وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ وَ مَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ وَمَضْغُ عِلْكٍ وَقُبْلَةٌ إنْ لَمْ يَأْمَنْ لَا دَهْنُ شَارِبٍ وَ كُحْلِ وَسِوَاكَ وَلَوْ عَشِيًّا
الشروح عليها
(وَكُرِهَ) لَهُ (ذَوْقُ شَيْءٍ وَ) كَذَا (مَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ) قَيْدٌ فِيهِمَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ كَكَوْنِ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا سَيِّئَ الْخُلُقِ فَذَاقَتْ.
وَفِي كَرَاهَةِ الذَّوْقِ عِنْدَ الشِّرَاءِ قَوْلَانِ، وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ إنْ وَجَدَ بُدًّا، وَلَمْ يَخَفْ غَبْنًا كُرِهَ وَإِلَّا لَا وَهَذَا فِي الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ كَلَامٌ لِحُرْمَةِ الْفِطْرِ فِيهِ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ فَتَبْقَى الْكَرَاهَةُ. (وَ) كُرِهَ (مَضْغُ عِلْكٍ) أَبْيَضَ مَمْضُوغٍ مُلْتَئِمٍ، وَإِلَّا فَيُفْطِرُ، وَكُرِهَ لِلْمُفْطِرِينَ إلَّا فِي الْخَلْوَةِ بِعُذْرٍ
وَقِيلَ يُبَاحُ وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ فَتْحٌ. (وَ) كُرِهَ (قُبْلَةٌ) وَمَسٌّ وَمُعَانَقَةٌ وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ (إنْ لَمْ يَأْمَنْ) الْمُفْسِدَ وَإِنْ أَمِنَ لَا بَأْسَ. (لَا) يُكْرَهُ (دَهْنُ شَارِبٍ وَ) لَا (كُحْلِ) إذَا لَمْ يَقْصِدْ الزِّينَةَ أَوْ تَطْوِيلَ اللِّحْيَةِ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْقَبْضَةُ وَصَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِوُجُوبِ قَطْعِ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ بِالضَّمِّ،
وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ لَا أَنْ يُحْمَلَ الْوُجُوبُ عَلَى الثُّبُوتِ،
وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ، وَأَخْذُ كُلِّهَا فِعْلُ يَهُودِ الْهِنْدِ وَمَجُوسِ الْأَعَاجِمِ فَتْحٌ.
وَحَدِيثُ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ الِاكْتِحَالِ فِيهِ ضَعِيفَةٌ لَا مَوْضُوعَةٌ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. (وَ) لَا (سِوَاكَ وَلَوْ عَشِيًّا) أَوْ رَطْبًا بِالْمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ الزَّوَالِ
وَكَذَا لَا تُكْرَهُ حِجَامَةٌ وَتَلَفُّفٌ بِثَوْبٍ مُبْتَلٍّ وَمَضْمَضَةٌ أَوْ اسْتِنْشَاقٌ أَوْ اغْتِسَالٌ لِلتَّبَرُّدِ عِنْدَ الثَّانِي وَبِهِ يُفْتَى شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْبُرْهَانِ. .
وَيُسْتَحَبُّ السُّحُورُ وَتَأْخِيرُهُ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ لِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَالسِّوَاكُ» . .
[فُرُوعٌ] لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَصِلُ بِهِ إلَى الضَّعْفِ فَيَخْبِزَ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحَ الْبَاقِيَ،
فَإِنْ قَالَ لَا يَكْفِينِي كَذِبَ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ،
فَإِنْ أَجْهَدَ الْحُرُّ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ حَتَّى مَرِضَ فَأَفْطَرَ فَفِي كَفَّارَتِهِ قَوْلَانِ قُنْيَةٌ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ صَامَ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ صَامَ وَصَلَّى قَاعِدًا جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَنْزِيهِيَّةٌ رَمْلِيٌّ
(قَوْلُهُ: قَالَهُ الْعَيْنِيُّ) وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَقَالَ وَجَعَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ قَيْدًا فِي الثَّانِي فَقَطْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَكَوْنِ زَوْجِهَا إلَخْ) بَيَانٌ لِلْعُذْرِ الْأَوَّلِ
قَالَ فِي النَّهْرِ وَمِنْ الْعُذْرِ فِي الثَّانِي أَنْ لَا تَجِدَ مَنْ يَمْضُغُ لِصَبِيِّهَا مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يَصُومُ وَلَمْ تَجِدْ طَبِيخًا
(قَوْلُهُ: وَوَفَّقَ فِي النَّهْرِ) عِبَارَتُهُ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ الْأَوَّلِ أَيْ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ بُدًّا وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يَجِدْهُ وَقَدْ خَشِيَ الْغَبْنَ. اهـ.
