدِّمُ زَوْجَ المرأةِ على ابْنِها منه. ورُوِى عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ؛ لأنَّ أبا بكرٍ صَلَّى على زَوْجَتِه، ولم يَسْتَأْذِنْ إخْوَتَهَا. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإسْحاقَ.
ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه قال لأهْلِ امْرَأتِه: أنْتُمْ أحَقُّ بها . ولأنَّ الزَّوْجَ قد زَالَتْ زَوْجِيَّتُه بالمَوْتِ، فصار أجْنَبِيًّا، والقَرابَةُ لم تَزُلْ، فعلىِ هذه الرِّوايَةِ، إن لم يكنْ لها عَصَباتٌ، فالزَّوْجُ أوْلَى؛ لأنَّ له سَبَبًا وشَفَقَةَ، فكان أوْلَى مِن الأجْنَبِىِّ.
فصل: فإِنِ اجْتَمَعَ أخٌ مِن أبَوَيْنِ، وأخٌ مِن أبٍ، ففى تَقْدِيمِ الأخِ مِن الأبَوَيْن أو التَّسْوِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في وِلايَةِ النِّكاحِ.
والحُكْمُ في الأعْمامِ وأوْلادِهم وأوْلادِ الإِخْوَةِ كذلك.
فإنِ انْقَرَضَ العَصَبَةُ فالمَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَبَاتُه، ثم الرِّجالُ مِن ذَوِى أرْحامِه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الأجانِبُ.
فإنِ اسْتَوى وَلِيَّانِ في الدَّرَجَةِ، فأحَقُّهما أوْلاهما بالِإمامَةِ في المَكْتُوباتِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الأسَنِّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وأعْظَمُ عندَ اللهِ قَدْرًا. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُّمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ». وفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعارَضَةٌ بفَضِيلَةِ العِلْمِ، وقد رَجَّحَها الشَّارِعُ في سائِرِ الصَّلَواتِ، مع أنَّه يُقْصَدُ فيها إجابَةُ الدُّعاءِ، والحَظُّ للمَأْمُومِين، وقد رُوِىَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«أئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ». ولا يُسَلَّمُ أنَّ المُسِنَّ الجاهِلَ أعْظَمُ قَدْرًا عندَ اللهِ مِن العالِمِ والأقْرَبُ إجابَةً.
فإنِ اسْتَوَوْا وتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهم، كما في سائِرِ الصَّلَواتِ.
فصل: ومَن قَدَّمَه الوَلِىُّ فهو بمَنْزِلَتِه؛ لأنَّها وِلايةٌ ثَبَتَتْ له، فكانت له الاسْتِنابَةُ فيها، كوِلايةِ النِّكاحِ.
فصل: وإن كان القَرِيبُ عَبْدًا، فالحُرُّ البَعِيدُ أوْلَى منه؛ لأنَّ العَبْدَ لا وِلايَةَ له في النِّكاحِ ولا المالِ، كذلك هذا.
فإنِ اجْتَمَعَ صَبِىٌّ ومَمْلُوكٌ ونِسَاءٌ، فالمَمْلُوكُ أوْلَى؛ لأَنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بهما،
فإن لم يكنْ إلَّا نِساءٌ وصِبْيانٌ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَصِحُّ أن يَؤُمَّ أحَدُ الجِنْسَيْنِ الآخَرَ.
ويُصَلِّى كلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهم, وإمامُهم منهم، ويُصَلِّى النِّساءُ جَماعَةً وإمامَتُهُنَّ في وَسَطِهِنَّ. نصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُصَلِّينَ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا،
وإن صَلَّيْنَ جَماعَةً جاز. ولَنا، أنَّهُنَّ مِن أهلِ الجَماعَةِ، فَسُنَّ أن يُصَلِّينَ جَماعَةً، كالرِّجالِ، وما ذَكَرُوه مِن كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بِدَلِيلٍ، وقد صَلَّى أزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - على سعدِ ابنَ أبى وَقَّاصٍ. رَواه مسلمٌ .
فصل: فإنِ اجْتَمَعَ جَنائِزُ، فتَشاحَّ أولِياؤُهم في مَن يَتَقَدَّمُ للصلاةِ عليهم، قُدِّمَ أوْلاهم بالِإمامَةِ في الفَرائِضِ.
وقال القاضى: يُقَدَّمُ مَن سَبَقَ مَيَتُه. ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا، فأشْبَهُوا الأوْلِياءَ إذا تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، مع قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ».
وإن أراد وَلِىُّ كلِّ مَيِّتٍ إفْرادَ مَيِّتِهِ بصلاةٍ جاز. ٧٣٣ -
فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ] [حُكْمُ غسل الميت وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ] فَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ، فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «اغْسِلُوه بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَقَالَ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ:«صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَضَعَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ طُرُقَهُ كُلَّهَا، وَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ أَذًى لِلنَّاسِ، وَهَتْكًا لِحُرْمَتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّ حَمْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِالِاسْتِحْبَابِ،
وَأَمَّا اتِّبَاعُهُ فَسُنَّةٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ تَمِيمٍ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَجُلٍ أَوْ خُنْثَى أَوِ امْرَأَةٍ.
وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
وَيُشْتَرَطُ لِغُسْلِهِ مَاءٌ طَهُورٌ، وَإِسْلَامُ غَاسِلٍ، وَعَقْلُهُ،
وَلَوْ جُنُبًا وَحَائِضًا، وَفِي مُمَيِّزٍ رِوَايَتَانِ كَأَذَانِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَكْفِي إِنْ عُلِمَ.
تَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ لِلْغَاسِلِ وَالْحَفَّارِ أَخْذَ أُجْرَةٍ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا، فَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ.
لَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " أَنَّهُ إِذَا أُعْطِيَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَأَحْسَنُهُ كَلَامُهُ فِي الْخِصَالِ إِذَا اخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ إِذَا فَعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَادَ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ كَالْجِهَادِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْإِمَامَةِ، جَازَ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يَعُدْ نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَخْتَصَّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَالْبِنَاءِ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَقَطْ. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ) الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ، وَأَوْصَى أَنَسٌ أَنْ يُغَسِّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ يُقَدَّمُ فِيهِ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ،
وَقِيلَ: أَوْ فَاسِقٌ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ،
وَقِيلَ: بِالصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ وُجُودِ عَصَبَتِهِ الصَّالِحِ لِلْإِمَامَةِ
وأوْلَى النَّاسِ به وصِيُّه. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وهو مِن مُفْردَاتِ المذهبِ.
وقيل: لا يُقَدَّمُ الوصِىُّ على الوَلِىِّ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ.
تنبيه: أفادَنَا المُصَنِّفُ صِحَّةَ الوَصِيَّةِ بالغَسْلِ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وقيل: لا تصِحُّ الوَصِيَّةُ به.
وقيل: لا تصِحُّ الوَصِيَّةُ به ولو صحَّحْنا الوَصيَّةَ بالصَّلاةِ.
فائدة: حيثُ قُلْنا: يُغَسِّلُ الوَصِىُّ. فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ عدْلًا، وعليه الأكثرُ.
وقيل: لا تُشْتَرَطُ العَدالَةُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في غسل الميت قال المصنف رحمه الله: (غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية) .
أما كون غسل الميت فرض كفاية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فُرض على أمتي غسل موتاها، والصلاة عليها، ودفنها».
و«قال لأم عطية ونسوة معها لما ماتت ابنته: اغسلنها» متفق عليه.
و«قال في المحرم الذي وقصته ناقته: اغسلوه وكفنوه».
ولأن في تكفينه ستراً له فلم يكن بد من فعله لما يأتي في الكفن .
وأما كون الصلاة عليه فرض كفاية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«صلوا على من قال: لا إله إلا الله».
ولأن الصلاة مذكورة فيما تقدم من قوله عليه السلام:«فرض على أمتي».
وأما كون الدفن فرض كفاية فلأنه أيضاً مذكور في الحديث المذكور أولاً . قال: (وأولى الناس به وصيّه. ثم أبوه. ثم جده. ثم الأقرب فالأقرب من عصباته. ثم ذوو أرحامه إلا الصلاة عليه فإن الأمير أحق بها بعد وصيه) .
أما كون وصي الميت أولى الناس بغسله فـ «لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس» فَقُدِّمت بذلك.
و«أوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين» فقُدِّم بذلك.
ولأنه حقٌ للميت فقُدِّم وصيه على غيره؛ كتفريق ثلثه.
وأما كونه أولى الناس بالصلاة عليه فلإجماع الصحابة عليه. روي «أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب».
«وابن مسعود أوصى بذلك الزبير».
«وأبا بكرة أوصى به أبا برزة».
«وأم سلمة أوصت به سعيد بن زيد».
«وعائشة أوصت به أبا هريرة». «وأبا سريحة أوصى به زيد بن أرقم فجاء عمرو بن حُريث ليتقدم وهو أمير الكوفة فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصليَ عليه زيد بن أرقم. فقدم زيداً».
ولأنه حقٌ للميت فقدم الوصي فيه كالغسل.
وأما كونه أولى الناس بتكفينه ودفنه فلأنهما في معنى الغسل والصلاة فوجب أن يثبت فيهما حكمهما بالقياس عليهما.
وأما كون الأب أولى ممن بعده في جميع ما ذكر غير الصلاة فلأنه يشارك الابن في العصوبة ويختص بفضل الحنو والشفقة.
وأما كون الجد أولى ممن بعده في ذلك فلمشاركة الأب في المعنى.
وأما كون الأقرب فالأقرب من عصباته أولى من ذوي أرحامه فلأن الأقرب من العصبة أولى بالميراث فكذا فيما ذكر.
فعلى هذا يقدم بعد الأب والجد الابن ثم ابنه وإن نزل. ثم الأخ على ترتيب الميراث.
وأما كون ذوي أرحامه أولى من سائر الناس فلما ذُكر في العصبات.
وأما كون الأمير أحق بالصلاة على الميت بعد وصيه فلقوله عليه السلام:«لا يُؤَمّنَّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» رواه مسلم.
خرج منه الوصي لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الجنائز. ولم ينقل أنه كان يستأذن العصبات.
وروى أبو حازم قال:«شهدت حسيناً حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة ويقول: لولا السنة ما قدمتك». وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عمار مولى بني هاشم قال:«شهدت جنازة أم كُلثوم بنت علي، وزيد بن عمر فصلى عليهما سعيد بن العاص وخلفه ثمانون من الصحابة» رواه الإمام أحمد.
والمراد بالأمير الإمام. فإن لم يكن فالوالي من قبله.
فإن لم يكن فالحاكم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.