وَبِالتَّسْمِيَةِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاء وَبَعْده وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ وَهُوَ يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَالسِّوَاكُ بِمِيَاهٍ وَبِيُمْنَاهُ وَغَسْلُ الْفَمِ بِمِيَاهٍ وَالْأَنْفِ بِمِيَاهٍ
الشروح عليها
(وَ) الْبُدَاءَةُ (بِالتَّسْمِيَةِ) قَوْلًا، وَتَحْصُلُ بِكُلِّ ذِكْرٍ، لَكِنَّ الْوَارِدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «بِاسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ» (قَبْلَ الِاسْتِنْجَاء وَبَعْده) إلَّا حَالَ انْكِشَافٍ وَفِي مَحَلِّ نَجَاسَةٍ فَيُسَمِّي بِقَلْبِهِ؛
وَلَوْ نَسِيَهَا فَسَمَّى فِي خِلَالِهِ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ، بَلْ الْمَنْدُوبُ.
وَأَمَّا الْأَكْلُ فَتَحْصُلُ السُّنَّةُ فِي بَاقِيهِ لَا فِيمَا فَاتَ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. (وَ) الْبُدَاءَةُ (بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ) الطَّاهِرَتَيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، وَقَيْدُ الِاسْتِيقَاظِ اتِّفَاقِيٌّ؛ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ السُّنَّةِ بِوَقْتِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ حُجَّةٌ، -
بِخِلَافِ أَكْثَرِ مَفَاهِيمِ النُّصُوصِ، كَذَا فِي النَّهْرِ وَفِيهِ مِنْ الْحَدِّ الْمَفْهُومِ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقًا، وَمِنْهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ. قَالَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ لَا مَا لَا يُدْرَكُ بِهِ. اهـ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ حُدُودِ النِّهَايَةِ: الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي نَصِّ الْعُقُوبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}-
وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ فَأَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ (إلَى الرُّسْغَيْنِ) بِالضَّمِّ، مِفْصَلُ الْكَفِّ بَيْن الْكُوعَ وَالْكُرْسُوعِ،
وَأَمَّا الْبُوعُ فَفِي الرِّجْلِ.
قَالَ:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ فِي الْوَسَطِ وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٍ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ
ثُمَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُ الْإِنَاءِ أَدْخَلَ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ مَضْمُومَةً وَصَبَّ عَلَيْهَا الْيُمْنَى لِأَجْلِ التَّيَامُنِ.
وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَفَّ إنْ أَرَادَ الْغُسْلَ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا،
وَإِنْ أَرَادَ الِاغْتِرَافَ لَا، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِرَافُ بِشَيْءٍ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَمْ يُعِدْ. (وَهُوَ) سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ (يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ)
وَيُسَنُّ غَسْلُهَا أَيْضًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ. (وَالسِّوَاكُ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ،
وَقِيلَ: قَبْلَهَا، وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا إلَّا إذَا نَسِيَهُ فَيُنْدَبُ لِلصَّلَاةِ؛ كَمَا يُنْدَبُ لِاصْفِرَارِ سِنٍّ وَتَغَيُّرِ رَائِحَةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ؛ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فِي الْأَعَالِي وَثَلَاثٌ فِي الْأَسَافِلِ (بِمِيَاهٍ) ثَلَاثَةٌ. (وَ) نُدِبَ إمْسَاكُهُ (بِيُمْنَاهُ) وَكَوْنُهُ لَيِّنًا، مُسْتَوِيًا بِلَا عُقَدٍ، فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ شِبْرٍ. وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا، وَلَا مُضْطَجِعًا؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ، وَلَا يَقْبِضُهُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَلَا يَمُصُّهُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى، ثُمَّ يَغْسِلُهُ، وَإِلَّا فَيَسْتَاكُ الشَّيْطَانُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الشِّبْرِ، وَإِلَّا فَالشَّيْطَانُ يَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُ بَلْ يَنْصِبُهُ، وَإِلَّا فَخَطَرُ الْجُنُونِ قُهُسْتَانِيٌّ.
وَيُكْرَهُ بِمُؤْذٍ، وَيَحْرُمُ بِذِي سُمٍّ.
وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا دُونَ الْمَوْتِ، وَمُذَكِّرٌ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ فَقْدِ أَسْنَانِهِ تَقُومُ الْخِرْقَةُ الْخَشِنَةُ أَوْ الْأُصْبُعُ مَقَامَهُ، كَمَا يَقُومُ الْعِلْكُ مَقَامَهُ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (وَغَسْلُ الْفَمِ) أَيْ اسْتِيعَابُهُ، وَلِذَا عَبَّرَ بِالْغَسْلِ - أَوْ لِلِاخْتِصَارِ (بِمِيَاهٍ) ثَلَاثَةٌ (وَالْأَنْفِ) بِبُلُوغِ الْمَاءِ الْمَارِنِ (بِمِيَاهٍ) وَهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ خَمْسٍ: التَّرْتِيبُ، وَالتَّثْلِيثُ، وَتَجْدِيدُ الْمَاءِ، وَفِعْلُهُمَا بِالْيُمْنَى
(قَوْلُهُ: قَوْلًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ سُنِّيَّةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا وَبِالنِّيَّةِ وَبِغَسْلِ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَالتَّسْمِيَةُ مَحَلُّهَا اللِّسَانُ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بِالْفِعْلِ، أَفَادَهُ ط، لَكِنْ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَنَّ مُرَاعَاةَ اسْتِحْبَابِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ يُفَوِّتُ الْبَدْءَ بِالتَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ إضَافِيًّا اهـ.
(قَوْلُهُ:: وَتَحْصُلُ بِكُلِّ ذِكْرٍ) فَلَوْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ حَمِدَ كَانَ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ يَعْنِي لِأَصْلِهَا وَكَمَالِهَا بِمَا يَأْتِي، أَفَادَهُ فِي النَّهْرِ
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْوَارِدَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَفْظُهَا الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ،
وَقِيلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِاسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ» قِيلَ: الْأَفْضَلُ " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " بَعْدَ التَّعَوُّذِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَالْبُدَاءَةُ فِي الْوُضُوءِ شُرِعَتْ بِالتَّسْمِيَةِ حِلْيَةٌ، وَفِيهَا: ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ.
أَمَّا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ السَّكَنِ فِي أَوَّلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " وَالْخُبُثُ: بِضَمَّتَيْنِ
وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْبَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمَا ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ) لِأَنَّهُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْوُضُوءِ دُرَرٌ؟ وَفِيهَا أَنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ تُسَنُّ قَبْلَهُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَعْدَهُ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا. اهـ. وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا حَالَ انْكِشَافٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسَمِّي قَبْلَ رَفْعِ ثِيَابِهِ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَإِلَّا فَقَبْلَ دُخُولِهِ،
فَلَوْ نَسِيَ فِيهِمَا سَمَّى بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: بَلْ الْمَنْدُوبُ) قَالَ فِي السِّرَاجِ: إنَّهُ يَأْتِي بِهَا لِئَلَّا يَخْلُوَ وُضُوءُهُ عَنْهَا، وَقَالُوا: إنَّهَا عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ مَنْدُوبَةٌ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَكْلُ إلَخْ) أَيْ إذَا نَسِيَهَا فِي ابْتِدَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ فِي الْوُضُوءِ،
وَقَالَ بِخِلَافِ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ،
بِخِلَافِ الْأَكْلِ، فَإِنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ كُلَّمَا أَكَلْتُ اللَّحْمَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ لُقْمَةٍ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ أَكْلٌ. اهـ. وَذُكِرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَ،
وَقَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَا حَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ اهـ أَيْ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ أَوَّلَهُ
فَائِدَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْرَاكُ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ «بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرِهِ» لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي الْأَكْلِ وَلَا حَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ. وَقَدْ يُقَالُ: إذَا حَصَلَ بِهِ الِاسْتِدْرَاكُ فِي الْأَكْلِ مَعَ أَنَّهُ أَفْعَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَحْصُلُ فِي الْوُضُوءِ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إذَا سَمَّى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ
(قَوْلُهُ: وَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ) أَيْ إذَا أَرَادَ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِيمَا فَاتَ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَا لَمْ يَقُلْ.
[تَتِمَّةٌ] مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالتَّسْمِيَةِ سُنَّةٌ هُوَ مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَرَجَّحَ فِي الْهِدَايَةِ نَدْبَهَا، قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَهْرٌ. وَتَعَجَّبَ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ حَيْثُ رَجَّحَ هُنَا وُجُوبَهَا،
ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْحَقَّ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا.
