وَلَا مَوَالِيهِمْ وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ وَالنَّذْرِ وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا لبَنِى هاشمٍ، ولا مَوالِيهم) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ بَنِى هَاشِم لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِىَ أوْسَاخُ النَّاسِ». أخْرَجَه مسلمٌ . وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحَسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كِخْ كِخْ». لِيَطْرَحَها، وقال:«أمَا شَعَرْتَ أنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». مُتَّفَقٌ عليه . وسَوَاءٌ أُعْطوا مِن خُمْسِ الخُمْسِ، أو لم يُعْطوْا؛
لعُمُومِ النُّصُوصِ، ولأنَّ مَنْعَهم مِن الزَّكاةِ لشَرَفِهم، وشَرَفُهم باقٍ، فيَبْقَى المَنْعُ،
فإن أُعْطُوا منها لغَزْوٍ أو حَمالَةٍ، جاز ذلك، ذَكَرَه شيخُنا .
وإن كان الهاشِمِىُّ عامِلًا، أو غارِمًا، لم يُجزِئْه الأخْذُ في أظْهَرِ الوَجْهَيْن، وقد ذَكَرْنا ذلك . فصل: وحُكْمُ مَوَالِيهم حُكْمُهم عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه.
وقال أكْثَرُ أهْلِ العِلْم: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم؛ لأنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ، كسائِرِ النَّاسِ. ولَنا، ما روَىْ أبو رافِعٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث رجلًا مِن بَنِى مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فقال لأبى رافِعٍ: اصْحَبْنِى كَيْما تُصِيبَ منها. فقال: لا، حتى آتِىَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأسْألَه. فانْطَلَقَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَأَلَه، فقال:«إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقةُ، وَإنَّ مَوَالِىَ القَوْمِ مِنْهُمْ».
أخرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّهم ممَّن يَرِثُه بنو هاشِم بالتَّعْصِيبِ، فلم يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إليهم، كبَنِى هاشِمٍ. وقولُهم: إنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةٍ. قُلْنا: هم بمَنْزِلَةِ القرابَةِ، بدَلِيلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ». ويَثْبُتُ فيهم حُكْمُ القَرابَةِ مِن الإِرْثِ والعَقْلِ والنَّفَقَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فيهم.
فصل: وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابْنِ أبى مُلَيْكَةَ، أنَّ خالِدَ بنَ سَعِيدِ ابن العاصِ بَعَث إلى عائشةَ سُفْرَةً مِن صَدَقَةٍ، فرَدَّتْها، وقالت: إنَّا آل محمدٍ لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ . وهذا يَدُلُّ على تَحْرِيمِها على أزْوَاجِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
١٠٢٤ - مسألة: (ويَجُوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ، والنَّذْرِ. وفى الكَفّارَةِ وَجْهان) قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما لا يُعْطَوْن مِن الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ،
فأمّا التَّطَوُّعُ فلا. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُمْنَعُون مِن الصَّدَقَةِ التَّطوُّعِ أيضًا؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ:«إنَّا لَا تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ». والأوَّلُ أظْهَرُ؛
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال اللَّهُ تعالى:{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}.
وقال تعالى:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ولا خلافَ في إباحَةِ إيصالِ المَعْرُوفِ إلى الهاشِمِىِّ، والعَفْوِ عنه، وإنْظارِه.
وقال إخْوَةُ يُوسُفَ:{وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا}. والخبرُ أُرِيدَ به صَدَقَةُ الفَرْضِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ كان لها، والألِفُ واللَّامُ تَعُودُ إلى المَعْهُودِ. وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه ، أنَّه كان يَشْرَبُ مِن سِقاياتٍ بينَ مكةَ والمَدِينَةِ، فقلتُ له: أتَشْرَبُ مِن الصَّدَقَةِ؟ فقال: إنَّما حُرِّمَتْ علينا الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ .
ويَجُوزُ أن يَأْخُذُوا مِن الوَصايَا للفُقَراءِ،
ومِن النُّذُورِ؛ لأنَّهما تَطَوُّعٌ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لهم. وفى الكَفَّارَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، يجوزُ؛ لأنَّها ليست بزكاةٍ، ولا هى أوْساخُ الناسِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. والثانِى، لا يجوزُ؛ لأنَّها واجِبَة لإِيجابِه على نَفْسِه، أشْبَهَتِ الزَّكاةَ.
ولو أهْدَى المِسْكِينُ ممَّا تُصُدِّقَ به عليه إلى الهاشِمِىِّ، حَلَّ له؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أكَل ممّا تُصُدِّقَ به على أُمِّ عَطِيَّةَ، وقال:«إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا». مُتَّفَقٌ عليه .
فصل: وِكُلُّ مَن حُرِم صَدَقَةَ الفَرْضِ مِن الأغْنِياءِ، وقَرابَةِ المُتَصَدِّقِ، والكافِرِ، وغيْرِهم، يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إليهم، ولهم أخْذُها، قال اللَّهُ تعالى:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتيمًا وَأسِيرًا}. ولم يكنِ الأسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كافِرًا. وعن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالت: قَدِمَتْ علىِّ أُمِّى وهى مُشْرِكَةٌ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّى قَدِمَت علىَّ وهى راغِبَة، أفأصِلُها؟ قال:«نعم، صِلِى أُمَّكِ». وكَسا عُمَرُ أخًا له مُشْرِكًا حُلَّةً كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطاه إيّاها .
