وَقِيلَ مُضَيَّقًا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ عَيْنًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذِي نِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ
الشروح عليها
(وَقِيلَ مُضَيَّقًا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ عَيْنًا) فَبَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً وَاخْتَارَهُ الْكَمَالُ فِي تَحْرِيرِهِ وَرَجَّحَهُ فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ (عَلَى كُلِّ) حُرٍّ (مُسْلِمٍ) وَلَوْ صَغِيرًا مَجْنُونًا، حَتَّى لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا وَلِيُّهُمَا وَجَبَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ (ذِي نِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ) كَدَيْنِهِ وَحَوَائِجِ عِيَالِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ مُضَيِّقًا) مُقَابِلُ الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَقْتَ أَدَائِهَا يَوْمَ الْفِطْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ،
فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ سَقَطَتْ كَالْأُضْحِيَّةِ بَدَائِعُ،
وَمِثْلُهُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَجَّحَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقَيَّدِ بِالْوَقْتِ لَا الْمُطْلَقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ» فَبَعْدَهُ قَضَاءً وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي بَحْرِهِ، لَكِنَّهُ
قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِمَا قَابَلَ الصَّحِيحَ. اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا قَضَاءً بِمُضِيِّ يَوْمِهَا غَيْرُ الْقَوْلِ بِسُقُوطِهَا بِهِ. وَقَدْ رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ كَانَ بِإِذْنِهِ وَعِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ نَفْسُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالْيَوْمِ إذْ لَوْ تَقَيَّدَ بِهِ لَمْ يَصِحَّ قَبْلَهُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْأُضْحِيَّةِ. اهـ.
وَمَا قِيلَ فِي الْجَوَابِ إنَّهُ تَعْجِيلٌ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَيَجُوزُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ، فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِلِاعْتِرَاضِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى جَوَازِ التَّعْجِيلِ وَعَلَى عَدَمِ التَّوْقِيتِ إذْ لَوْ كَانَ مُؤَقَّتًا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهُ وَهُوَ الْبَيْتُ، عَلَى أَنَّ قِيَاسَ تَعْجِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى الزَّكَاةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْفَتْحِ فَافْهَمْ.
وَالْأَمْرُ فِي حَدِيثِ أَغْنُوهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَصَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ أَيْ تَحْرِيمًا كَمَا فِي النَّهْرِ وَسَيَأْتِي لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ لِنُقْصَانِ ثَوَابِهَا فَصَارَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّدَقَاتِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ بِسُقُوطِهَا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ظَاهِرِهِ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ فِي بَاقِي الْيَوْمِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُهُ فَهُوَ مَصْرُوفٌ عَنْهُ عِنْدَهُ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الْيَوْمِ لَا بِمُضِيِّ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: فَبَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّضْيِيقِ هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الْيَوْمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُهَا وَغَيْرُهُمْ،
وَأَنَّ هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ سِوَى ابْنِ الْهُمَامِ وَعَلِمْت مَا فِيهِ فَفِي هَذَا التَّفْرِيعِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِمٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى رَقِيقٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ، وَلَا عَلَى كَافِرٍ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا نَهْرٌ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَوْ لَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ وَلَدٌ مُسْلِمٌ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ صَغِيرًا مَجْنُونًا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ مَجْنُونًا بِالْعَطْفِ بِأَوْ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ، وَهَذَا لَوْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلَيْسَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، حَتَّى تَجِبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا كَانَ لَهُمَا مَالٌ وَيُخْرِجُهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا تَجِبُ فَيَضْمَنُهَا الْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَوْ أَدَّيَاهَا مِنْ مَالِهِمَا اهـ وَكَمَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمَا تَجِبُ فِطْرَةُ رَقِيقِهِمَا مِنْ مَالِهِمَا كَمَا فِي الْهِنْدِيَّةِ وَالْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا وَلِيُّهُمَا) أَيْ مِنْ مَالِهِمَا.
فَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الصَّبِيَّ الْغَنِيَّ إذَا لَمْ يُخْرِجْ وَلِيُّهُ عَنْهُ فَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. اهـ.
قُلْت: فَلَوْ كَانَا فَقِيرَيْنِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا بَلْ عَلَى مَنْ يَمُونُهُمَا كَمَا يَأْتِي. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا عَنْهُمَا مِنْ مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُمَا الْأَدَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الْبُلُوغِ) أَيْ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ فِي الْمَجْنُونِ ح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.