(قَوْلُهُ: وَالْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ: السُّنَّةُ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْيَدِ؛
وَأَمَّا نَفْسُ الْغَسْلِ فَفَرْضٌ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ: الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ غَسْلُ يَدَيْهِ ابْتِدَاءً كَمَا قَالَ غَيْرُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: الطَّاهِرَتَيْنِ) أَمَّا غَسْلُ النَّجِسَتَيْنِ فَوَاجِبٌ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: ثَلَاثًا) لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ، لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَافْهَمْ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ غَسْلُهُمَا عَنْ الثَّلَاثِ كَانَ آتِيًا بِالسُّنَّةِ تَارِكًا لِكَمَالِهَا، عَلَى أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ لِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
(قَوْلُهُ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْإِضَافِيِّ أَيْضًا، وَهُمَا سُنَّتَانِ لَا وَاحِدَةٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَيْدُ الِاسْتِيقَاظِ) أَيْ الْوَاقِعُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا تَبَعًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»
(قَوْلُهُ: اتِّفَاقِيٌّ) أَيْ غَيْرُ مَقْصُودِ الذِّكْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: خَصَّ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بِالْمُسْتَيْقِظِ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالسُّنَّةُ تَشْمَلُ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. اهـ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَقْصُودٌ،
وَأَنَّ غَسْلَهُمَا لِغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ أَدَبٌ، كَمَا فِي السِّرَاجِ.
وَفِي النَّهْرِ: الْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَمَا إذَا نَامَ لَا عَنْ اسْتِنْجَاءٍ أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَغَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ عِنْدَ عَدَمِ تَوَهُّمِهَا، كَمَا إذَا نَامَ إلَّا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَيْقِظًا عَنْ نَوْمٍ اهـ وَنَحْوِهِ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِ الْقَيْدِ اتِّفَاقِيًّا وَأَنَّ الْغَسْلَ سُنَّةٌ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: بِوَقْتِ الْحَاجَةِ) أَيْ إلَى إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ. ابْنُ كَمَالٍ: فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا يُمْكِنُ رَفْعُهُ وَالصَّبُّ مِنْهُ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعَ أَنَّهُ يُسَنُّ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَفَاهِيمَ الْكُتُبِ حُجَّةٌ) عِلَّةٌ لِلتَّوَهُّمِ: أَيْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّ إلَخْ. مَطْلَبٌ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَالْمَفَاهِيمُ: جَمْعُ مَفْهُومٍ، وَهُوَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ. وَهُوَ قِسْمَانِ: مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ: أَيْ غَيْرُ الْمَذْكُورِ مُوَافِقًا لِلْمَنْطُوقِ: أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ؛ كَدَلَالَةِ النَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ، وَهَذَا يُسَمَّى عِنْدَنَا دَلَالَةَ النَّصِّ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ اتِّفَاقًا. وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ أَقْسَامٌ: مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالْعَدَدِ وَاللَّقَبِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَفْهُومَ اللَّقَبِ.
قَالَ فِي التَّحْرِيرِ: وَالْحَنَفِيَّةُ يَنْفُونَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ بِأَقْسَامِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَقَطْ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّهُ فِي الرِّوَايَاتِ وَنَحْوِهَا مُعْتَبَرٌ بِأَقْسَامِهِ حَتَّى مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِجَامِدٍ، كَقَوْلِك: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ.
وَفِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فِي خِطَابَاتِ الشَّارِعِ،
فَأَمَّا مَا فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ فَيَدُلُّ. اهـ. وَتَوْضِيحُ هَذَا الْمَحَلِّ يُطْلَبُ مِنْ حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ أَكْثَرِ مَفَاهِيمِ النُّصُوصِ) كَالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ لِكَوْنِهَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَتَحْتَمِلُ فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ؛ وَلِذَا تَرَى الْخَلَفَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ السَّلَفُ،
بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَقَعُ فِيهَا تَفَاوُتُ الْأَنْظَارِ، وَالْمُرَادُ مَفَاهِيمُ الْمُخَالَفَةِ.