فَقَدْ قَيَّدَ الْكَرَاهَةَ بِأَنْ يَجِدَ بُدًّا مِنْ شِرَائِهِ أَيْ سَوَاءٌ خَافَ الْغَبْنَ أَوْ لَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَلَمْ يَخَفْ غَبْنًا مُخَالِفٌ لِمَا فِي النَّهْرِ (وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا وَخَافَ غَبْنًا لَا يُكْرَهُ مُوَافِقٌ لِلنَّهْرِ فَافْهَمْ وَمَفْهُومُهُ. أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا وَلَمْ يَخَفْ غَبْنًا يُكْرَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ بِكَرَاهَةِ الذَّوْقِ أَوْ الْمَضْغِ بِلَا عُذْرٍ ط
(قَوْلُهُ: إلَّا النَّفَلُ) ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ بِالْعُذْرِ اتِّفَاقًا وَبِلَا عُذْرٍ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ،
وَالثَّانِي فَالذَّوْقُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِفْطَارٍ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ إيَّاهُ فَتْحٌ وَغَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ كَلَامٌ) أَيْ لِصَاحِبٍ الْبَحْرِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ عَدَمِ حِلِّ الْفِطْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ، فَمَا كَانَ تَعْرِيضًا لَهُ لِلْفِطْرِ يُكْرَهُ
إمَّا عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَمُسَلَّمٌ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا شَاذَّةٌ اهـ وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي النَّفْلِ وَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ إظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الرُّتْبَتَيْنِ اهـ.
وَأَجَابَ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ لِقُوَّتِهِ فَيَجِبُ حِفْظُهُ وَعَدَمُ تَعْرِيضِهِ لِلْفَسَادِ فَكُرِهَ فِيهِ مَا يَخْشَى مِنْهُ الْإِمْضَاءَ إلَيْهِ، وَلَمْ يُكْرَهْ فِي النَّفْلِ وَإِنْ لَمْ تَخْلُ حَقِيقَةُ الْفِطْرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَصْلِهِ مَحْضُ تَطَوُّعٍ، وَالْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً فَهَبَطَتْ مَرْتَبَتُهُ عَنْ الْفَرْضِ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ فِعْلٍ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الظَّفْرِ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةِ ظَنٍّ فِيهِ قَالَ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَهُمْ فَتَأَمَّلْ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ مَضْغُ عِلْكٍ) نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْءٍ وَمَضْغُهُ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ فِيهِ لَا يَتَّضِحُ، فَذَكَرَ مُطْلَقًا بِلَا عُذْرٍ اهْتِمَامًا رَمْلِيٌّ.
