وَلَا التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ
الشروح عليها
(وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ (التَّرِكَةَ) أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ (إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ) إذْ لَا تَصَرُّفَ لِلْوَصِيِّ فِي مَالِ الْكَبِيرِ فَإِنْ غَابَ الْكَبِيرُ أَوْ أَبَى مِنْ الْبَيْعِ نَظَرَ الْحَاكِمُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ إذْ لَا تَصَرُّفَ لِلْوَصِيِّ فِي مَالِ الْكَبِيرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ غَابَ الْكَبِيرُ) أَيْ غَيْبَةً قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً.
(قَوْلُهُ أَوْ أَبَى مِنْ الْبَيْعِ) أَيْ أَوْ كَانَ حَاضِرًا وَأَبَى مِنْ حُضُورِ الْبَيْعِ
(قَوْلُهُ نَظَرَ الْحَاكِمُ) أَيْ فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ الْوَصِيَّ بِالْبَيْعِ أَوْ يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ مَعَهُ لِلْغَائِبِ أَوْ يَقْسِمَ مَا يَنْقَسِمُ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ وَبَاعَ رُدَّ بَيْعُهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي بِهِبَةٍ أَوْ صَبْغِ ثَوْبٍ أَوْ نَسْجِ غَزْلٍ أَوْ أَكْلِ طَعَامٍ وَكَانَ قَدْ أَصَابَ وَجْهَ الْبَيْعِ فَهَلْ يَمْضِي وَهُوَ الْمُسْتَحْسَنُ أَوْ لَا يَمْضِي وَهُوَ الْقِيَاسُ قَوْلَانِ اُنْظُرْ ح.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَلَا التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ) ش وَسَوَاءٌ أَرَادَ الْوَصِيُّ بَيْعَ التَّرِكَةِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ لِتَنْفِيذِ الْوَصَايَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَكَابِرُ حُضُورًا رُفِعَ الْأَمْرُ لِلْحَاكِمِ فَيَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ وَيَأْمُرُ مَنْ يَلِي مَعَهُ الْبَيْعَ لِلْغَائِبِ أَوْ يَقْسِمُ مَا يَنْقَسِمُ،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا: وَلَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَلَى الْأَصَاغِرِ التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْأَكَابِرِ،
فَإِنْ كَانُوا بِأَرْضٍ نَائِيَةٍ، وَذَلِكَ حَيَوَانٌ أَوْ عُرُوضٌ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ فَأَمَرَ مَنْ يَلِي مَعَهُ الْبَيْعَ لِلْغَائِبِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي رَسْمِ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ الْوَصِيِّ يَبِيعُ الْمَتَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ قَالَ،
فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا قَدْ رُضِيَ حَالُهُمْ وَنِسَاءً ثَيِّبَاتٍ أَوْ مُتَزَوِّجَاتٍ قَدْ بَرَزْنَ وَرُضِيَ حَالُهُنَّ، فَلَا يَبِيعُ إلَّا بِإِذْنِهِنَّ،
فَإِنْ بَاعَ رُدَّ الْمَتَاعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى بِالْآخَرِينَ الَّذِينَ يُوَلَّى عَلَيْهِمْ،
وَلَمْ يُوصِ إلَيْهِ بِهَؤُلَاءِ إنَّمَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاءُ فِي هَذَا الْمَتَاعِ قِيلَ لَهُ: فَإِنْ فَاتَ وَأَصَابَ وَجْهَ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَضَى، قَالَ أَصْبَغُ: لَا أَرَى ذَلِكَ وَأَرَى لِلْوَرَثَةِ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثُهُ مُوصًى بِهِ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ، وَبَيْعِهِ وَجَمْعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ إلَّا الْعَقَارَ، وَالرِّبَاعَ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ دُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُقْسَمُ وَقِسْمَتُهُ غَيْرُ ضَرَرٍ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثُلُثٌ عَلَى مَا وَصَفْت فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى الْوَرَثَةِ الْبَالِغِينَ الْمَالِكِينَ حِصَصَهُمْ أَوْ يَأْخُذُونَ مِمَّا بَلَغَ كَالشُّرَكَاءِ فِي السِّلَعِ الْمُفْتَرِقَةِ الَّتِي لَا تُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ فَهُمْ كَالشُّرَكَاءِ الْأَجْنَبِيِّينَ لِلْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا بَاعَ الْوَصِيُّ عَلَى الصِّغَارِ مِنْ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكِبَارِ إنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ مَا لَمْ يَفُتْ،
فَإِنْ فَاتَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِتَحْوِيلِهِ عَنْ حَالِهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا فَيَصْبُغُهُ أَوْ غَزْلًا فَيَنْسِجُهُ أَوْ طَعَامًا فَيَأْكُلُهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَصَابَ الْوَصِيُّ وَجْهَ الْبَيْعِ مَضَى، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَنْفُذَ الْبَيْعُ عَلَى الْكِبَارِ بِحَالٍ فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ،
وَكَذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ عَلَى الْكِبَارِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ أَصَابَ الْبَيْعُ أَوْ لَمْ يُصِبْ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُمْ وَهُمْ أَحَقُّ، وَأَوْلَى بِالنَّظَرِ لِأَنْفُسِهِمْ قَالَ: وَهُمْ أَيْضًا أَوْلَى بِكُلِّ مَا بَاعَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مِمَّا يُبَاعُ مِنْ التَّرِكَةِ فِي ثُلُثِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِمْ مَا لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ بِلَا مُرَادِهِمْ هَذَا خَطَأٌ،
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَصْبَغَ أَيْضًا الْبَيْعُ يَمْضِي إذَا فَاتَ إنْ كَانَ لَهُ ثُلُثٌ مُوصَى بِهِ إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ وَبَيْعِهِ إلَّا فِي الْعَقَارِ اسْتِحْسَانٌ أَيْضًا وَالْقِيَاسُ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْكِبَارِ الْبَيْعُ فِي حُظُوظِهِمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ كَالشُّرَكَاءِ الْأَجْنَبِيِّينَ لِلْمَيِّتِ وَلِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لِلْمُوصَى أَنْ يَبِيعَ الْحَيَوَانَ وَالرَّقِيقَ وَالْعَقَارَ لِتَأْدِيَةِ الدَّيْنِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ،
وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ أَوْ كَانُوا كِبَارًا وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْعَقَارِ إلَّا الثُّلُثُ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَدْ مَضَى فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ: " وَسُئِلَ عَنْ الْوَصِيِّ يُرِيدُ بَيْعَ مَتَاعِ الرَّجُلِ مُسَاوَمَةً وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِثْلُ مَا يُسَوِّمُهُ الرَّجُلُ فِي الدَّارِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَيُنْهِيَهُ وَيَرَى أَنَّ بَيْعَهُ غِبْطَةٌ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بَاعَ مُسَاوَمَةً أَوْ مِمَّنْ يَزِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ فِي الْوَصِيِّ عَلَى الثُّلُثِ إذَا بَاعَ بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ عَلَى الصِّغَارِ إذَا بَاعَ بِإِذْنِ الْكِبَارِ أَوْ فِي الْوَصِيِّ عَلَى الصِّغَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مُشْتَرِكٌ
وَأَمَّا إذَا كَانَ وَصِيًّا عَلَى الصِّغَارِ وَهُمْ شُرَكَاءُ مَعَ الْكِبَارِ فَيُبَاعُ الْجَمِيعُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَصِيًّا عَلَى الثُّلُثِ فَبَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْوَصِيِّ بِبَيْعِ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ يُرِيدُ لِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ،
وَفِي الْوَرَثَةِ غَائِبٌ كَبِيرٌ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ أَوْ بِالثُّلُثِ صَدَقَةً أَوْ غَيْرِهَا وَالْوَرَثَةُ كِبَارٌ كُلُّهُمْ فَلَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهَا قَوْلٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْعَقَارِ إلَّا الثُّلُثُ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَكُلُّ مَا لَهُ فِيهِ بَيْعُ الْعَقَارِ فَلَهُ بَيْعُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَقَارًا وَالْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارٌ غُيَّبٌ أَوْ بَعْضُهُمْ غُيَّبٌ فَلَهُ بَيْعُ مَا كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ
بِخِلَافِ الرِّبَاعِ، وَإِنْ كَانُوا حُضُورًا، مُحَمَّدٌ أَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ وَلَا لِلسُّلْطَانِ وَلَهُ بَيْعُ ذَلِكَ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَفَعَ ذَلِكَ السُّلْطَانُ حَتَّى يَأْمُرَهُ أَوْ يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ مَعَهُ،
وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إذَا كَانُوا أَصَاغِرَ وَأَكَابِرَ فَلَا بَيْعَ حَتَّى يَحْضُرَ الْأَكَابِرُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ،
وَإِنْ غَابُوا بِأَرْضٍ نَائِيَةٍ وَتَرَكَ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا وَعُرُوضًا فَلَهُ بَيْعُ ذَلِكَ وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ حَتَّى يَأْمُرَ مَنْ يَبِيعُ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ أَشْهَبُ: إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُمْ فَلْيَبِعْ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ وَيَرَى أَنَّ بَيْعَهُ أَفْضَلُ لِلْجَمِيعِ، وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ إذَا قَدِمُوا،
وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ فِي غَيْبَتِهِمْ ثُمَّ مَنْ تَلِفَ حَقُّهُ كَانَ مِنْهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ عَصَبَةً قَالَ سَحْنُونٌ كَيْفَ يَبِيعُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ الْغُيَّبِ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ وَكَيْفَ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْعُتْبِيَّة الْمُتَقَدِّمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ الْمُوصَى عَلَى الْغُيَّبِ الْكِبَارِ وَلَا يَبِيعُ لِدَيْنٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَقْسِمَ الثُّلُثَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ لَجَازَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ وَقَبِلَهُ، فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ التَّرِكَةَ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ غُيَّبًا كِبَارًا أَوْ فِيهِمْ غَائِبٌ كَبِيرٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ حَتَّى فِي الْعَقَارِ وَمَنَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ حَتَّى يُرْفَعَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَبِيعُ مَعَهُ لِلْغَائِبِ أَوْ يَقْسِمُ مَا يَنْقَسِمُ،
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ فَأَحْرَى أَنْ يَمْنَعَ بَيْعَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى إلَى السُّلْطَانِ، وَيُرَدُّ إنْ وَقَعَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْوَالِ فَكُلُّهَا اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَاتَ فِي سَفَرٍ] فَرْعٌ) فَإِنْ مَاتَ فِي سَفَرٍ فَلِأَوْصِيَائِهِ بَيْعُ مَتَاعِهِ وَعُرُوضِهِ؛ لِأَنَّهُ يَثْقُلُ حَمْلُهُ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ بَلْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي سَفَرٍ بِمَوْضِعٍ لَا قُضَاةَ فِيهِ وَلَا عُدُولَ وَلَمْ يُوصِ، فَاجْتَمَعَ الْمُسَافِرُونَ وَقَدَّمُوا رَجُلًا بَاعَ هُنَاكَ تَرِكَتَهُ ثُمَّ قَدِمُوا بَلَدَ الْمَيِّتِ، فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ نَقْضَ الْبَيْعِ إذَا لَمْ يُبَعْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، وَبَلَدُهُ بَعِيدٌ مِنْ مَوْضِعِ الْمَوْتِ إنَّ مَا فَعَلَتْهُ جَمَاعَةُ الرِّفْقَةِ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَجَائِزٌ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ هَذَا لِعِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ وَصَوَّبَ فِعْلَهُ وَأَمْضَاهُ، وَذَكَرَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ مَرَّ بِتَرِكَةِ رَجُلٍ غَرِيبٍ يُذْكَرُ أَنَّهُ مِنْ أَجْوَارِ فَاسَ وَوَرَثَتُهُ مَجْهُولُونَ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَأَمَرَهُمْ بِالْبَحْثِ عَنْ وَرَثَتِهِ،
فَإِنْ يَئِسَ مِنْهُمْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ رَجُلٌ أَنَّهُ تَسَلَّفَ مِنْ الْمَيِّتِ دِينَارًا فَأَمَرَهُ بِدَفْعِهِ لِأُولَئِكَ الثِّقَاتِ وَيُبَرِّئُهُ ذَلِكَ إذَا أَشْهَدَ عَلَى الدَّفْعِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصَايَا مِنْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ بِالثُّلُثِ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِوَصِيِّ الْمَيِّتِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْوَصَايَا،
وَفِي الْقِسْمَةِ وَقَالَ فِي اللُّبَابِ وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ لِوَصِيِّ الْمَيِّتِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لِلْوَصِيِّ اقْتِضَاءَ مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ الدُّيُونِ وَالتَّأْخِيرِ بِالنَّظَرِ وَيَأْتِي هُنَاكَ حُكْمُ قَضَاءِ الْوَصِيِّ مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ الدَّيْنِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُ
وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْوَصَايَا وَالْحُقُوقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَمَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْوَصَايَا وَالدُّيُونِ مَعَ الْوَارِثِ فِي الْبَيْعِ نَقَلَهَا فِي اللُّبَابِ وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا الْأَوَّلِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ، وَمَسْأَلَةُ إرْسَالِ الْوَصِيِّ مَالَ الْوَرَثَةِ ذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَمَسْأَلَةُ إرْسَالِ الْقَاضِي مَالَ الْوَرَثَةِ ذَكَرَهَا فِي أَوَائِلِ الْمُنْتَخَبِ،
وَفِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ،
وَفِي آخِرِ الْقِسْمِ الْخَامِسِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ،
وَفِي بَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَاشِيَةِ الْمَشَذَّالِيّ.