أَمَّا مَفَاهِيمُ الْمُوَافَقَةِ فَمُعْتَبَرَةٌ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَيَّدَهُ بِالْأَكْثَرِ لِأَنَّ مِنْ النُّصُوصِ مَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ كَنَصِّ الْعُقُوبَةِ، كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ مِنْ الْحَدِّ) أَيْ فِي النَّهْرِ مِنْ كِتَابِ الْحَدِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْجِنَايَاتِ
(قَوْلُهُ: فِي الرِّوَايَاتِ) أَيْ عَنْ الْأَئِمَّةِ، وَالْمُرَادُ فِي أَكْثَرِهَا كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ اتِّفَاقًا ط
(قَوْلُهُ: تَقْيِيدُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ط
(قَوْلُهُ: بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ) أَيْ مَا لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ وَتَصَرُّفٌ ط
(قَوْلُهُ: لَا مَا لَمْ يُدْرَكْ بِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَالْمَرْفُوعُ نَصٌّ، وَالنَّصُّ لَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ ط قَوْلُ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ كَمَا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ، قَالُوا: إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَخْذًا بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِتَعَيُّنِ جِهَةِ السَّمَاعِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ) لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ ذَكَرُوا مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ هَذِهِ الْآيَةَ؛ حَيْثُ جَعَلَ الْحَجْبَ عَنْ الرُّؤْيَةِ عُقُوبَةً لِلْفُجَّارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُحْجَبُونَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِلْفُجَّارِ
(قَوْلُهُ: فَأَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ) يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ،
وَمِنْ غَيْرِ الْأَكْثَرِ مَا مَرَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْهِدَايَةِ بِالْمُسْتَيْقِظِ
(قَوْلُهُ: إلَى الرُّسْغَيْنِ) تَثْنِيَةُ رُسْغٍ بِالسِّينِ وَالصَّادِ، وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِضَمَّتَيْنِ، أَفَادَهُ فِي الْقَامُوسِ
(قَوْلُهُ:: مِفْصَلُ الْكَفِّ) عَلَى وَزْنِ مِنْبَرٍ: مُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ مِنْ الْجَسَدِ قَامُوسٌ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ؛ فَلِذَا سَاغَ تَفْسِيرُ الْمُثَنَّى بِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الشَّاعِرُ، وَتَسَاهَلُوا فِي حَذْفِ فَاعِلِهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ النَّظْمَ إلَّا شَاعِرٌ ط
(قَوْلُهُ: لِخِنْصَرِهِ) أَيْ الشَّخْصِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ ط
(قَوْلُهُ: فِي الْوَسَطِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا وَسَطَ: أَيْ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ: فَخُذْ بِالْعِلْمِ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ أَصْلِيَّةٌ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أَيْ خُذْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِعِلْمٍ لَا بِظَنٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِي الْغَلَطِ، أَوْ ضَمَّنَ خُذْ مَعْنَى الظَّفْرِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَخْ) ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ لِأَنَّهُ مِنْ
تَتِمَّةِ أَوَّلِ الْكَلَامِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَ الشَّارِحُ الْخَفِيَّ مِنْهُ وَتَرَكَ الظَّاهِرَ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ هَذَا الْغَسْلِ أَنَّ الْإِنَاءَ إنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ غَسَلَ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا،
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَكِنْ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا أَدْخَلَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً دُونَ الْكَفِّ وَصَبَّ عَلَى الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُهَا وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ قَالُوا: يُكْرَهُ إدْخَالُ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلْحَدِيثِ، وَهِيَ كَرَاهَةٌ تَنْزِيهٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَصْرُوفٌ عَنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ:«فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ، فَلَا يُدْخِلُ الْيَدَ أَصْلًا،
وَفِي الْكَبِيرِ عَلَى إدْخَالِ الْكَفِّ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ،
وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُسْتَيْقِظُ يَدَهُ فِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ كَالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ. اهـ.