قُلْت: وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مَضْغُهُ خُصُوصًا لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ كَمَا يَأْتِي فَكَانَ مَظِنَّةَ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي الصِّيَامِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ
(قَوْلُهُ أَبْيَضَ إلَخْ) قَيَّدَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ وَغَيْرَ الْمَمْضُوغِ وَغَيْرَ الْمُلْتَئِمِ، يَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى الْجَوْفِ، وَأَطْلَقَ مُحَمَّدٌ الْمَسْأَلَةَ وَحَمَلَهَا الْكَمَالُ تَبَعًا لِلْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ،
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصِلُ عَادَةً حُكِمَ بِالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقِّنِ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ لِلْمُفْطِرِينَ) ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَعْنِي التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ، يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِمْ خَالِيًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَتْحٌ
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ ط
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْخَلْوَةِ بِعُذْرٍ) كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْبَزْدَوِيِّ وَالْمَحْبُوبِيِّ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُبَاحُ) هُوَ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ وَفِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ تَرْكُهُ إلَّا لِعُذْرٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي فَمِهِ بَخْرٌ اهـ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ سِوَاكُهُنَّ) ؛ لِأَنَّ بِنْيَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ قَدْ لَا تَحْتَمِلُ السِّوَاكَ فَيُخْشَى عَلَى اللِّثَةِ وَالسِّنِّ مِنْهُ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ قُبْلَةٌ إلَخْ) جَزَمَ فِي السِّرَاجِ بِأَنَّ الْقُبْلَةُ الْفَاحِشَةَ بِأَنْ يَمْضُغَ شَفَتَيْهَا تُكْرَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ سَوَاءٌ أَمِنَ أَوْ لَا
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْمُعَانَقَةُ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الْمَشْهُورِ
وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ كَرَاهَتُهَا مُطْلَقًا وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ قِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. وَاخْتَارَ الْكَرَاهَةَ فِي الْفَتْحِ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ بِلَا ذِكْرِ خِلَافٍ وَهِيَ أَنْ يُعَانِقَهَا وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ وَيَمَسَّ فَرْجُهُ فَرْجَهَا بَلْ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْجِمَاعِ غَالِبًا. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ بَيَانٌ لِكَوْنِ مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُبَاشَرَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْفَاحِشَةِ وَلِذَا
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُبَاشَرَةُ مِثْلُ التَّقْبِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ اهـ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ مِنْ إجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي الْفَاحِشَةِ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: التَّصْرِيحَ بِمَا ذَكَرْته مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَأْمَنْ الْمُفْسِدَ) أَيْ الْإِنْزَالَ أَوْ الْجِمَاعَ إمْدَادٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَمِنَ لَا بَأْسَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَوْلَى عَدَمُهَا لَكِنْ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ فَنَهَاهُ» فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَاَلَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: لَا دَهْنُ شَارِبٍ وَكَحْلٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَصْدَرَيْنِ وَبِضَمِّهَا اسْمَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمَعْنَى: لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُمَا إلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ هُوَ لِأَوَّلٍ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ وَذَكَرَ فِي الْإِمْدَادِ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ شَمُّ رَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالْوَرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ جَوْهَرًا مُتَّصِلًا كَالدُّخَانِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا يُكْرَهُ الِاكْتِحَالُ بِحَالٍ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُطَيِّبِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَخُصُّوهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ
وَكَذَا دَهْنُ الشَّارِبِ. اهـ. مُطَّلِبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَالِ وَقَصْدِ الزِّينَةِ
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الزِّينَةَ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَالِ وَقَصْدِ الزِّينَةِ فَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارِ النِّعْمَةِ شُكْرًا لَا فَخْرًا، وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا،
وَالثَّانِي أَثَرُ ضَعْفِهَا، وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَّتْ السُّنَّةُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدٍ مَطْلُوبٍ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفَتًا إلَيْهِ فَتْحٌ، وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إذَا كَانَ لَا يَتَكَبَّرُ؛ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ حَرَامٌ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. اهـ. بَحْرٌ