[فَرْعٌ بَاعَ الْوَصِيُّ عَقَارًا أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ الْمَيِّتِ وَفَرَّقَهُ] (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مَسْأَلَةً وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ عَقَارًا أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ الْمَيِّتِ وَفَرَّقَهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْوَصِيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي مَسَائِلِ الْوَصَايَا مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَصُّهَا: " وَكَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ وَصِيَّةٌ بِثُلُثٍ فَنَظَرَ مَعَ الْوَرَثَةِ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ حَتَّى خَلَصَتْ وَفَرَّقَ الثُّلُثَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَغَيْرِ مُعَيَّنِينَ حَسْبَمَا فِي الْوَصِيَّةِ وَكَانَ فِي التَّرِكَةِ شَخْصٌ يُشَارِكُ فِيهِ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، وَغَيْرُهُ فَبِيعَ فِيمَا بِيعَ وَاشْتَرَاهُ الشَّرِيكُ الْوَارِثُ وَتَوَزَّعَ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ وَالْوَصِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ تَأَمَّلْت الْقِصَّةَ فَإِذَا قَدْ وَقَعَ فِيهَا غَلَطٌ وَوَهْمٌ وَقَدْ بِيعَ مِنْ الرُّبْعِ مِنْ الْمَوَارِيثِ أَكْثَرُ مِنْ نَصِيبِ الْمَيِّتِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ وَثَبَتَ وَوَجَبَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ فِي التَّرِكَةِ إذَا لَمْ يُجِزْ سَائِرُ الْأَشْرَاكِ بَيْعَ الزَّائِدِ فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَارِثٍ مُصَابَهُ، وَبَقِيَ مَا لِلثُّلُثِ وَقَدْ فَرَّقَ كَمَا ذَكَرَ فَأَجَابَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ فِيمَا نَفَّذَهُ مِمَّا يَجِبُ مِنْ الثَّمَنِ لِلْحِصَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى حَقِّ الْمَيِّتِ وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ بِمَا نَابَ الْمُوصَى مِنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ الْمُعَيَّنِينَ وَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُمْ، وَفِيمَا فُرِّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِينَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ الَّذِي نَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَة أَوْصَى بِوَصِيِّهِ وَجَعَلَ تَنْفِيذهَا إلَى رَجُل أَوْ وَارِث وَشَرْط فِي تَنْفِيذ الْوَصِيَّة دُون مَشُورَة قَاضٍ وَلَا تعقب حَاكِم] مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي بَابِ الْوَصَايَا: إذَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ كَفَكِّ أَسِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ، وَجَعَلَ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ إلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ وَارِثٍ وَشَرَطَ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ دُونَ مَشُورَةِ قَاضٍ وَلَا تَعَقُّبِ حَاكِمٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ أَنْ يَتَعَقَّبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَنْظُرُ فِيهِ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ،
فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مِمَّا يَبْقَى لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالْعِتْقِ وَشِبْهِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُومُوا حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهَا قَدْ نُفِّذَتْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ لَهَا وَارِثًا أَوْ أَجْنَبِيًّا،
وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مِمَّا لَا يَبْقَى فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالصَّدَقَةِ فَلَا قِيَامَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنَفِّذُ وَارِثًا انْتَهَى.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا قَبْلَ ذَلِكَ بِنَحْوِ الْوَرَقَةِ فِي بَابِ الْوَصَايَا سُؤَالٌ سَأَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَنَصُّهُ: الْمُقْدِمُ عَلَى تَنْفِيذِ ثُلُثِ الْمَيِّتِ إذَا أَرَادَ مُقَارَبَةَ الْوَرَثَةِ وَمُسَامَحَتُهُمْ، وَقَدْ جُعِلَ لَهُ فِي التَّقْدِيمِ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ هَلْ لِلْحَاكِمِ النَّظَرُ فِي تَحْصِيلِ الثُّلُثِ وَالْحَوْطَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ نَظَرَهُ إلَيْهِ إذْ التَّفْوِيضُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّفْرِيقِ وَحْدَهُ أَمْ لَا سَبِيلَ لِلْحَاكِمِ إلَيْهِ؟ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ لِلْمُقْدِمِ عَلَى تَنْفِيذِ الثُّلُثِ مُقَارَبَةُ الْوَرَثَةِ وَلَا مُسَامَحَتُهُمْ فِي ذَلِكَ،
وَإِنْ اتَّهَمَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ شَرَكَ مَعَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي تَحْصِيلِ الثُّلُثِ ثُمَّ يَكِلُ تَنْفِيذَ ذَلِكَ إلَيْهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي جُعِلَ تَنْفِيذُهَا فِيهِ أَوْ بِمَا يَرَاهُ بِاجْتِهَادٍ إنْ كَانَ فُوِّضَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِ الْمُوصِي وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَاكِمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذَا فِي الْوَصِيِّ الْمَأْمُونِ
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَأْمُونِ الَّذِي يُخْشَى عَلَيْهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَلَا يُنَفِّذُهَا فَيُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى تَنْفِيذِهَا عَلَى مَعْنَى مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا،
فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ ضَمِنَ إنْ كَانَ سَارِقًا مُعْلِنًا،
وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اُسْتُحْلِفَ وَلَمْ يَضْمَنْ إلَّا أَنْ يَنْكَلَ عَنْ الْيَمِينِ،
وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُونٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ هُوَ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي، وَنَصُّهُ: " وَسَمِعْته يُسْأَلُ عَمَّنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِوَصَايَا مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يَكْشِفُوهُ عَنْهَا وَأَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ
فَقَالَ: أَمَّا الصَّدَقَةُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَكْشِفُوهُ عَنْهَا إذَا كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا مُعْلِنًا مَارِقًا فَيُكْشَفُ عَنْ ذَلِكَ وَلَهُمْ أَنْ يَكْشِفُوهُ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَا سَفِيهٍ عَنْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْقِدُ لَهُمْ الْوَلَاءَ
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ سَفِيهًا مُعْلِنًا فَأَرَى أَنْ يُكْشَفَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّ مِنْ الْأَوْصِيَاءِ مَنْ يَقْبِضُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَلَا يُنَفِّذُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْوَصِيَّ يَكْشِفُ عَمَّا جُعِلَ إلَيْهِ مِنْ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَبْقَى فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْوَرَثَةِ إذَا كَانَ سَفِيهًا مُعْلِنًا مَارِقًا يُبَيِّنُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقُومُوا مَعَهُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَبْقَى لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالْعِتْقِ وَشِبْهِهِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ يُكْشَفُ عَنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ سَفِيهًا مُعْلِنًا مَارِقًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ نَقِيضُهُ عَلَيْهَا أَوْ اسْتِهْضَامُهُ لَهَا ضَمَّهُ إيَّاهَا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الِاشْتِهَارِ بِالسَّفَهِ وَالْمُرُوقِ وَاتُّهِمَ اُسْتُحْلِفَ،
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ضَمِنَ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالثِّقَةِ لَمْ تَلْحَقْهُ يَمِينٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ حَتَّى يُعْرَفَ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ اهـ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَنَصُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَحْنُونٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْت مَالِكًا
قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ وَأَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَارِثًا فَيُرِيدُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنْ يُنَفِّذَ ذَلِكَ وَيَنْظُرَ فِيهِ مَعَهُ قَالَ إنْ كَانَ وَارِثًا رَأَيْت ذَلِكَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَخْلَفَ وَارِثًا فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ لِلْوَرَثَةِ كَالْعِتْقِ، وَمَا أَشْبَهَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَخْلَفَ عَلَى تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَارِثًا مِنْ وَرَثَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغِيبَ عَلَى تَنْفِيذِ ذَلِكَ دُونَ سَائِرِهِمْ، وَلِمَنْ قَامَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُنَفِّذَ ذَلِكَ وَيَنْظُرَ مَعَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَوْصَى إلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ سَوَاءٌ سَمَّى الْمَيِّتَ مَا يُنَفِّذُهَا فِيهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ،
قَالَ فِي الْبَيَانِ أَوْ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَوْ كَانَ قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ، وَأَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَارِثٍ عَلَيْهِ أَنْ يُنَفِّذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ وَلَا لَهُمْ أَنْ يَكْشِفُوهُ عَنْ ذَلِكَ،
قَالَ فِي الرِّوَايَة إلَّا فِيمَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ لِلْوَرَثَةِ كَالْعِتْقِ وَشِبْهِهِ وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي تَبْقَى فِي الْعِتْقِ هُوَ الْوَلَاءُ الَّذِي يَنْجَرُّ عَنْ الْمُتَوَفَّى إلَى مِنْ يَرِثُهُ عَنْهُ فَلَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ إذْ قَدْ يَرِثُهُ مَنْ لَا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِنْ الْوَلَاءِ شَيْءٌ وَهُمْ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالزَّوْجَاتُ وَالْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ، وَقَدْ يَنْجَرُّ إلَى مَنْ لَمْ يَرِثْهُ مِمَّنْ حُجِبَ عَنْ مِيرَاثِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْعَصَبَةِ فَالْحَقُّ فِي كَشْفِ الْوَصِيِّ الْأَجْنَبِيِّ عَنْ الْعِتْقِ إنَّمَا هُوَ مِمَّنْ يَنْجَرُّ إلَيْهِ الْوَلَاءُ عَنْ الْمَيِّتِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا وَلَا كَلَامَ لِمَنْ يَنْجَرُّ إلَيْهِ الْوَلَاءُ عَنْهُ،
وَإِنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَاَلَّذِي يُشْبِهُ الْعِتْقَ فِي بَقَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِلْوَرَثَةِ هُوَ الْإِخْدَامُ وَالتَّعْمِيرُ وَالتَّحْبِيسُ،
فَأَمَّا الْإِخْدَامُ وَالتَّعْمِيرُ فَالْحَقُّ فِيهِ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِمْ
وَأَمَّا التَّحْبِيسُ فَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ، وَمِنْهُ مَا يَخْتَلِفُ هَلْ يَرْجِعُ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ فَالْحَقُّ فِي بِالْمُحْبَسِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ لِمَنْ رَجَعَ إلَيْهِ مِنْهُمْ وَالْحَقُّ فِي الْحَبْسِ الَّذِي يَخْتَلِفُ هَلْ يَرْجِعُ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ وَأَقَارِبِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ كَشْفُهُ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَنْفَذَهُ لِمَا قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى اخْتِلَافٍ وَهَذَا فِي الْوَصِيِّ الْمَأْمُونِ