أَقُولُ: وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ مُسْتَنْجِيًا وَلَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ إدْخَالُ يَدِهِ وَلَا الْوُضُوءُ مِمَّا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَصَبَّ عَلَى الْيُمْنَى) أَيْ ثُمَّ يُدْخِلُهَا وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: لِأَجْلِ التَّيَامُنِ) فِيهِ جَوَابٌ عَمَّا قِيلَ: لَا حَاجَةَ إلَى الصَّبِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ كَفَّيْهِ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ بِمَا صَبَّهُ عَلَى الْكَفِّ الْيُمْنَى كَمَا هُوَ الْعَادَةُ. وَرَدَّهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّ فِيهِ تَرْجِيحًا لِعَادَةِ الْعَوَّامِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ: أَيْ لِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ، وَبِأَنَّ نَقْلَ الْبِلَّةِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ
بِخِلَافِ الْغُسْلِ. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ نَصَّ غَيْرُ عُلَمَائِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ هُنَا كَمَا فِي غَسْلِ الْخَدَّيْنِ وَالْمَنْخَرَيْنِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُقَدِّمُ الْيَمِينَ مِنْهُمَا، وَالْقَوَاعِدُ لَا تَنْبُو عَنْهُ اهـ مُلَخَّصًا، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ نَقْلِ الْبِلَّةِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ نَقْلَ الْبِلَّةِ يَجُوزُ هُنَا بِدَلِيلِ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ عَادَةُ الْعَوَّامِ مُوَافَقَةً لِعُرْفِ الشَّرْعِ؛
وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا لِلِاتِّبَاعِ انْتَهَى فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَفَّ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: أَدْخَلَ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ
(قَوْلُهُ: إنْ أَرَادَ الْغَسْلَ) أَيْ غَسْلَ الْكَفِّ
(قَوْلُهُ: صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا) أَيْ الْمَاءُ الْمُلَاقِي لِلْكَفِّ إذَا انْفَصَلَ لَا جَمِيعُ الْمَاءِ بَحْرٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ سَيَأْتِي فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ
(قَوْلُهُ: لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا؛
وَمِثْلُهُ إذَا وَقَعَ الْكُوزُ فِي الْجُبِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْمَرَافِقِ بَحْرٌ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ،
وَإِنْ وُجِدَتْ عِلَّةٌ الِاسْتِعْمَالِ وَهِيَ رَفْعُ الْحَدَثِ كَمَا أَفَادَهُ ح
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِرَافُ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ: لَوْ يَدَاهُ نَجِسَتَانِ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالِاغْتِرَافِ وَالصَّبِّ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَدْخَلَ مِنْدِيلًا فَيَغْسِلُ بِمَا تَقَاطَرَ مِنْهُ،
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَفَعَ الْمَاءَ بِفِيهِ،
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَفِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْمَاءِ بِفِيهِ اخْتِلَافٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا وَهُوَ يُزِيلُ الْخَبَثَ اهـ: أَيْ فَيُزِيلُ مَا عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْخَبَثِ ثُمَّ يَغْسِلُهُمَا لِلْوُضُوءِ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ: وَهُوَ سُنَّةٌ) أَرَادَ بِهَا مُطْلَقَهَا الشَّامِلَ لِلْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا ح: أَيْ لِأَنَّهُ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَعِنْدَ عَدَمِهِ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ الْفَاتِحَةَ) أَيْ قِرَاءَتَهَا وَاجِبَةٌ وَتَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُ فِي الدُّرَرِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَدْرُ كَلَامِهِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ كَمَالٍ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالسِّرَاجِ؛ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذْ السُّنَّةُ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَدِّيه اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ لَكِنْ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ لَا قَصْدًا، وَالْفَرْضُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الْفَرْضِيَّةِ؛ كَمَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ قَدْ نَسِيَهَا وَاغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ وَهُوَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْفَرْضِ قَصْدًا، وَلَا يَنُوبُ الْغَسْلُ الْأَوَّلُ مَنَابَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ نَابَ مَنَابَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْهُ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا يَسْقُطُ لَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا.
وَيَظْهَرُ لِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْفَرْضِيَّةِ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ،
وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغَسْلِ الْمُجْزِئِ عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُسَنُّ إعَادَةُ الْغَسْلِ لِمَا مَرَّ فَتَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ. وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ إعَادَةَ غَسْلِهِمَا عَبَثٌ وَإِسْرَافٌ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ:: وَالسِّوَاكُ) بِالْكَسْرِ: بِمَعْنَى الْعُودِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ وَبِمَعْنَى الْمَصْدَرِ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ اسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ. اهـ.
فَالْمُرَادُ الِاسْتِيَاكُ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَبِهِ عَبَّرَ فِي الْفَتْحِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي مِقْيَاسِ اللُّغَةِ وَهُوَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ أَيْضًا، فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ اهـ وَنَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَيْضًا عَنْ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ وَالْعِرَاقِيِّ وَالْكَرْمَانِيِّ، قَالَ: وَكَفَى بِهِمْ حُجَّةٌ
(قَوْلُهُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ قُدِّرَ قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَا مُبْتَدَأٌ وَعَلَى الْعَطْفِ فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَجْرُورٌ؟ اسْتَظْهَرَ فِي الْبَحْرِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ الثَّانِي لِيُفِيدَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ أَيْضًا.
