ولكل النظر للعورة
الشروح عليها
(وَ) جَازَ (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ وَقْتَ التَّحَمُّلِ (النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) قَصْدًا لِيَعْلَمَ كَيْفَ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً عُدُولًا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِعَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا جَوَّزُوا رُؤْيَةَ الْعَوْرَةِ هُنَا وَمَنَعُوهَا النِّسَاءَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ وَجَعَلُوا الْمَرْأَةَ مُصَدَّقَةً وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى شُهُودِ الزِّنَا مَا لَمْ يُشَدِّدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ أَبَاحُوا لَهُمْ ذَلِكَ لِتَتِمَّ لَهُمْ الشَّهَادَةُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَجَازَ لِكُلٍّ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ تَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ لَهُمَا وَنَشَأَ مِنْ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ النَّظَرَ لِلْعَوْرَةِ مَعْصِيَةٌ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ بَلْ مَأْذُونٌ فِيهِ لِتَوَقُّفِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا ابْتِدَاءً وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمْ الْإِقْرَارُ عَلَى الزِّنَا كَمَا فِي ح وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا سُرْعَةَ الرَّفْعِ خَشْيَةَ إحْدَاثِ عَدَاوَةٍ فِي النَّفْسِ مَعَ إثْبَاتِ الْحَدِّ لَكِنَّ الَّذِي فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمْ إذَا قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ لِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ بِعِصْيَانِهِمْ بِسَبَبِ عَدَمِ مَنْعِهِمْ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي بْن
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا شَدَّدُوا إلَخْ) قَدْ فَرَّقَ ابْنُ عَرَفَةَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ غَيْرِ هَذَا الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وَحَقُّ اللَّهِ آكَدُ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ سُرِقَ وَقُطِعَ يَمِينَ رَجُلٍ عَمْدًا يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ الثَّانِي أَنَّ مَا لِأَجْلِهِ النَّظَرُ وَهُوَ الزِّنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ عَلَى السَّوَاءِ الثَّالِثُ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي الزِّنَا وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالنَّظَرِ لِلْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ لِلْعَيْبِ اهـ بْن
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) ش: ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذَكَرَ مُعَارَضَتَهَا بِمَسْأَلَةِ عَدَمِ إجَازَةِ النَّظَرِ لِلْفَرْجِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْعَيْبِ وَذَكَرَ جَوَابَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّهُ
ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَجْوِبَةٍ ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ قُلْت وَهَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ مِنْ إتْمَامِ مَا قَصَدَاهُ أَوْ ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ وَلَوْ قَدَرَا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَلَمْ يَفْعَلَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِ هَذَا الْمُنْكَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ التَّغْيِيرُ لِسُرْعَتِهِمَا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَهُوَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي ثَالِثِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ فِي السَّرِقَةِ بِخِلَافِهِ وَنَصَّهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَرَى السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ فَيَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ لِيَنْظُرَا إلَيْهِ وَيَشْهَدَا عَلَيْهِ بِسَرِقَتِهِ فَيَنْظُرَانِ إلَيْهِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُمْ قَالَ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ أَصْبَغُ: أَرَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ أَصْبَغَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَتَاعَ مُسْتَتِرًا بِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ لَا رَبُّ الْمَتَاعِ وَلَا غَيْرُهُ كَمَنْ زَنَى وَالشُّهُودُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ مَنَعُوهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِشَهَادَتِهِمْ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا حَكَاهُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ هُوَ أَنَّهُ رَآهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُخْتَلِسِ لَمَّا أَخَذَ الْمَتَاعَ مِنْ صَاحِبِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِنَظَرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ إلَيْهِ انْتَهَى. بِلَفْظِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ: إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِنُثْبِتَ الشَّهَادَةَ قَالَ: كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا.
وَنَاقَضَ هَذَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ،
وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ أَنَّهَا تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ.
قَالَ الْقَرَوِيُّونَ: ذَلِكَ مُشْكِلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرَدُّ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ الْحَدُّ حَقٌّ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَحَقُّ اللَّهِ آكَدُ لِقَوْلِهَا: مَنْ سَرَقَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ نَظَرٌ وَهُوَ الزِّنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ عَلَى السَّوِيَّةِ.
الثَّالِثُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الزَّانِي مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ فَفِي تَعَمُّدِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا نَظَرٌ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تَتَحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ
وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِيَتَعَمَّدْ النَّظَرَ خَوْفَ أَنْ يَحِدُّوا قَاذِفَهُ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِقَوْلِهَا مَنْ قَذَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى حَلَالٌ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ مَنْ قَذَفَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ،
وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِ هَذَا الْمُنْكَرِ.
(ص) وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا أَنَّهُ يَنْظُرُ لِلْعَوْرَةِ قَصْدًا لِيَعْلَمَ كَيْفَ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ، وَلَمْ يُجِيزُوا رُؤْيَةَ النِّسَاءِ لِعُيُوبِ الْفَرْجِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ حَيْثُ جَعَلُوا الْمَرْأَةَ مُصَدَّقَةً، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ فَالْفَرْقُ مُشْكِلٌ،
وَكَذَلِكَ يَشْكُلُ الْفَرْقُ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْإِصَابَةِ، وَهِيَ بِكْرٌ حَيْثُ قَالُوا: تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُ: وَلِكُلٍّ النَّظَرُ إلَخْ بِمَا إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ؛ إذْ لَا
فَائِدَةَ فِي الرُّؤْيَا، وَقَدْ يَتَلَمَّحُ ذَلِكَ الْقَيْدُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِكُلٍّ إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِفَةِ الشَّهَادَةِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ نَظَرٍ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنَّهُ جَائِزٌ قُلْنَا: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " وَلِكُلٍّ النَّظَرُ " قَصْدَ النَّظَرِ
وَيَجُوزُ لِكُلٍّ تَرْكُ قَصْدِهِ وَتَرْكُ الشَّهَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا تَنَاقُضٌ) أَيْ تَخَالُفٌ فِي الْحُكْمِ
(قَوْلُهُ: فَالْفَرْقُ مُشْكِلٌ) ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا إشْكَالَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِرْسَالَ عَلَى الزِّنَا مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا
بِخِلَافِ الْمُكْثِ مَعَ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ مَعَ وُجُودِهِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ النَّظَرُ لِلْفَرْجِ لِلْعَيْبِ
بِخِلَافِ النَّظَرِ لِلْفَرْجِ لِلتَّحَمُّلِ فَإِنَّ فِيهِ رَفْعَ مُنْكَرٍ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ النَّظَرِ بَلْ يَجُوزُ قَصْدُ النَّظَرِ،
وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ الزِّنَا ابْتِدَاءً خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ الزَّانِيَ صَارَ مُتَجَاهِرًا بِذَلِكَ حَيْثُ يَقْدَمُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ وُجُودِ الْغَيْرِ، وَلَا يُبَالِي بِهِ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُتَلَمَّحُ) أَيْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ الْقَيْدُ أَيْ فَلَا حَاجَةَ لِلْقَيْدِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَنْبَغِي إلَخْ.
(وَ) يَجُوزُ (لِكُلٍّ) أَيْ مِنْ الْعُدُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَرَادُوا الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) أَيْ لِقَصْدِ التَّحَمُّلِ فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ بِتَعَمُّدِهِ،
وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِمْ أَرْبَعَةً وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَجَازَ لَهُمْ نَظَرُهَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ غَالِبًا فَتَكْثُرَ الْفَاحِشَةُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا قِيلَ فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِتَثْبُتَ الشَّهَادَةُ، قَالَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ إلَّا هَكَذَا، وَنَاقَضَهَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عَيْبِ الْفَرْجِ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ لِيَشْهَدْنَ بِمَا يَرَيْنَ مِنْ ذَلِكَ،
وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ، قَالَ تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ إنَّ نَظَرَ الْمُبْتَاعِ فَرْجَ الْأَمَةِ رِضًى مِنْهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ فَأَجَازَ نَظَرَ النِّسَاءِ إلَيْهِ. فَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ هُنَا مُنْحَصِرٌ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِصِفَتِهَا الْخَاصَّةِ وَطَرِيقُهُ فِي تِلْكَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الشَّهَادَةِ، بَلْ لَهُ غَيْرُهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ نَظَرُ الْفَرْجِ بِلَا ضَرُورَةٍ. قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ إنَّمَا هِيَ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْعَيْبِ إلَّا بِالنَّظَرِ.