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لسَعْدٍ:«إنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى أهْلِكَ صَدَقَةٌ، وإنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأتُكَ صَدَقَة». مُتَّفَقٌ عليه .
فصل: فأمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فالظَّاهِرُ أنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَها كانت مُحَرَّمَةً عليه، فَرْضَها ونَفْلَها؛ لأنَّ اجْتِنابَها كان مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِه، فلم يكنْ ليُخِلَّ بذلك، بدَلِيلِ أنَّ في حديثِ سَلْمانَ الفارِسِىِّ، أنَّ الذى أخْبَرَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ووَصَفَه له، قال: إنَّه يَأْكلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكلُ الصَّدَقَةَ .
وقال أبو هُرَيْرَةَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أُتِى بطَعامٍ سأل عنه؟
فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ. قال لأصحابِه:«كُلُوا». ولم يَأْكلْ،
وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَب بيَدَيْه، وأكل معهم. أخْرَجَه البخارىُّ .
وقال في لَحْمٍ تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ : «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ». ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أشْرَفَ الخَلْقِ، وكان له مِن المَغانِمِ خُمْسُ الخُمْسِ والصَّفِىُّ فحُرِمَ نَوْعَىِ الصَّدَقَةِ، فَرْضَها ونَفْلَها، والُه دُونَه في الشَّرَفِ، ولهم خُمْسُ الخُمْسِ وَحْدَه، فحُرِمُوا أحَدَ نَوْعَيْها، وهو الفَرْضُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لم تكنْ مُحَرَّمَةً عليه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، إن شْاء اللَّهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ. واللَّهُ تعالى أعلمُ. ١٠٢٥ - مسألة: (وهل يَجُوزُ دَفْعُها إلى سائِرِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه مِن أقارِبِه، أو إلى الزَّوْجِ، أو بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن) الأقارِبُ غيرُ الوالِدَيْن قِسْمان؛ مَن لا يَرِثُ منهم، يجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، سَواءٌ كان انْتِفاءُ الإِرْثِ لانْتِفاءِ سَبَبِه؛ لكَوْنِه بَعِيدَ القَرابَةِ ليس مِن أهْلِ المِيراثِ في حالٍ، أو كان لمانِعٍ، مثلَ أن يَكُونَ مَحْجُوبًا عن الميراثِ، كالأخِ المَحْجُوبِ بالابْنِ، والعَمِّ المَحْجُوبِ بالأخِ وابْنِه، فيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه؛
لأنَّه لا قَرابَةَ جُزْئِيَّةً بينَهما ولا مِيراثَ، فأشْبَها الأجانِبَ. والثانِى، مَن يَرِثُ، كالأخَوَيْن اللَّذَيْن يَرِث كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما دَفعُ زَكاتِه إلى الآخَرِ. وهى الظاهِرَةُ عنه، رَواها عنه الجماعَةُ.
قال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وإسحاقَ ابنِ مَنْصُورٍ، وقد سألَه: يُعْطِى الأخَ والأخْتَ والخَالَةَ مِن الزَّكاةِ؟ قال: يُعْطِى كُلَّ القَرابَةِ إلَّا الأبَوَيْن والوَلَدَ. وهذا قولُ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَة، وَهِىَ لِذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَة وَصِلة». فلم يَشْتَرِطْ نافِلَةً ولا فَرِيضَة، ولم يُفَرِّقْ بينَ الوارِثِ وغيرِه. ولأنَّه ليس مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى المَوْرُوثِ. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ؛
لأنَّ على الوارِثِ مُؤْنَةَ المَوْرُوثِ،
فإذا دَفَع إليه الزَّكاةَ أغْناه عن مُؤْنَثِه، فيَعُودُ نَفْعُ زَكاتِه إليه، فلم يَجُزْ، كدَفْعِها إلى والِدِه، أو قَضاءِ دَيْنِه بها، والحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فيُحْمَلُ عليها. فعلى هذا إن كان أحَدهما يَرِثُ الآخَرَ، ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والعَتِيقِ مع مُعْتِقِه، فعلى الوارِثِ منهما نَفَقَةُ مَوْرُوثِه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه على هذه الرِّوايَةِ، وليس على المَوْرُوثِ منهما نَفَقَةُ وارِثِه، ولا يُمْنَغ مِن دَفْع الزَّكاةِ إليه، لانْتِفاءِ المُقْتَضِى للمَنْع.
ولو كان أخَوان، لأحَدِهما ابْن، والآخَر لا وَلَدَ له، فعلى أبى الابْنِ نَفَقَةُ أخِيه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه، وللذى لا وَلَدَ له دَفْعُ زَكاتِه إلى أخِيه، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لأنَّه مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه. ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ.