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْمُونِ فَيَكْشِفُ عَنْ الْوَصَايَا مِنْ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ بِالْعَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّفِيهَ الْمُعْلِنَ الْمَارِقَ يَكْشِفُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُونٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وَعُلِمَ مِنْ لَفْظِ السَّمَاعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَصِيُّ لِلْمُوصَى تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ دُونَ مَشُورَةِ قَاضٍ وَلَا تَعَقُّبِ حَاكِمٍ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي السُّؤَالِ فِي النَّوَادِرِ،
وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا فِي لَفْظِ السَّمَاعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَلَوْ أَمَرْتَهُ بِصَدَقَةٍ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ،
فَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ ضَمِنَ حِصَّةَ مِنْ كَذَّبَهُ وَلَوْ أَمَرْتَهُ بِصَدَقَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبَيِّنُ مَسْأَلَةَ كِتَابِ الشَّهَادَةِ،
قَالَ فِيهِ: فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ صُدِّقَ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ يَمِينًا ابْنُ يُونُسَ يَحْلِفُ إذَا كَانَ مُتَّهَمًا انْتَهَى.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَشْفُ وَارِثِ الْمَحْجُورِ الْوَصِيَّ عَمَّا بِيَدِهِ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ: وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الْمَحْجُورِ، وَلَا لِوَلِيِّهِ أَنْ يَكْشِفَ الْوَصِيَّ عَمَّا بِيَدِهِ لِمَحْجُورِهِ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نُسَخَ عُقُودِهِ وَلَكِنْ لِلْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَ الْوَصِيَّ عَلَى أَنْ يَشْهَدَ لِلْيَتِيمِ بِمَالِهِ بِيَدِهِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي الْوَصَايَا، وَنَصُّهُ: " وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَجُلٍ لَهُ وَلِيٌّ مَحْجُورٌ، وَلَهُ مَالٌ وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَاتٍ وَنَحَلَ نِحَلًا، فَطَلَبَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ وَصِيِّهِ أَوْ مِنْ الْحَاكِمِ نَسْخَ تِلْكَ الْعُقُودِ وَقَامَ فِي الْكَشْفِ لِوَصِيِّهِ عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ وَارِثُهُ وَأَنَّ الْمَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ هَذَا الْمَحْجُورُ صَارَ إلَيْهِ، هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟
فَقَالَ:
لَيْسَ لِوَارِثِ الْيَتِيمِ أَنْ يَسْتَكْشِفَ وَصِيَّهُ عَمَّا لَهُ بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ أَوْ يُخَاصِمَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نُسَخَ عُقُودِهِ، وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يَشْهَدَ لِيَتِيمِهِ بِمَالِهِ بِيَدِهِ،
فَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ بِبَيَانِهِ أَنْ يُوقَفَ فَيُعَيَّنُ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا، وَسُئِلَ يَعْنِي مَالِكًا فَقِيلَ لَهُ: إنَّ سَيِّدِي كَاتَبَنِي وَأَوْصَى إلَيَّ فَسَأَلَنِي بَعْضُ مَوَالِي وَهُوَ وَلَدُ سَيِّدِي عَمَّا فِي يَدِي، وَعَمَّا رَبِحْت فِيهِ، وَأَنَا عِنْدَ النَّاسِ كَمَا أَحَبَّ أَفَذَلِكَ عَلَيَّ؟ قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْك أَلَيْسَ مَا فِي يَدِكَ مَالٌ مَعْرُوفٌ، قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَهُ، وَيَعْلَمَ مَا رَبِحْت فِيهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَوْلُهُ: وَأَوْصَى إلَيَّ يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ بِالنَّظَرِ عَلَى بَنِيهِ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا رَبِحَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي هُوَ نَاظِرٌ فِيهِ لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا بِيَدِهِ إلَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتْلَفَهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ فَإِذَا كَانَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ مَعْرُوفًا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ وَلَا يُخْبِرَ بِمَا رَبِحَ فِيهِ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ غَضَاضَةٌ عَلَيْهِ إذْ لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا بِمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، وَسَيِّدُهُ قَدْ اسْتَأْمَنَهُ وَوَثِقَ بِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَشْفُ الْمَرْأَةِ الْمُوصَى إلَيْهَا بِوَلَدِهَا إذَا تَزَوَّجَتْ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا الْأَوَّلِ، وَنَصُّهُ: " وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَ زَوْجُهَا وَأَوْصَى إلَيْهَا بِوَلَدِهَا وَبِمَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ فَتَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَخِيفَ عَلَى الْمَالِ أَتَرَى أَنْ يُكْشَفَ؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا بَأْسَ بِحَالِهَا فَلَا أَرَى ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُشِفَ مَا قِبَلَهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا قَالَ إنَّهُ يُكْشَفُ مَا قِبَلَهَا إنْ كَانَ يُخَافُ عَلَى الْمَالِ عِنْدَهَا وَلَا يُكْشَفُ إنْ كَانَ لَا بَأْسَ بِحَالِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ جَهْلِ حَالِهَا وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ غُلِبَتْ عَلَى حَالِ أَمْرِهَا حَتَّى تَعْمَلَ مَا لَيْسَ بِصَوَابٍ إنَّهَا عِنْدَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَوْفِ عَلَيْهَا إذَا تَزَوَّجَتْ فَيُكْشَفُ مَا قِبَلَهَا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِحَالِهَا،
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ مَا سَمِعْت هَذَا فِي الْمَالِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى حَالِهَا،
فَإِنْ رَضِيَ حَالَهَا وَسِيرَتَهَا، وَالْمَالُ يَسِيرٌ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا مُحَمَّدٌ وَلَمْ يُكْشَفْ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، وَلَا هِيَ مُقِلَّةٌ وَخِيفَ مِنْ نَاحِيَتِهَا.