وَكَانَ يَجْرِي لَنَا الْجَوَابُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْكَدُ لِقَوْلِهَا فِيمَنْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ عَمْدًا يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ. الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ النَّظَرُ هُنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ بِالسَّوِيَّةِ. الثَّالِثُ: الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا إنَّمَا هُوَ مُغَيِّبُ الْحَشَفَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ. اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا، أَرَادَ بِهِ أَنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ لَا يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمْ لِإِرَادَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ، وَهَذَا أَحْسَنُ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ، [منح الجليل] بِالْفَسَادِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تُحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ،؛
لِأَنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ،
وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَكْشِفُونَ عَنْ تَحْقِيقِهَا،
فَإِنْ قَذَفَهُ أَحَدٌ بَعْدَهَا بَلَّغُوهَا فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَالسَّتْرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرَةٌ قُلْت وَلِقَوْلِهَا مَنْ قُذِفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ زَنَى حَلَّ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ قَاذِفِهِ.
الْمَازِرِيُّ تَعَمُّدُ نَظَرِ الْبَيِّنَةِ لِفِعْلِ الزَّانِي ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِهِ، وَنَظَرُ الْفَجْأَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ نَظَرَ الْعَوْرَةِ فِي ذَلِكَ لِمَا نَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْسَانِ السَّتْرِ.
وَفِي قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ إنَّمَا يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَصِّلُ وُجُوبَ الْحَدِّ وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَطْ، وَالنَّظَرُ إلَى الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ حَرَامٌ. قُلْت هَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا قَصَدَاهُ أَوْ ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ،
فَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِهِمْ هَذَا الْمُنْكَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ التَّغْيِيرُ لِإِسْرَاعِهِمَا. اهـ. الْحَطّ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَهُوَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِخِلَافِهِ، وَنَصُّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَرَى السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ فَيَأْتِي بِشَاهِدَيْنِ لِيَنْظُرَا إلَيْهِ وَيَشْهَدَا عَلَيْهِ بِسَرِقَتِهِ فَيَنْظُرَانِ إلَيْهِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُمَا،
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَقَالَ أَصْبَغُ أَرَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ. مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ أَصْبَغَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَتَاعَ مُسْتَسِرًّا بِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُ لَا رَبَّ الْمَتَاعِ وَلَا غَيْرَهُ كَمَنْ زَنَى وَالشُّهُودُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ مَنَعُوهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ رَآهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُخْتَلِسِ لَمَّا أَخَذَ الْمَتَاعَ وَصَاحِبُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ لَمْ يَعْلَمْ بِنَظَرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ إلَيْهِ اهـ.
ولكل النظر للعورة يعني أنه يباح لكل واحد من الشهود النظر للعورة أي قصد النظر للعورة حال فعل الفاحشة ليتحملوا الشهادة بذلك فيثبت الحد، وإنما جاز ذلك وإن كان النظر للعورة محرما للضرورة، لأنه إن لم يبح ذلك لم تثبت الشهادة في هذا الباب، والقرآن دل على مشروعيتها فيه
وكذا السنة على ما ثبت في الصحيح من قول سعد للنبي صلى اللَّه عليه وسلم في الرجل يجد مع امرأته رجلا: (أيمهله حتى يأتي بأربعة شهداء (١) ). الحديث. وهو أظهر في الاستدلال من الآية،
وفي كتاب الرجم من التهذيب قيل: فإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فقالوا: تعمدنا النظر [إليها] لنثبت الشهادة، فقال: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا. اهـ.
وقال ابن عبد السلام: قصد النظر جائز على الشهور بشرط أن يكون معه ثلاثة عدول؛ لأن من لا يقبل لا
فائدة في نظره فيحرم على الأصل. قاله ابن مرزوق.
فرع: قال الشبراخيتي: ذكر ابن رشد ما يفيد أن شهود الزنى لا يضرهم إمكان منع الزاني من فعله، فتجوز شهادتهم مع قدرتهم على منعه من الزنى، خلافا لما ذكره ابن عرفة وتبعه ابن غازي. قاله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.