فأمّا ذوو الأرْحامِ في الحالِ التى يَرِثُون فيها، فيَجُوزُ دَفْعُها إليهم، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ قَرابَتَهم ضَعِيفة، لا يَرِثُ بها مع عَصَبَةٍ، ولا ذى فَرْضٍ، غيرِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فلم يَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكاةِ، كقَرابَةِ سائِرِ المسلمين،
فإنَّ مالَه يَصِيرُ إليهم عندَ عَدَمِ الوارِثِ.
فصل: فإن كان في عائِلَتِه مَن لا يَجِبُ عليه الإِنْفاقُ عليه، كيَتِيمٍ أجْنَبِىٍّ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ له دَفْعُ زَكاتِه إليه؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه، لإغْنائِه بها عن مُؤْنَتِه.
والصَّحيحُ، إن شاء اللَّهُ جَوازُ دَفْعِها إليه؛ لأنَّه داخِلٌ في الأصْنافِ المُسْتَحِقِّين للزكاةِ، ولم يَرِدْ في مَنْعِه نَصٌّ ولا إجْماعٌ ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، فلم يَجُزْ إخْراجُه عن عُمُومِ النَّصِّ بغيرِ دَلِيلٍ. وقد روَى البخارىُّ ، أنَّ امرأةَ عبدِ اللَّهِ سألَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَنِى أخٍ لها أيْتامٍ، في حَجْرِها، أفتُعْطِيهم زَكاتَها؟ قال:«نَعَمْ».
فإن قِيلَ: فهو يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه. قُلْنا: قد لا يَنْتَفِعُ به، لإِمْكانِ صَرْفِها في مَصالِحِه التى لا يَقومُ بها الدّافِعُ.
وإن قُدِّرَ الانْتِفاعُ به، فإنَّه نَفْعٌ لا يُسْقِطُ به واجِبًا عليه ولا يَجْتَلِبُ به مالًا إليه، فلم يَمْنَعْ ذلك الدَّفْعَ، كما لو لم يكنْ مِن عائِلَتِه.
فصل: ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الإِنسانُ ذا قَرابَتِه مِن الزَّكاةِ؛ لكَوْنِه غارِمًا، أو مُؤَلَّفًا، أو عامِلًا، أو غارِمًا لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، ولا يُعْطِى لغيرِ ذلك. فصل: وفى دَفْع الزَّكاةِ إلى الزَّوْجِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْن، فلم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، كالآخَرِ، ولأنَّها تَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه؛ لأنَّه إن كان عاجزًا عن الإِنْفاقِ عليها تَمَكَّنَ بَأخْذِ الزَّكاةِ مِن الإِنْفاقِ، فيَلْزَمُه،
وإن لم يَكُنْ عاجِزًا، لكنَّه أيْسَرَ بها، فلَزِمَتْه نَفَقَةُ المُوسِرِينَ، فيَنْتَفِعُ بها في الحالَيْن، فلم يَجُزْ لها ذلك، كما لو دَفَعَتْها في أُجْرَةِ دارٍ، أو نَفَقَةِ رَقِيقِها أو بَهائِمِها.
فإن قِيلَ: فيُلْزَمُ على هذا الغَرِيمُ، فإنَّه يَجُوزُ له دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه،
ويُلْزَمُ الآخِذُ بذلك وفاءَ دَيْنِه. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ آكَدُ مِن حَقِّ الغَرِيمِ؛ بدَلِيلِ أنَّ نَفَقَةَ المرأةِ مُقَدَّمَةٌ في مالِ المُفْلِس على وفاءِ دَيْنِه، وأنَّها تَمْلِكُ أخْذَها مِن مالِه بغيرِ عِلْمِه إذا امْتَنَعَ مِن أدائِها. والثانِى، أنَّ المرأةَ تَنْبَسِطُ في مالِ زَوْجِها بحُكْمِ العادَةِ، ويُعَدُّ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مالًا للآخَرِ، ولهذا قال ابنُ مسعودٍ، في عَبْدٍ سَرَق مِرْآةَ امْرَأةِ سَيِّدِه: عَبْدُكم سَرَق مالَكم.
ولم يَقْطَعْه. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ . والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يَجُوزُ للمرأةِ دَفْعُ زَكاتِها إلى زَوْجِها. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ زَيْنَبَ امْرَأةَ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّك أمَرْتَ اليَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وكان عِنْدِى حُلِىٌّ لى، فأرَدْتُ أن أتُصَدَّقَ به، فزَعَمَ ابْنُ مسعودٍ أنَّه هو ووَلَدَه أحَقُّ مَن تَصَدَّقْتُ عليهم. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
رَواه البخارىُّ . ولأنَّه لا تَجِبُ نَفَقَتُه، فلم يُمْنَعْ دَفْع الزَّكاةِ إليه، كالأجْنَبِىِّ، وبهذا فارَقَ الزَّوْجَةَ،
فإنَّ نَفَقَتَها واجِبَة عليه، ولأنَّ الأصْلَ جَوازُ الدَّفْع إلى الزَّوْجِ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الأصْنافِ المُسَمَّيْن في الزَّكاةِ، وليس في المَنْع نَصٌّ ولا إجْماعٌ، وقِياسُه على مَن يَثْبُتُ المَنْعُ في حَقِّه لا يَصِحُّ؛ لوُضُوحِ الفَرْقِ بينَهما، فيَبْقَى جَوازُ الدَّفْعِ ثابِتًا. والاسْتِدْلالُ بهذا أقْوَى مِن الاسْتِدْلالِ بحديثِ ابنِ مسعودٍ، لأنَّه في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لقولِها: أرَدْتُ أن أتَصَدَّقَ بحُلِىٍّ لى. ولا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بالحُلِىِّ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِم».
