وَكَسُقُوطِ جِدَارِ مَالٍ وَأَنْذَرَ صَاحِبَهُ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ:
الشروح عليها
(وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ) عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ فَيَضْمَنُ صَاحِبُهُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ (مَالَ) بَعْد أَنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا (وَأَنْذَرَ صَاحِبَهُ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ: أَصْلِحْ جِدَارَك وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ حَاكِمٍ كَمَا لِلْجِيزِيِّ (وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ) بِأَنْ يَتَّسِعَ الزَّمَانُ الَّذِي يُمْكِنُ الْإِصْلَاحُ فِيهِ وَلَمْ يُصْلِحْ فَيَضْمَنُ الْمَالَ وَالدِّيَةَ فِي مَالِهِ وَمَفْهُومُ مَالَ أَنَّهُ لَوْ بَنَاهُ مَائِلًا ابْتِدَاءً فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ لَضَمِنَ بِلَا تَفْصِيلٍ، وَمَفْهُومُ أَنْذَرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُنْذِرْ أَيْ مَعَ الْإِشْهَادِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ مَعَ تَفْرِيطِهِ فَيَضْمَنَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ صَاحِبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْإِنْذَارُ إذْ لَيْسَ لَهُمْ هَدْمٌ وَمَفْهُومُ أَمْكَنَ تَدَارُكُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ سَقَطَ قَبْلَ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَارُكُ لَمْ يَضْمَنْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: فَيَضْمَنُ صَاحِبَهُ) أَيْ الْمَالِ وَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ بَعْدُ وَهَذَا رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَرِوَايَةُ زوزان عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَ الثُّلُثَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَرَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ
(قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ
وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْجِدَارِ إلَّا إذَا قَضَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْهَدْمِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ وَهْبٍ
وَقِيلَ: إنْ بَلَغَ حَدًّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ عَدَمُهُ لِشِدَّةِ مَيَلَانِهِ فَتَرَكَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إشْهَادٌ وَلَا حُكْمٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ اُنْظُرْ ح وَالتَّوْضِيحَ
(قَوْلُهُ: وَأَنْذَرَ صَاحِبَهُ) الْمُرَادُ بِهِ مَالِكَهُ الْمُكَلَّفَ أَوْ وَكِيلَهُ الْخَاصَّ أَوْ الْعَامَّ، وَالْوَكِيلُ الْعَامُّ هُوَ الْحَاكِمُ إذْ كَانَ رَبُّ الْجِدَارِ غَائِبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ خَاصٌّ وَمِنْ الْوَكِيلِ الْخَاصِّ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَوَصِيُّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ،
فَإِذَا سَقَطَ الْجِدَارُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ ضَمِنَ وَصِيُّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي مَالِهِ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ مَالٌ وَضَمِنَ نَاظِرُ وَقْفٍ وَوَكِيلٌ خَاصٌّ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ يَصْلُحُ مِنْهُ لِتَقْصِيرِهِمَا،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَأَمْكَنَهُمَا السَّلَفُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَهُوَ مَلِيءٌ وَتَرَكَا حَتَّى سَقَطَ ضِمْنًا فِيمَا يَظْهَرُ اُنْظُرْ عبق
(قَوْلُهُ: بِذَلِكَ) أَيْ بِالْإِنْذَارِ
(قَوْلُهُ كَمَا لِلْجِيزِيِّ) قَالَ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ الْبَرْمُونِيُّ وَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ فِي ضَمَانِهِ مِنْ الْإِشْهَادِ بِالْإِنْذَارِ عِنْدَ الْحَاكِمِ
وَأَمَّا الْإِشْهَادُ بِالْإِنْذَارِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ إمْكَانِ الْحَاكِمِ فَلَا يَكْفِي فِي الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ: وَمَفْهُومُ أَنْذَرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُنْذِرْ) الْأَوْضَحُ أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْإِنْذَارُ وَالْإِشْهَادُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْمَيَلَانِ فَمَا ذَكَرَ مِنْ قَيْدِ الْإِنْذَارِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ مُنْكِرًا لِلْمَيَلَانِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ
ص (وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ؛ مَالَ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْحَائِطُ الْمَخُوفُ إذَا أُشْهِدَ عَلَى رَبِّهِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ أَحَدٌ فَرَبُّهُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ،
وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا اهـ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ الْإِشْهَادُ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ مَنْ لَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَنْفَعُ الْإِشْهَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إذَا كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مُنْكِرًا لِمَيَلَانِهِ بِحَيْثُ يَخْشَى عَلَيْهِ السُّقُوطَ
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُقِرًّا فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِالْإِشْهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْهَدْمِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا بَلَغَ الْحَائِطُ مَا لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ تَرَكَهُ لِشِدَّةِ مَيَلَانِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ ضَامِنٌ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَمْ لَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ قَالَ يَحْيَى وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ جِدَارِ رَجُلٍ بَيْنَ دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ مَالَ مَيْلًا شَدِيدًا حَتَّى خِيفَ انْهِدَامُهُ أَتَرَى السُّلْطَانَ إذَا شَكَا ذَلِكَ جَارُهُ وَمَنْ يَخَافُ مِنْ إذَايَتِهِ وَضَرَرِهِ أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَهُ بِهَدْمِهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهَدْمِهِ قُلْت لَهُ فَإِنْ شَكَا إلَيْهِ مَا يَخَافُ انْهِدَامَ الْجِدَارِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى انْهَدَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بَيْتٍ لَصِقَ بِهِ فَقُتِلَ أَوْ هَدَمَ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ أَيَضْمَنُ ذَلِكَ صَاحِبُ الْجِدَارِ؟
قَالَ نَعَمْ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَصَابَ الْجِدَارَ بَعْدَ الشَّكِيَّةِ إلَيْهِ وَالْبَيَانِ لَهُ قَالَ يَحْيَى: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانٍ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ إذَا انْهَدَمَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ يَحْيَى إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ الْحَائِطُ إذَا انْهَدَمَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانٍ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا أَفْسَدَ بِانْهِدَامِهِ بَعْدَ أَنْ قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِهَدْمِهِ فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ زُونَانَ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ حَدًّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْمُهُ وَإِنْ لَمْ يُتَقَدَّمْ إلَيْهِ وَلَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ انْتَهَى
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مَرْهُونَةً أَوْ مُكْتَرَاةً لَمْ يَنْفَعْهُمْ الْإِشْهَادُ إلَّا عَلَى رَبِّهَا فَإِنْ غَابَ رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّاكِنِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ هَدْمُ الدَّارِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْجَمَلِ الصَّئُولِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ الثَّانِي عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا وَلَا عَلَى مَنْ هِيَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَوْ أَمَرَهُمْ السُّلْطَانُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا كَانَ الْحَائِطُ مَخُوفًا لَا يُمْهِلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْضُرُوا حَتَّى يُهْدَمَ أَعْلَا الْمَكَانَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا أَمَرَ بِهَدْمِهِ وَأَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَقْضِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ مَالًا فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي وِلَايَةِ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ فَإِلَيْهِمَا يَتَقَدَّمُ السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَنْ قَدَّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ حَتَّى سَقَطَ فَمَا أَفْسَدَ أَوْ قَتَلَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ دُونَ مَالِ الصَّبِيِّ إذَا أَمْكَنَ الْهَدْمُ وَتَرَكَاهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ غَائِبًا وَكَانَ لَهُ وَكِيلٌ وَتُقُدِّمَ إلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَقَطَ الْحَائِطُ فَهَلْ يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيَاسًا عَلَى الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى الْمَالُ إلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا رَوَى عِيسَى عَنْهُ فِي رَسْمِ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى زُونَانَ فِي سَمَاعِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ انْتَهَى.
(وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْحَائِطُ الْمَخُوفُ إذَا أُشْهِدَ عَلَى رَبِّهِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ أَحَدٌ فَرَبُّهُ ضَامِنٌ،
وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْمَائِلِ لِعَدَمِ الْإِشْهَادِ فَأَحْرَى فِي غَيْرِ الْمَائِلِ (وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ مَالَ الْحَائِطُ وَلَمْ يُتَدَارَكْ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْإِنْذَارِ وَالْإِشْهَادِ وَجَبَ الضَّمَانُ. ابْنُ عَرَفَةَ: جَعْلُ ابْنِ شَاسٍ الْإِمْكَانَ شَرْطًا صَوَابٌ.
(وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ) أَيْ حَائِطٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ (مَالَ) أَيْ حَدَثَ مَيَلَانُهُ مَيَلَانًا غَيْرَ ظَاهِرٍ بَعْدَ بِنَائِهِ مُسْتَقِيمًا فَإِنْ كَانَ بَنَاهُ مَائِلًا فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا (وَأُنْذِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أُعْلِمَ بِمَيَلَانِهِ وَطُلِبَ بِإِصْلَاحِهِ (صَاحِبُهُ) وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ [منح الجليل] قَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ وَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ،
فَإِنْ ظَهَرَ مَيَلَانُهُ وَتَرَاخَى فِي إصْلَاحِهِ حَتَّى سَقَطَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَلَوْ لَمْ يُنْذَرْ (وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ) بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ تَرْمِيمُهُ أَوْ هَدْمُهُ أَوْ إسْنَادُهُ فِيهِ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَقَطَ،
فَإِنْ لَمْ يَمِلْ أَوْ لَمْ يُنْذَرْ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ بَعْدَ الْإِنْذَارِ بِأَنْ سَقَطَ عَقِبَهُ بِلَا تَأَخُّرٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَدَارُكُهُ فَلَا يَضْمَنُ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُعْتَبَرُ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ مَنْ لَهُ النَّظَرُ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ صَاحِبُهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ مَثَلًا لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ هَدْمُهُ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَالضَّمَانُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ.
وَقِيلَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مَا بَلَغَ الثُّلُثَ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَقْضِيَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِهَدْمِهِ وَلَا يَفْعَلُهُ،
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَتَّى يَبْلُغَ حَدًّا يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْمُهُ فِيهِ لِشِدَّةِ مَيَلَانِهِ وَيَتْرُكُهُ فَيَضْمَنُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إشْهَادٌ وَحُكْمٌ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ مَنْ سَقَطَ مِيزَابُهُ عَلَى رَأْسِ إنْسَانٍ فَلَا يَضْمَنُهُ،
وَكَذَا الظُّلَّةُ وَالْعَسْكَرُ. قُلْت هُوَ قَوْلُهَا مَعَ غَيْرِهَا وَمَا شَرَعَ الرَّجُلُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِيزَابٍ أَوْ ظُلَّةٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ سَرْبٍ لِلْمَاءِ أَوْ لِلرِّيحِ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ، أَوْ حَفَرَ شَيْئًا يَجُوزُ لَهُ فِي دَارِهِ أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِئْرًا لِمَطَرٍ أَوْ مِرْحَاضٍ إلَى جَانِبِ حَائِطِهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِمَا عَطِبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَفِيهَا وَالْحَائِطُ الْمَخُوفُ إذَا أُشْهِدَ عَلَى رَبِّهِ بِهِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ أَحَدٌ فَرَبُّهُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدُوا عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ.
قُلْت فَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْمَائِلِ لِعَدَمِ الْإِشْهَادِ فَأَحْرَى فِي غَيْرِ الْمَائِلِ. الصِّقِلِّيُّ لِمُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ إنْ بَلَغَ مَا لَا يَجُوزُ لِرَبِّهِ تَرْكُهُ لِشِدَّةِ مَيْلِهِ وَالتَّغْرِيرِ فِيهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ،
وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي هَدْمِ حَائِطٍ عَلَى حُسْنِ نَظَرٍ لِلرَّعِيَّةِ فَهُوَ ضَامِنٌ،
وَأَمَّا نَهْيُ النَّاسِ وَإِشْهَادُهُمْ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ. وَحُكِيَ عَنْ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ إنْ أَنْكَرَ مَا قِيلَ مِنْ غَرِّ الْحَائِطِ اُحْتِيجَ إلَى التَّقَدُّمِ إلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّ حَائِطَهُ مُخِيفٌ نَفَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ دُونَ حُكْمٍ. ابْنُ شَاسٍ إنْ مَالَ وَلَمْ يُتَدَارَكْ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْإِنْذَارِ أَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ [منح الجليل] وَالْإِشْهَادِ وَجَبَ الضَّمَانُ فَجَعَلَ الْإِمْكَانَ شَرْطًا وَهُوَ صَوَابٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ بَنَاهُ مَائِلًا ضَمِنَ مُطْلَقًا وَاضِحٌ، وَمَا صَنَعَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَ مَا أُصِيبَ بِذَلِكَ.