وَاسْتَظْهَرَ فِي النَّهْرِ الْأَوَّلَ لِتَرْجِيحِ كَوْنِهِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ. ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ إنَّهُ الْحَقُّ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ: وَقَدْ عَدَّهُ الْقُدُورِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. قُلْت: وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي الْإِنْقَاءِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا) أَيْ سُنَّةٌ لِلْوُضُوءِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلصَّلَاةِ
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَقَالُوا: فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ يَكْفِيه عِنْدَنَا لَا عِنْدَهُ. وَعَلَّلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَاكَ لِلصَّلَاةِ رُبَّمَا يَخْرُجُ دَمٌ، وَهُوَ نَجَسٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَسِيَهُ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَا يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ،
لَكِنْ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ الْغَزْنَوِيَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: اصْفِرَارُ السِّنِّ، وَتَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ، وَالْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ، وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ، لَكِنْ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: يُنَافِيه مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا لِلصَّلَاةِ، وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ بِحَمْلِ مَا فِي الْغَزْنَوِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ أَيْ أَنَّهُ لِلْوُضُوءِ.
وَإِذَا نَسِيَهُ يَكُونُ مَنْدُوبًا لِلصَّلَاةِ لَا لِلْوُضُوءِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: فِيهِ نَظَرٌ بِالنَّظَرِ إلَى تَعْلِيلِ السِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. اهـ.
أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ؛ فَقَدْ رُدَّ بِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ مَعَ أَنَّهُ لِمَنْ يُثَابِرُ عَلَيْهِ لَا يُدْمِي. وَيَظْهَرُ لِي التَّوْفِيقُ، بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا بَيَانُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْفَضِيلَةُ الْوَارِدَةُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ» أَيْ أَنَّهَا تَحْصُلُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ. فَعِنْدنَا كُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ خِلَافًا لَهُ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا نَفْيُ اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَنَا لِكُلِّ صَلَاةٍ أَيْضًا حَتَّى يَحْصُلَ التَّنَافِي. وَكَيْفَ لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مُنَاجَاةُ الرَّبِّ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ.
قَالَ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ: وَلَيْسَ السِّوَاكُ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَالَاتٍ مِنْهَا: تَغَيُّرُ الْفَمِ، وَالْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ وَإِلَى الصَّلَاةِ، وَدُخُولُ الْبَيْتِ، وَالِاجْتِمَاعُ بِالنَّاسِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ فَتَسْتَوِي فِيهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا. اهـ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَلَا يَخْتَصُّ بِالْوُضُوءِ كَمَا قِيلَ، بَلْ سُنَّةٌ عَلَى حِدَةٍ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيُؤَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ قَصْدِ التَّوَضُّؤِ فَيُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ اهـ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ صَلَاةٍ أَيْضًا الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ،
وَفِي هَدِيَّةِ ابْنِ عِمَادٍ أَيْضًا،
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّتِمَّةِ: وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ وَكُلِّ مَا يُغَيِّرُ الْفَمَ وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ. اهـ. فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ
(قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ، بَلْ يَسْتَاكُ إلَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِزَوَالِ النَّكْهَةِ وَاصْفِرَارِ السِّنِّ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِيهِ ثَلَاثٌ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِاطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ،
فَلَوْ حَصَلَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَالْمُسْتَحَبُّ إكْمَالُهَا كَمَا قَالُوا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ
(قَوْلُهُ: فِي الْأَعَالِي) وَيَبْدَأُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَفِي الْأَسَافِلِ كَذَلِكَ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: بِمِيَاهٍ ثَلَاثَةٍ) بِأَنْ يَبِلَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
(قَوْلُهُ:: وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ بِيُمْنَاهُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ،
قَالَ فِي الدُّرَرِ: لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُتَوَارَثُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ قَالَ مُحَشِّيهِ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي: أَقُولُ: دَعْوَى النَّقْلِ تَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. غَايَةُ مَا يُقَالُ أَنَّ السِّوَاكَ إنْ كَانَ مِنْ بَابِ التَّطْهِيرِ اُسْتُحِبَّ بِالْيَمِينِ كَالْمَضْمَضَةِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى فَبِالْيُسْرَى وَالظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ.
وَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَسِوَاكِهِ» وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ الْفَمِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْخِنْصَرَ أَسْفَلَهُ وَالْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ وَبَاقِي الْأَصَابِعِ فَوْقَهُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ
(قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ لَيِّنًا) كَذَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي السِّرَاجِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ لَا رَطْبًا يَلْتَوِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْقَلَحَ وَهُوَ وَسَخُ الْأَسْنَانِ، وَلَا يَابِسًا يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَهِيَ مَنْبَتُ الْأَسْنَانِ. اهـ. فَالْمُرَادُ أَنَّ رَأْسَهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ اسْتِعْمَالِهِ يَكُونُ لَيِّنًا: أَيْ لَا فِي غَايَةِ الْخُشُونَةِ وَلَا غَايَةِ النُّعُومَةِ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِلَا عَقْدٍ) فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ: قَلِيلُ الْعَقْدِ
(قَوْلُهُ: فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ) كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَفِي الْفَتْحِ الْأُصْبُعِ
(قَوْلُهُ: وَطُولِ شِبْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي ابْتِدَاءِ اسْتِعْمَالِهِ، فَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقَطْعِ مِنْهُ لِتَسْوِيَتِهِ، تَأَمَّلْ، وَهَلْ الْمُرَادُ شِبْرُ الْمُسْتَعْمِلِ أَوْ الْمُعْتَادِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ مَحْمَلُ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا
(قَوْلُهُ:: وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا) أَيْ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ.
وَقَالَ الْغَزْنَوِيُّ: طُولًا وَعَرْضًا. وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ بَحْرٌ، لَكِنْ وَفَّقَ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّهُ يَسْتَاكُ عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ وَطُولًا فِي اللِّسَانِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْغَزْنَوِيِّ أَنَّهُ يَسْتَاكُ بِالْمُدَارَاةِ خَارِجَ الْأَسْنَانِ وَدَاخِلَهَا أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا وَرُءُوسِ الْأَضْرَاسِ وَبَيْنَ كُلِّ سِنَّيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْبِضُهُ) أَيْ بِيَدِهِ عَلَى خِلَافِ الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمُصُّهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ كَيَخُصُّ،
وَأَمَّا بَلْعُ الرِّيقِ بِلَا مَصٍّ، فَفِي الْحِلْيَةِ قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وَابْلَعْ رِيقَك أَوَّلَ مَا تَسْتَاكُ؛ فَإِنَّهُ يَنْفَعُ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَكُلَّ دَاءٍ سِوَى الْمَوْتِ، وَلَا تَبْلَعْ بَعْدَهُ شَيْئًا؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَسَةَ، يَرْوِيه زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَضَعُهُ إلَخْ) أَيْ لَا يُلْقِيه عَرْضًا بَلْ يَنْصِبُهُ طُولًا. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: وَمَوْضِعُ سِوَاكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعُ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، وَأَسْوِكَةُ أَصْحَابِهِ خَلَفَ آذَانِهِمْ، كَمَا قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَضَعُهُ فِي طَيِّ عِمَامَتِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَخَطَرُ الْجُنُونِ) فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ وَضَعَ سِوَاكَهُ بِالْأَرْضِ فَجُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ، حِلْيَةٌ عَنْ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ بِمُؤْذٍ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتُهُ بِقُضْبَانِ الرُّمَّانِ وَالرَّيْحَانِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ: رَوَى الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ضُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ السِّوَاكِ بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ» وَفِي النَّهْرِ: وَيَسْتَاكُ بِكُلِّ عُودٍ إلَّا الرُّمَّانَ وَالْقَصَبَ. وَأَفْضَلُهُ الْأَرَاكُ ثُمَّ الزَّيْتُونُ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ «نِعْمَ السِّوَاكُ الزَّيْتُونُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، وَهُوَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» مَطْلَبٌ فِي مَنَافِعِ السِّوَاكِ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ مَنَافِعِهِ إلَخْ) فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ حَاشِيَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِلْفَارِضِيِّ: أَنَّ مِنْهَا أَنَّهُ يُبْطِئُ بِالشَّيْبِ، وَيُحِدُّ الْبَصَرَ. وَأَحْسَنُهَا أَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا دُونَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ عَلَى الصِّرَاطِ. اهـ. وَمِنْهَا مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَفْرَحَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ، وَمَجْلَاةٌ لِلْبَصَرِ، وَيُذْهِبُ الْبَخَرَ وَالْحَفْرَ، وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ، وَيَهْضِمُ الطَّعَامَ، وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَيُضَاعِفُ الصَّلَاةَ، وَيُطَهِّرُ طَرِيقَ الْقُرْآنِ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ، وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُسْخِطُ الشَّيْطَانَ، وَيَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ، وَيَقْطَعُ الْمُرَّةَ، وَيُسَكِّنُ عُرُوقَ الرَّأْسِ، وَوَجَعَ الْأَسْنَانِ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، وَيُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَنَافِعُهُ وَصَلَّتْ إلَى نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ مَنْفَعَةً، أَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى، وَأَعْلَاهَا تَذْكِيرُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، رَزَقَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