والوَلَدُ لا تُدْفَعُ إليه الزكاةُ.
فصل: وهل يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، ليس لهم ذلك. نَقَلَها عنه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وغيرُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِى جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، إنَّما نَحْنُ وَهُمْ شَئٌ وَاحِدٌ». وفى لَفظٍ رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه»: «إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ وَاحِدٌ» وشَبَّكَ بينَ أصَابِعِه. ولأنَّهم يَسْتَحِقُّون مِن خُمْسِ الخُمْسِ فمُنِعُوا مِن الزَّكاةِ، كبَنِى هاشِمٍ، وقد أكَّد ذلك ما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ مَنْعَهم مِن الصَّدَقَةِ باسْتِغْنائِهم عنها بخُمْسِ الخُمْسِ، فقال: «ألَيْسَ فِى خُمْسِ الخُمْسِ مَا يُغْنِيكُمْ» .
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لهم الأخْذُ منها. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لدُخُولِهم في عُمُومِ الصَّدَقاتِ، لكنْ خَرَج بَنُو هاشِم لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ». فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ المَنْعُ بهم،
ولا يَصِحُّ قِياسُهم على بنى هاشِم؛ لأنَّ بَنِى هاشِمٍ أقْرَبُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأشْرَفُ، وهم آل النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومُشارَكَةُ بنى المُطَّلِبِ لهم في خُمْسِ الخُمْسِ ما اسْتَحَقُّوه بمُجَرَّدِ القَرابَةِ؛ بدَلِيلِ أنَّ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ وبنى نَوْفَلٍ يُساوُونهم في القَرابَةِ، ولم يُعْطَوْا شيئًا، وإنَّما شارَكُوهم بالنُّصْرَةِ، أو بهما جميعًا، والنُّصْرَةُ لا تَقتَضِى مَنْعَ الزَّكاةِ. ١٠٢٦ - مسألة؛
(وَلَا مَوَالِيهِمْ) جَمْعُ مَوْلًى؛ وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَهُ هَاشِمِيٌّ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا:«إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي الْإِرْثِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفَقَةِ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ، وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ إِلَى الْجَوَازِ، وَحَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَكَمَوَالِي مَوَالِيهِمْ.
١ - فَرْعٌ: لَا تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَى أَزْوَاجِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ كَمَوَالِيهِنَّ لِلْأَخْبَارِ،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ بِسُفْرَةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَدَّهُ الْجَدُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الِاسْتِحْبَابُ إِجْمَاعًا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ حَمْدَانَ.
قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِمَا اخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: لَا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، لِأَنَّ الطَّلَبَ كَانَ لَهَا، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، (وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَالنَّذْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرَةِ، وَالْوُجُوبُ فِي الْآدَمِيِّ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ الْمَنْعُ، وَجَزَمَ فِي " الرَّوْضَةِ " بِتَحْرِيمِ النَّفْلِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ، (وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ،
وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوْسَاخُ النَّاسِ، أَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
١ - تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَنْ حَرُمَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، جَازَ دَفْعُ التَّطَوُّعِ لَهُ، وَلَهُ أَخْذُهَا حَتَّى كَافِرٍ وَغَنِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يَحْرُمِ التَّطَوُّعُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ،
وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِبُخْلٍ بِهِ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَاصْطِنَاعِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. (وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، كَالْأُخْتِ أَوِ الْأَخِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ؛ ولِأَنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَمَا لَوْ تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ، وَحُكْمُ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ كَذَلِكَ،
وَإِذَا قبلَ زَكَاةٌ، دَفَعَهَا إِلَيْهِ قَرِيبُهُ وَلَا نَفَقَةَ،
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَطَالَبَ بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أُجْبِرَ، وَلَا يُجْزِئْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَعْلُهَا زَكَاةً.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّها الْأَشْهَرُ لِغِنَاهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إِلَى الدَّافِعِ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَرِيبَ إِذَا لَمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ،
فَلَوْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كَعَمَّةٍ وَابْنِ أَخِيهَا، وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَصَحِّ،
وَفِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ الْخِلَافُ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ،
فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ،
وَإِنْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ، وَفِي الْإِرْثِ بِالرَّدِّ الْخِلَافُ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُعْطَى قَرِيبُهُ لِعُمَالَةٍ وَتَأْلِيفٍ، وَغَزْوٍ وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَوْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ يَتِيمٍ، وَضَمَّهُ إِلَى عِيَالِهِ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْإِرْشَادِ ": لَا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَى بِهَا مَالَهُ وَعِرْضَهُ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ الَّتِي عَوَّدَهُ إِيَّاهَا تَبَرُّعًا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الزَّوْجِ فِي رِوَايَةٍ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "«لِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي؟ فَقَالَ: " لَهَا أَجْرَانِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إِلَيْهَا لِتَمَكُّنِهَا مِنْ أَخْذِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ مَعَ الْعَجْزِ الْكُلِّيِّ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ تَأَوَّلَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسِيسٍ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ شَيْئًا،
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الزَّوْجَيْنِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ وَكِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ نَفَقَةَ وَاجِبٍ كَعَمُودَيْ نَسَبِهِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا " الْخِرَقِيُّ "، وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ، لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ وَهُوَ لَا يَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ، وَأَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ، وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ بَلْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَالثَّانِيَةُ: نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا: الْمَنْعُ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ:«بَنُو الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَمُنِعُوا كَبَنِي هَاشِمٍ،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُنِعُوا مِنَ الْخُمُسِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَأَتَّى الْخِلَافُ هُنَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَوَالِيهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا تُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْمَنْعِ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ مَوْلَى قُرَيْشٍ: يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ؛ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي،
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى؟ قَالَ: هَذَا أَبْعَدُ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ.