وَأَرَى أَنْ يُنْزَعَ الْمَالُ مِنْهَا، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَهِيَ عَلَى الْوَصِيَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُبَرِّزَةً إلَّا مِنْ إبْقَاءِ الْمَالِ عِنْدَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ فِي الْحَزْمِ وَالدِّينِ وَالْيَسِيرِ وَالْحِرْزِ فَيُقِرُّ بِيَدِهَا (قُلْت) وَإِذَا خِيفَ عَلَى الْمَالِ عِنْدَهَا فَنُزِعَ مِنْهَا وَلَمْ تُعْزَلْ هِيَ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَلْيُقَدَّمْ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ الْمَالُ عِنْدَهُ وَيُشَاوِرُهَا فِي النَّظَرِ انْتَهَى. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(وَلَا يَقْسِمُ عَلَى غَائِبٍ بِلَا حَاكِمٍ) لَوْ قَالَ: " إذْ لَا يَقْسِمُ عَلَى غَائِبٍ بِلَا حَاكِمٍ " لَنَاسَبَ مَا تَقَرَّرَ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا) يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَلَى الْأَصَاغِرِ الَّذِينَ مَعَهُمْ أَكَابِرُ (التَّرِكَةَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ) الرَّشِيدِ؛ إذْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ،
فَإِنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً، وَالتَّرِكَةُ حَيَوَانٌ أَوْ عَرَضٌ فَيَرْفَعُ إلَى الْإِمَامِ لِيُقِيمَ قَيِّمًا عَنْ الْغَائِبِ يَبِيعُ نَصِيبَهُ
ولا التركة إلا بحضرة الكبير يعني أنه لا يجوز للوصي أن يبيع التركة على الأصاغر إذا كان هناك كبير مالك لأمر نفسه إلا بحضرته، وهذا إذا كان الكبير حاضرا أو غائبا غيبة قريبة لأن القريب كالحاضر،
فإن بعدت غيبة رفع الأمر إلى السلطان، قال المواق من المدونة: لا يبع الوصي على الصغار التركة إلا بحضرة الأكابر،
فإن كانوا بأرض نائية رفع ذلك إلى الإمام يأمر من يلي معه البيع للغائب. انتهى.
وقال ابن ناجي: وما ذكر في الكتاب ويعني مع بعد الغيبة هو المشهور.
وقال أشهب: له بيع الحيوان والعروض في غيبتهم ولا يرفع ذلك إلى السلطان،
ونقل الحطاب عن النوادر: وإن كانوا حضورا. محمد: أو قربت غيبتهم فليس له بيع شيء ولا للسلطان وله بيع ذلك في الغيبة. انتهى.
وقال عبد الباقي: فإن كان الكبير غائبا فليرفع الوصي إلى الحاكم: فإن لم يرفع رد بيعه إلا أن يفوت بيد مشتريه ببيع أو هبة أو صبغ ثوب أو نسج غزل أو أكل طعام، وكان قد أصاب وجه البيع فهل يمضي وهو المستحسن أو لا وهو القياس؟ قولان. انظر الحطاب.
تنبيهات: الأول: قال في المدونة: وسئل عن الوصي ببيع المتاع بغير إذن الورثة، قال: إن كانوا كبارا قد رضي حالهم فلا يبيع إلا بإذنهم،
فإن باع رد المتاع لأنه إنما أوصى بالذين يولي عليهم وإنما هؤلاء شركاء،
قيل: فإن فات؟ قال: إن فات وأصاب وجه البيع كأنه يقول مضى، قال أصبغ: لا أرى ذلك وإن للورثة رده إلا أن يكون الثلث موصى به يحتاج إلى تحصيل المال وبيعه وجمعه فيكون ذلك له، إلا العقار والرباع فلا أرى ذلك له دونهم،
وإن لم يكن له ثلث على ما وصفت فهو مردود. قاله الحطاب.