(قَوْلُهُ: عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ: أَوْ الْأُصْبُعُ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ثُمَّ بِأَيِّ أُصْبُعٍ اسْتَاكَ لَا بَأْسَ بِهِ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَاكَ بِالسِّبَابَتَيْنِ، يَبْدَأُ بِالسَّبَّابَةِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِالْيُمْنَى،
وَإِنْ شَاءَ اسْتَاكَ بِإِبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَالسَّبَّابَةِ الْيُمْنَى، يَبْدَأُ بِالْإِبْهَامِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَوْقَ وَتَحْتَ، ثُمَّ السَّبَّابَةُ مِنْ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: كَمَا يَقُومُ الْعِلْكُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي الثَّوَابِ إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ تُضْعِفُ أَسْنَانَهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا فِعْلُهُ بَحْرٌ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِحَالِ الْمَضْمَضَةِ ط
(قَوْلُهُ: وَلِذَا عَبَّرَ بِالْغَسْلِ) أَفَادَ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُفَادُ بِالْغَسْلِ دُونَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمَا كَذَلِكَ فَالْمَضْمَضَةُ اصْطِلَاحًا اسْتِيعَابُ الْمَاءِ جَمِيعَ الْفَمِ.
وَفِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ. وَالِاسْتِنْشَاقُ اصْطِلَاحًا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَارِنِ. وَلُغَةً مِنْ النَّشْقِ، وَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إلَى دَاخِلِهِ بَحْرٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ، وَالْغَسْلُ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الِاسْتِيعَابِ، عَلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ سُنَّةٌ أُخْرَى، فَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا وَعَنْ أَصْلِهَا بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ يُوهِمُ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ نَهْرٌ. وَأَيْضًا لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ مَنْ صَرَّحَ بِسُنِّيَّةِ الْمُبَالَغَةِ كَالْمُصَنِّفِ.
قُلْت: فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِغَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ أَدَلُّ عَلَى الِاسْتِيعَابِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِلِاخْتِصَارِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاخْتِصَارَ مَطْلُوبٌ مَا لَمْ يُفَوِّتْ
فَائِدَةً مُهِمَّةً، فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ ثُمَّ مَجُّهُ، وَالْغَسْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمَجِّ شَرْطًا فِيهَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الثَّانِي.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِمَا فِي الْفَتْحِ: لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ عَبًّا أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَضْمَضَةِ،
وَقِيلَ: لَا، وَمَصًّا لَا يَجْزِيه. هَذَا، وَأَبْدَى الْعَيْنِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى حَدَّيْهِمَا
(قَوْلُهُ: بِمِيَاهٍ) إنَّمَا قَالَ: بِمِيَاهٍ وَلَمْ يَقُلْ: ثَلَاثًا؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ جَدِيدَةٍ، أَفَادَهُ فِي الْمِنَحِ ط
(قَوْلُهُ: الْمَارِنَ) هُوَ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ قَامُوسُ
(قَوْلُهُ: وَهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ) فَلَوْ تَرَكَهُمَا أَثِمَ عَلَى الصَّحِيحِ سِرَاجٌ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا جَعَلَ التَّرْكَ عَادَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا قَالُوا مِثْلَهُ فِي تَرْكِ التَّثْلِيثِ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: مُشْتَمِلَتَانِ) أَيْ مُشْتَمِلٌ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى سُنَنٍ خَمْسٍ، وَبِاعْتِبَارِهِمَا تَكُونُ السُّنَنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سُنَّةً، فَافْهَمْ؟ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ فِيهِمَا، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّثْلِيثُ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ أَنَّ تَرْكَ التَّكْرَارِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا يُكْرَهُ، وَأَيَّدَهُ فِي الْحِلْيَةِ «بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً» كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ التَّرْكَ عَادَةً لَهُ
(قَوْلُهُ: وَتَجْدِيدُ الْمَاءِ) أَيْ أَخْذُهُ مَاءً جَدِيدًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِيهِمَا
(قَوْلُهُ: وَفِعْلُهُمَا بِالْيُمْنَى) أَيْ وَيُمَخِّطُ وَيَسْتَنْثِرُ بِالْيُسْرَى، كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَالْمِعْرَاجِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.