وكسقوط جدار عطف على قوله: "كطبيب" كالذي قبله يعني أن من سقط جداره على شيء وأتلفه يضمنه بثلاثة شروط أشار إليها بقوله: مال يعني أنه إنما يضمن ما وقع عليه الجدار وأتلفه من نفس أو مال إنما هو حيث مال الجدار فيخاف من سقوط، واحترز بذلك -واللَّه أعلم- مما إذا بناه مستقيما وانهدم بعد ذلك من غير ظهور ميلان، بدليل قوله: وأنذر صاحبه إذ الإنذار لا يتأتى فيما انهدم من جدار لم يخف سقوطه، فمحل ضمان ما وقع عليه الجدار من نفس أو مال إنما هو إذا خيف من سقوطه بأن مال، وأنذر صاحبه أي الجدار بأن يقال له: أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك عند حاكم أو نائبه كجماعة المسلمين. وأمكن تداركه أي الجدار يعني أن صاحب الجدار إنما يضمن ما وقع عليه الجدار من نفس أو مال باجتماع هذه الشروط الثلاثة: أن يميل بعد أن كان مستقيما،
وأن ينذر صاحب الجدار، وأن يمكن تدارك الجدار بالإصلاح أو بالهدم قبل أن يسقط،
فإن اختل واحد منها أو اثنان لم يضمن صاحب الجدار ما وقع عليه الجدار. قال عبد الباقي: وكسقوط جدار على شيء فأتلفه فيضمن بثلاثة شروط ذكرها بقوله: مال بعد أن كان مستقيما،
فلو بناه مائلا لضمن من غير تفصيل،
والثاني أنذر صاحبه بأن يقال له أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك عند حاكم أو نائبه كجماعة المسلمين ولو مع إمكان حاكم على ما للجيزي. قال كريم الدين: فينبغي التعويل عليه. انتهى. قوله: وينبغي التعويل عليه، قال الرهوني: يجب التعويل عليه لما أفاده كلام ابن رشد الذي نقله المصنف في التوضيح مختصرا وابن عرفة كذلك وسلماه، وكلام ابن رشد في سماع يحيى وكتاب السلطان، ففي أول رسم من سماع يحيى من كتاب السلطان ما نصه: قيل لابن القاسم فإن شكى إليه ما يخاف من انهدام الدار؟
قال: نعم يضمن كل ما أصاب الجدار بعد الشكية إليه والبيان له.
قال يحيى: وإن لم يكن ذلك بسلطان فإنه ضامن إذا تقدم إليه وأشهد عليه، قال محمد بن رشد: وقول يحيى إنه ضامن لا أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه وإن لم يكن ذلك بسلطان مفسر، لقول ابن القاسم: ومثل ما في المدونة وقد قيل إنه لا ضمان عليه إلا فيما أفسد بإنهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وهو قول عبد الملك وقول ابن وهب في سماع زونان بعد هذا من هذا الكتاب، وقد قيل إنه ضامن لما أصاب إذا تركه بعد أن بلغ حدا كان يجب عليه هدمه وإن لم يتقدم إليه في ذلك ولا أشهد عليه وهو قول أشهب وسحنون.
انتهى. وكلام المدونة هو في أواخر كتاب الدِّيات ونصها: والحائط الخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب تحته أحد فهو ضامن وإن لم يشهد عليه لم يضمن وإن كان مخوفا. انتهى. ونحوه لابن يونس عنها مع زيادة بيان، ونصه: قال مالك: والحائط الخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب به أحد فربه ضامن.