وقال بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه اختلف هل يجوز بيع الوصي التركة لقضاء الدين أو تنفيذ الوصايا إذا كان الورثة غيبا أو فيهم غائب كبير أم لا؟ فأجاز ذلك أشهب حتى في العقار ومنع ذلك غيره وهو المعروف في المذهب، فأحرى أن يمنع لغير ذلك حتى يرفع إلى السلطان. الثاني: ذكر البرزلي في كتاب السلم عن أبي عمران أن من مات في سفر بموضع لا قضاة فيه ولا عدول ولم يوص فاجتمع المسافرون وقدموا رجلا باع تركته ثم قدموا بلد الميت فأراد الورثة نقض البيع إذ لم يبع بإذن حاكم وبلده بعيد من موضع الموت أن ما فعله جماعة الرفقة من بيع وغيره جائز، وقد وقع هذا لعيسى بن مسكين وصوب فعله وأمضاه ونقل عن الداودي أنه أمر ببيع تركة رجل غريب يذكر أنه من أحواز فاس وورثته مجهولون، ودفع الثمن إلى ثقات من أهل المغرب وأمرهم بالبحث عن ورثته،
فإن يئس منهم تصدق بذلك على الفقراء. وذكر رجل أنه تسلف من الميت دينارا فأمر بدفعه لأولئك الثقات ويبرئه ذلك إذا أشهد على الدفع. قاله الحطاب.
وقال: علم مما تقدم أن تنفيذ الوصايا من قضاء دين أو وصية أو بالثلث صدقة أو غيرها لوصي الميت ويفهم أيضا من كلام المدونة.
وفي اللباب: وتنفيذ الوصية لوصي الميت. الثالث: ذكر البرزلي عن ابن رشد مسألة وهي ما إذا باع الوصي عقارا أكثر من حصة الميت وفرقه أنه لا رجوع على الوصي، والمسألة في نوازل ابن رشد سأله عنها عياض وهي رجل أسند إليه الثلت فنظر مع الورثة في بيع التركة، وفرق الثلث على معينين وغير معينين حسبما في الوصية وكان في التركة شقص يشارك فيه بعض الورثة وغيره فبيع فيما بيع واشتراه الشريك الوارث ووزع ثمنه على قدر المواريث والوصية، فلما كان بعد مدة تأملت القصة فإذا قد وقع فيها غلط ووهم وقد بيع من الربع من الوارث أكثر من نصيب الميت، وتبين ذلك فأخذ من كل وارث مصابه وبقي ما للثلث وقد فرق، قال ابن رشد: لا ضمان على الوصي فيما نفذه فيما يجب من الثمن للحصة الزائدة على حق الميت، ويرجع المبتاع بما ناب الوصية من ذلك على من وجد من الموصى لهم المعينين، وتكون الصيبة منه فيمن لم يجد منهم وفيما فرق على المساكين غير المعينين على ووهب ابن القاسم وروايته عن مالك الذي نعتقد صحته.
وبالله التوفيق. الرابع: قال ابن رشد في نوازله: إذا أوصى بوصية أو فكاك أسير أو غير ذلك من وجوه البر وجعل تنفيذ الوصية إلى رجل أجنبي أو وارث وشرط في تنفيذ الوصية أنه ينفذها دون مشورة قاض. ولا تعقب حاكم فلا يجوز لأحد من القضاة والحكام أن يتعقب شيئا من ذلك ولا ينظر فيه، والأمر في ذلك للورثة،
فإن كانت الوصية مما يبقى لهم فيه منفعة كالعتق وشبهه كان لهم أن يقوموا حتى يعلموا أنها قد نفذت كان المنفذ لها وارثا أو أجنبيا،
وإن كانت الوصية مما لا يبقى لهم فيه منفعة كالصدقة فلا قيام لهم في ذلك إلا أن يكون النفذ وارثا،
ولا يجوز للمقدم على الثلث مسامحة الورثة فيه،
وإن اتهمه القاضي بذلك أشرك معه من يثق به في تحصين الثلث ثم يكل تنفيذ ذلك إليه في الوجود التي جعل له تنفيذها فيها، أو بما أداه اجتهاده إليه إن كان فوض إليه النظر في ذلك وقال الموصي ولا اعتراض عليه من حاكم ولا غيره وهذا في الوصي المأمون
وأما غير المأمون الذي يخشى منه على الوصية ولا ينفذها فيكلف إقامة بينة على تنفيذها فإن لم يأت بالبينة على ذلك ضمن إن كان سارقا معلنا،
وإن كان متهما ولم يكن بهذه الصفة استحلف ولم يضمن إلا أن ينكل عن اليمين،
وإن كان مأمونا لم تكن عليه يمين وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون. انتهى. وعلم مما مر أنه لا فرق في الحكم بين أن يشترط الموصي تنفيذ الوصية دون مشورة القاضي ولا تعقب حاكم، أو أنه لا اعتراض عليه من حاكم أو غيره بوجه من الوجوه. قاله الحطاب. وقد ذكرت كلامه باقتصار يفهم معه كلامه بالتأمل. والله تعالى أعلم. الخامس: من هذا المعنى مسألة المدونة: لو أمرته بصدقة على معينين فإن صدقه بعضهم وكذبه بعضهم ضمن حصة من كذبه،
ولو أمرته بصدقة على غير معينين صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.