ويجُوزُ لبَنى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وحكَاه فى «الفُروعِ» إجْماعًا. ونقَل المَيمُونِىُّ، أنَّ التَّطَوُّعَ لا يحِل لهم أيضًا. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: فيكونُ النَّذْرُ والوَصِيَّةُ للفُقَراءِ أوْلَى بالتَّحْريمِ. وجزَم فى «الرُّوْضَةِ» بتَحْريمِ أخْذِ صدَقَةِ التَّطَوُّعِ على بَنِى هاشِمٍ ومَوالِيهم. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . والنَّذْرِ. يعْنِى يجوزُ لهم الأخْذ مِنَ النَّذْرِ، كصَدقَةِ التَّطَوُّعِ ووَصايَا الفُقَراءِ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحابِ، وجزَم به أكثرُهم. وقطَع فى «الرَّوْضَةِ» بتَحْريمِه أيضًا عليهم. وحكَى فى «الحاوِيَيْن» فى جَوازِ أخْذِهم مِنَ النُّذُورِ وَجْهَيْن، وأطْلَقهما هو وصاحِبُ «تَجْريدِ العِنايَةِ». وفى الكَفَّارَةِ وَجْهان. قال فى «الهِدَايَةِ»: ويتَخرَّجُ فى الكفَّارَةِ وَجْهان. وأطْلَقهما فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاويَيْن»، و «الفائِق»، و «الزَّرْكَشِىُّ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»؛ أحدُهما، هى كالزَّكاةِ، فلا يجوزُ لهم الأخْذُ منها لوجُوبِها بالشَّرْعِ. وهو المذهبُ، صحَّحَه المَجْدُ فى «شَرْحِه»،
وقال: بل هى أوْلَى مِنَ الزَّكاةِ فى المَنْعِ. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهِرُ «الوَجيزِ»؛ فإنَّه قال: وللهاشِمىِّ والمُطَّلِبِىِّ الأخْذُ مِنَ الوَصِيَّةِ، وصدَقَةِ التَّطَوُّعِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». والوَجْهُ الثَّانى، هى كصدَقَةِ التَّطوُّعِ. قدَّمه ابنُ رَزِينٍ، وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
تنبيه: رأَيْتُ فى نُسْخَتَيْن عليهما خَطُّ المُصَنِّفِ: ويجوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صدَقَةِ التَّطوُّعِ، ووَصايَا الفُقَراء، وفى النَّذْرِ وَجْهان. بغيرِ ذِكْرِ الكفَّارَةِ رأْسًا، وإطْلاقُ الخِلافِ فى النَّذْرِ. ثم أُصْلِحَ وعُمِلَ كما فى الأصْلِ؛
وهو: ويجوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ والنَّذْرِ، وفى الكفارَةِ وَجْهان. وهو ألْيَقُ بالمَشْهُورِ بينَ الأصحابِ، ولكنْ قد ذكَرْنا الخِلافَ فى النَّذْرِ أيضًا.