قال ابن القاسم: وإن لم يشهدوا عليه لم يضمن وإن كان مخوفا. انتهى. انتهى كلام الرهوني.
وقال عبد الباقي بعد قوله في تفسير الإنذار: بأن يقال أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك إلى آخره،
ما نصه: فإن لم يشهد عليه لم يضمن وإن كان مخوفا ما لم يقر بذلك فيكتفَى بالإشهاد عليه حتى عند من شرط الإنذار عند حاكم. انتهى. قوله: ما لم يقر بذلك، قال البناني: يعني أن ما ذكر من قيد الإشهاد بالإنذار عند الحاكم على خلاف فيه محله إذا كان منكر الميَلان،
أما إن أقر به فإنه يكفي الإشهاد عند غير الحاكم وما ذكره المصنف هو مذهب المدونة،
وقيل لا يضمن إلا إذا قضى عليه الحاكم بالهدم فلم يفعل، وهذا قول عبد الملك وابن وهب،
وقيل إذا بلغ حدا كان يجب عليه هدمه لشدة ميلانه فتركه فهو ضامن وإن لم يكن إشهاد ولا حكم، وهو قول أشهب وسحنون،
وبه تعلم أن قول الزرقاني: ومثله إذا طرأ عليه ميلانه وكان ظاهرا فيضمن أنذر أم لا الخ غير ظاهر؛ لأن هذا هو القول الثالث المنسوب لأشهب وسحنون، وقد علمت أنه مقابل لذهب المدونة الذي درج عليه المصنف فتأمل. نعم. ما ذكره فيما بني مائلا من أصله أنه يضمن وإن لم يكن إنذار صحيح كما ذكره ابن شأس وأقره ابن عرفة والمصنف في التوضيح. انتهى. يعني أن عبد الباقي قيد قول المصنف مال الخ بأن لا يكون ظاهر الميلان ويظهر له وإلا ضمن أنذر أم لا، قال: وينبغي مع إمكان التدارك.
انتهى. وذلك لا يحسن لأن هذا قول أشهب وسحنون وهو مقابل لما درج عليه المصنف الذي هو مذهب المدونة. واللَّه أعلم. قال عبد الباقي: وفائدة الإشهاد مع إنذاره أنه قد ينكر. وقوله: وأنذر صاحبه، خرج بصاحبه: المرتهن والمستعير والمستأجر، فلا يعتبر الإشهاد عليهم إذ ليس لهم الهدم،
والثالث أمكن تداركه فيضمن المال والدية في ماله كما رواه عيسى عن ابن القاسم، وروى زونان عن ابن وهب أن العاقلة تحمل من ذلك ما بلغ الثلث وهو قول مالك ورواه عنه أشهب وابن عبد الحكم واقتصر عليه الجزيري، ودل قوله: قال على طرو ذلك،
فإن كان مائلا من أصله ضمن أنذر أم لا كما مر وينبغي حيث أمكن تداركه: وأراد بصاحبه مالكه المكلف أو وكيله الخاص ومنه ناظر وقف أو العام وهو الحاكم فيمن لا وكيل له خاص ووصى صغير أو مجنون،
فإن سقط مع وجود الشروط الثلاثة ضمن وصي غير المكلف في ماله ولو كان لغير المكلف مال وضمن ناظر وقف ووكيل خاص أو عام مع غيبة صاحبه حيث كان له مال يصلح منه لتقصيرهما،
فإن لم يكن له مال وأمكنهما السلف على ذمته وهو ملي وترك حتى سقط ضمنا فيما يظهر. انتهى.
وقال التتائي: وأمكن تداركه بهدم أو تدعيم فتراخى حتى سقط،
أما لو بادر لذلك فسقط قبل التمكن من إزالته لم يضمن ولو تقدم إليه،
وفي المدونة: والحائط المخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب بد أحد فربه ضامن،
فإن لم يشهدوا عليه لم يضمن،
وإن كانت الدار مرهونة أو مكتراةً لم ينفعهم الإشهاد إلا على ربها،
فإن غاب رفع أمرها إلى الإمام ولم ينفعهم الإشهاد على الساكن إذ ليس له هدم الدار. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.