فائدة، إذا حَرُمَتِ الصَّدقَةُ على بنى هاشِمٍ، فالنَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بطَريقٍ أوْلَى. ونَقلَه المَيْمُونِىُّ،
وإنْ لم تَحْرُمْ عليهم، فهى حَرامٌ عليه أيضًا، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، على الصَّحيحِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال: اخْتارَه جماعةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال فى «الفائقِ»: ويحْرُمُ عليه صدَقَةُ التَّطوُّعِ، على أصحِّ الرِّوايتَيْن. ونقَل جماعة عن أحمدَ، لا تحْرُمُ عليه. اخْتارَه القاضى. ذكَرَهما ابنُ البَنَّا وَجْهَيْن، وأطْلَقهما فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ إِلَى الزَّوْجِ، أوْ بَنِى الْمُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
و «الحاوِى الكَبِيرِ». وهل يَجُوزُ دَفْعُها إلى سَائرِ مَن تَلْزَمُه مؤْنَتُه مِن أقارِبِه؟ على رِوايتَيْن. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»؛ إحْداهما، لا يجوزُ دَفْعُها إليهم، وهو المذهبُ. جزَم به الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «المُبْهِجِ»، و «الإيضَاحِ»، و «عُقُودِ ابنِ البَنَّا»، و «العُمْدَةِ»، . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الإِفاداتِ»، و «التَّسْهيلِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وصحَّحَه فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ» [و «تَصْحيحِ المُحرَّرِ»] . واخْتارَه القاضى فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، و «التَّعْليقِ».
وقال: هذه الرِّوايَةُ أشْهَرُهما. قال الزَّرْكَشِىُّ: هى أشْهَرُهما، وأنَصُّهما. قال ابنُ هُبَيْرَةَ: هى الأظْهَرُ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ؛ منهم المَجْدُ فى «شَرْحِه». وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ دَفْعُها إليهم. نقَلَها الجَماعَةُ عنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
الإِمامِ أحمدَ. قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، وتبِعَه الشَّارِحُ: هى الظَّاهِرُ عنه. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ». قال القاضى فى «التَّعْليقِ»: يمْكِنُ حَمْلُهما على اخْتِلافِ حالَيْن؛ فالمنعُ إذا كانتِ النَّفقَةُ واجِبَةً، والجَوازُ إذا لم تجِبْ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لو دفَعَها إليه وقَبِلَها، لم تَلْزَمْه نفَقَتُه لاسْتِغْنائِه بها، والنفقَةُ لا تجِبُ فى الذِّمَّةِ.
وإنْ لم يقْبَلْها، وطالَبه بنفَقَتِه الواجِبَةِ، أُجْبِرَ على دَفْعِها، ولا يُجْزِئُه فى هذه الحالِ جعْلُها زكاةً.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، جَوازُ دَفْعِها إلى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه نفَقَتُهم إذا كان يَرِثُهم. وهو إحْدَى الرِّواياتِ. وهو المذهبُ، نقَلَها الجماعةُ،
وهو داخِلٌ فى عُمومِ قوْلِ المُصَنِّفِ: ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها الى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤنَتُهم. وهو ظاهرُ كلامِه فى «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، وجزَم به فى «الكافِى». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». قال الزَّرْكَشِىُّ: جازَ الدَّفْعُ إليهم، بلا نِزاعٍ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ؛ منهم الخِرَقِىُّ، والقاضى، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ دَفْعُها إليهم. صحَّحَه فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، وأطْلَقهما فى «الفُروعِ». والرِّوايةُ الثَّالثةُ، إنْ كان يمُونُهم عادةً، لم يَجُزْ دَفْعُها إليهم، وإلَّا جازَ. ذكَرَها ابنُ الزَّاغُونىِّ.
فوائد؛ الأُولَى، لو كان أحَدُهما يرِثُ الآخَرَ، ولا يرِثُه الآخَرُ؛ كعَمَّةٍ وابنِ أخِيها، وعَتِيقٍ ومُعْتِقِه، وأخَوَيْن لأحَدِهما ابنٌ، ونحوُه، فالوَارِثُ منهما تَلْزَمُه النَّفقَةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن، على ما يأْتِى فى كلامِ المُصَنِّفِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى بابِ نَفَقَةِ الأقارِبِ، فعَليْها، فى جَوازِ دَفْعِ الزَّكاةِ إليهم الخِلافُ المُتَقدِّمُ، وعَكْسُه الآخَرُ ذكَرَه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وتَبِعَه فى «الفُروعِ» وغيرِه. الثَّانيةُ، يجوز دَفْعُها إلى ذَوِى الأرْحام،
ولو وَرِثُوا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن؛ لضَعْفِ قَرابَتِهم. قال المُصنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، لا يجوزُ دَفْعُها إليهم. الثَّالثةُ، فى الإرْثِ بالرَّدِّ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ. قالَه فى «الفُروعِ»، وقدَّمه.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: يجوزُ، وفيه رِوايةٌ. وتقدَّم إذا كان غَنِيًّا بنَفقَةٍ لازِمَةٍ أو تَبرُّعٍ، هل يجوزُ الدَّفْعُ إليه؟ عندَ قوْلِه: ولا فَقِيرَةٌ لها زَوْجٌ غَنِىٌّ؟ الرَّابعةُ، يجوزُ كوْنُ قَريبِ المُزَكِّى عامِلًا، ويأْخُذُ مِن زَكاتِه بلا نِزاعٍ. جزَم به فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال المَجْدُ: لا تَخْتَلِفُ الرِّوايَةُ، أنَّه يجوزُ أنْ يَدْفَعَ إلى أقارِبِه لغيرِ النَّفقَةِ الواجِبَةِ عليه، إذا كان غارِمًا أو مُكاتَبًا، أو ابنَ سَبِيل،
بخِلافِ عَمُودَىْ نَسَبِه؛ لقُوَّةِ القَرابَةِ. وجعَل فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، الأَقارِبَ كعَمُودَىِ النَّسَبِ فى الإعْطاءِ لغُرْمٍ وكِتابَةٍ لا غيرُ، على قَوْلٍ.
فقالوا: وقيلَ: يُعْطِى عَمُودَى نسَبِه وبقِيَّةَ أقارِبِه لغُرْم وكِتابَةٍ. وأطْلقَ هَذين الوَجْهَيْن فى «الحاوِيَيْن».
وقال فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: لا يُدْفَعُ إلى أقارِبِه مِن سَهْم الغارِمين إذا كانوا منهم. وجزَم المُصَنِّفُ وغيرُه، أنَّه يُعْطِى تَرابَتَه لعِمالَةٍ، وتَأْليفٍ، وغُرْم لذاتِ البَيْنِ، وغَزْوٍ، ولا يُعْطِى لغيرِ ذلك. الخامسةُ، لو تَبرَّعَ بنفَقَةِ قريبٍ أو يَتيِمٍ أو غيرِه، وضَمَّه إلى عِيالهِ، جازَ له دفْعُ الزَّكاةِ إليه. قال المَجْدُ: هو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، والقاضى، وأكثرِ الأصحابِ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ؛ منهم . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. ونقَل أكْثَرُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ دَفْعُها إليه. اخْتارَه أبو بَكْر فى «التَّنْبيهِ»، وابنُ أبى مُوسَى فى «الإِرْشادِ». وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّمه فى «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ». أو إلى الزَّوْجِ؟ على رِوايتَيْن. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُبْهِجِ»، و «الإيضَاحِ»، و «عُقُودِ ابنِ البَنَّا»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الهَادِى»، و «المُغْنى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»؛ إحْداهما، يجوزُ. وهى المذهبُ. اخْتارَه القاضى وأصحابُه، والمُصَنِّفُ. قالَه فى «الفُروعِ»، [وفيه نظَرٌ؛ لأنَّا لم نجِدِ المُصَنِّفَ اخْتارَه فى كُتُبِه، بل المَجْزُومُ به فى «العُمْدَةِ» خِلافُ ذلك] . قال ابنُ رَزِينٍ: هذا أظْهَرُ. واخْتارَه أبو بَكْرٍ. قالَه شيْخُنا فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ»، وصحَّحَه فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهبِ»، و «التَّصْحِيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، وقدَّمه فى «إِدْرَاكِ الغايَةِ».
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ. قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: هذا المذهبُ. وجزَم به فى «الخِرَقِىِّ»، و «العُمْدَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «التَّسْهِيلِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحَّحَه فى «تَصْحِيحِ المُحَرَّرِ»، وقال: اخْتارَه القاضى فى «التَّعْليقِ». وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه». واخْتارَه أبو بَكْر، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»،
وقال: اخْتارَه أبو الخَطَّابِ. واخْتارَه الخَلالُ أيضًا،
وقال: هذا القوْلُ الذى عليه أحمدُ، ورِوايَةُ الجَوازِ قولٌ قَدِيمٌ رجَع عنه.
فائدة: لم يَسْتَثْنِ جماعةٌ مِنَ الأصحابِ، منهم المُصَنِّفُ هنا، جَوازَ أخْذِ الزَّوْجِ مِنَ الزَّوْجَةِ، وأخْذِها منه لسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ غيرِ الفَقْرِ والمَسْكنَةِ، فلا يجوزُ أخْذُ واحدٍ منهما لغَزْوٍ، ولا لِكتابَةٍ، ولا لقَضاءِ دَيْن، ونحوِه. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: ظاهرُ المذهبِ، لا يجوزُ أخْذُ واحدٍ منهما مِنَ الآخَرِ لقَضاءِ دَيْنٍ ولا لِكتابَةٍ.
وقال القاضى فى «المُجَرَّدِ»: يجوزُ الأخْذُ لقَضاءِ دَيْنٍ أو كِتابَةٍ؛ لأنَّه لا يدْفَعُ عن نفْسِه نفَقَةً واجِبَةً، كعَمُودَىِ النَّسَبِ،
وأمَّا الأخْذُ لغيرِهما، فلا يجوزُ، قوْلًا واحِدًا. أو بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايتَيْن. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، [و «المَذْهَبِ الأَحْمَدِ»] ؛ إحداهما، يجوزُ. وهو المذهبُ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ فى «شَرْحِه». وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، والمُصَنِّفِ فى «العُمْدَةِ»، وابنِ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»؛ لمنْعِهم بَنِى هاشِمٍ ومَوالِيهم، واقْتِصارِهم على ذلك. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الخِرَقِى، والشَّيْخُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم. وجزَم به ابنُ البَنَّا فى «العُقودِ»، وصاحِبُ «المُنَوِّرِ»، وقدَّمه ابنُ رَزِين فى «شَرْحِه».
والرِّوايةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانيةُ، لا يجوزُ. اخْتارَه القاضى وأصحابُه، وصحَّحَه فى «التَّصْحِيحِ»، و «تَصْحِيحِ المُحَرَّرِ»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه». وجزَم به فى «المُبْهِجِ»، و «الإِيضَاحِ»، و «الإفادَاتِ»، و «الوَجيزِ»، و «التَّسْهيلِ»، وإليه مَيْلُ الزَّرْكَشِىِّ.
فائدة: قال فى «الفُروعِ»: لم يذْكُرِ الأصحابُ مَوالِىَ بَنِى المُطَّلِبِ. قال: ويتَوجَّهُ أنَّ مُرادَ أحمدَ والأصحابِ، أنَّ حُكْمَهم كموَالِى بَنِى هاشِمٍ. وهو ظاهرُ الخَبَرِ والقِياسِ. وسُئِلَ فى رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ عن مَوْلَى قُرَيْشٍ، يأْخُذُ الصَّدقَةَ؟ قال: ما يُعْجِبُنِى.
قيل له: فإنْ كان مَوْلَى مَوْلًى؟ قال: هذا أبْعَدُ. فيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ. انْتَهى كلامُ صاحبِ «الفُروعِ». والظاهِرُ أنَّه تابَعَ القاضِىَ؟ فإنَّه قال فى بعضِ كلامِه: لا يُعْرَفُ فيهم رِوايَةٌ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ نقولَ فيهم ما نقولُ فى مَوالِى وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، إِلَّا الْغَنِىَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا، فِى إِحْدَى الرِّوَايتَيْنِ.
بَنِى هاشِمٍ. انتهى. ملتُ: لم يطَّلِعْ صاحبُ «الفُروعِ» على كلامِ القاضى وغيرِه مِنَ الأصحابِ فى ذلك؛ فقد قال فى «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، و «الإِشارَةِ»، و «الخِصَالِ» له: تحْرُمُ الصَّدقَةُ المفْروضَةُ على بَنِى هاشِمٍ، وبَنِى المُطَّلِبِ، ومَوالِيهم.
وكذا قال فى «المُبْهِجِ»، و «الإِيضَاحِ».
وقال فى «الوَجيزِ»: ولا تُدْفَعُ إلى هاشِمىٍّ ومُطَّلِبِىٍّ ومَوالِيهما.
قال: (ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر. وفي الكفارة وجهان) .
أما كون بني هاشم يجوز لهم الأخذ من صدقة التطوع فـ «لأن محمد بن علي رضي الله عنهما كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة».
ولأنه يجوز اصطناع المعروف إليهم وهو صدقة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«كل معروف صدقة» حديث صحيح.
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من وصايا الفقراء والنذر فلأنهما لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة، ووجوبهما بإيجاب الآدمي أشبها الهبات.
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من الكفارة في وجهٍ فلأنها لا تسمى صدقة وسببها حنث الآدمي أشبهت صدقة التطوع.
وأما كونهم لا يجوز لهم أخذها في وجهٍ؛ فلأنها طهرة لها مصارف أشبهت الزكاة.
قال: (وهل يجوز دفعها إلى سائرمن تلزمه مؤونته من أقاربه أو إلى الزوج أو بني المطلب؟ على روايتين) .
أما كون غير الوالد وإن علا والولد وإن سفل من سائر أقاربه الذين تلزمه مؤونتهم كأخيه وأخته ونحوهما يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلأنه تقبل شهادتهم له فجاز الدفع إليهم كالأجانب.
وأما كونهم لا يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلما ذكر في الوالد والولد.
وأما كون الزوج يجوز أن تدفع زوجته زكاتها إليه على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزينب امرأة ابن مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم».
ولأنه لا يلزمها نفقته فلم يحرم عليه زكاتها كالأجنبي.
وأما كونها لا يجوز لها ذلك على روايةٍ؛ فلأنه أحد الزوجين فلم يجز الدفع إليه كالآخر.
وهذه هي الصحيحة لما ذكر.
ولأن الظاهر أن ما يأخذه يعود نفعه عليها فتكون قد قصدت التوسعة عليها بزكاتها وعود النفع إليها وذلك غير جائز. والحديث المراد به صدقة التطوع بدليل أنه ذكر الولد فيه ولا يجوز دفع الزكاة إليه قولاً واحداً.
وأما كون بني المطلب يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلدخولهم في عموم قوله تعالى:{إنما الصدقات للفقراء ... الآية} خرج من ذلك بنو هاشم لمعنى يختص بهم فوجب أن يبقى فيمن عداهم على مقتضاه.
وأما كونهم لا يجوز دفعها إليهم على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد»، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ فكذا من ساواهم.
ولأن حرمان الصدقة حكم يتعلق بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه بنو هاشم وبنو المطلب الذين هم وهم شيء واحد قياساً على سهم ذوي القربى من الخمس. ثم هو بدل الصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم:«أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» وبنو المطلب يأخذون من خمس الخمس فلا يجمع لهم بين البدل والمبدل.
وهذه هي الصحيحة؛ لأن دليلها يخص بمثله العموم ويوجب إلحاق بني المطلب ببني هاشم، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ من الزكاة فكذا بنو المطلب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.