(قَوْلُهُ أَوْ تَطْوِيلَ اللِّحْيَةِ) أَيْ بِالدُّهْنِ
(قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَجِبُ قَطْعُهُ هَكَذَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا» أَوْرَدَهُ أَبُو عِيسَى يَعْنِي التِّرْمِذِيَّ فِي جَامِعِهِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهَا فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَسَمِعْت مِنْ بَعْضِ أَعِزَّاءِ الْمَوَالِي أَنَّ قَوْلَ النِّهَايَةِ يُحِبُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَاسْتِعْمَالُهُمْ فِي مِثْلِهِ يُسْتَحَبُّ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْوُجُوبُ عَلَى الثُّبُوتِ) يُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَ بِفِعْلٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالدَّوَامَ، وَلِذَا حَذَفَ الزَّيْلَعِيُّ لَفْظَ يَجِبُ وَقَالَ وَمَا زَادَ يُقَصُّ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبِضَ عَلَى لِحْيَتِهِ،
فَإِذَا زَادَ عَلَى قَبْضَتِهِ شَيْءٌ جَزَّهُ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْيَنَابِيعِ وَغَيْرِهِمَا لَا بَأْسَ بِأَخْذِ أَطْرَافِ اللِّحْيَةِ إذَا طَالَتْ وَلَا بِنَتْفِ الشَّيْبِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّزَيُّنِ وَلَا بِالْأَخْذِ مِنْ حَاجِبِهِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهْ فِعْلَ الْمُخَنَّثِينَ وَلَا يَلْحِقُ شَعْرُ حَلْقِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْأَخْذِ مِنْ اللِّحْيَةِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا إلَخْ) بِهَذَا وَفَّقَ فِي الْفَتْحِ بَيْنَ مَا مَرَّ وَبَيْنَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحْيَةَ» قَالَ: لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْفَاضِلَ عَنْ الْقَبْضَةِ،
فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ كَمَا هُوَ أَصْلُنَا فِي عَمَلِ الرَّاوِي عَلَى خِلَافِ مَرْوِيِّهِ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ الرَّاوِي وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْمَلُ الْإِعْفَاءُ عَلَى إعْفَائِهَا عَنْ أَنْ يَأْخُذَ غَالِبَهَا أَوْ كُلَّهَا كَمَا هُوَ فِعْلُ مَجُوسِ الْأَعَاجِمِ مِنْ حَلْقِ لِحَاهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ،
وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ اهـ مُلَخَّصًا. .
مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ وَالِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ
(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ التَّوْسِعَةِ إلَخْ) وَهُوَ «مِنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ السَّنَةَ كُلَّهَا» قَالَ جَابِرٌ: جَرَّبْته أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ ط وَحَدِيثُ الِاكْتِحَالِ هُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ «مَنْ اكْتَحَلَ بِالْإِثْمِدِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرَ رَمَدًا أَبَدًا» وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ «مَنْ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ تَرْمِدْ عَيْنُهُ تِلْكَ السَّنَةَ» فَتْحٌ.
قُلْت: وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا هُنَا أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ اسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الِاكْتِحَالِ لِلصَّائِمِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ نُدِبَ إلَيْهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَإِلَى الصَّوْمِ فِيهِ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعِزِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ غَيْرُ صَوْمِهِ وَإِنَّمَا الرَّوَافِضُ لَمَّا ابْتَدَعُوا إقَامَةَ الْمَأْتَمِ وَإِظْهَارَ الْحُزْنِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لِكَوْنِ الْحُسَيْنِ قُتِلَ فِيهِ ابْتَدَعَ جَهَلَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ إظْهَارَ السُّرُورِ وَاِتِّخَاذَ الْحُبُوبِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالِاكْتِحَالِ، وَرَوَوْا أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فِي الِاكْتِحَالِ وَفِي التَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ. اهـ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الِاكْتِحَالِ فِيهِ ضَعِيفَةٌ لَا مَوْضُوعَةٌ كَيْفَ وَقَدْ خَرَّجَهَا فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ إنْ لَمْ يَحْتَجَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، فَالْمَجْمُوعُ يُحْتَجُّ بِهِ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ
وَأَمَّا حَدِيثُ التَّوْسِعَةِ فَرَوَاهُ الثِّقَاتُ وَقَدْ أَفْرَدَهُ ابْنُ الْقَرَافِيِّ فِي جُزْءٍ خَرَّجَهُ فِيهِ اهـ مَا فِي النَّهْرِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ لَكِنَّهُ زَادَ عَلَيْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِ الِاكْتِحَالِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ فِي الْفَتْحِ ذَكَرَ أَحَادِيثَ الِاكْتِحَالِ لِلصَّائِمِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بَعْضُهَا مُقَيَّدٌ بِعَاشُورَاءَ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَبَعْضُهَا مُطْلَقٌ فَمُرَادُهُ الِاحْتِجَاجُ بِمَجْمُوعِ أَحَادِيثِ الِاكْتِحَالِ لِلصَّائِمِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، كَيْفَ وَقَدْ جَزَمَ بِوَضْعِهِ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ، وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ مَثَلًا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَنَقَلَ السُّيُوطِيّ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَثِرَةِ عَنْ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مُنْكَرٌ،
وَقَالَ الْجَرَّاحِيُّ فِي كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ قَالَ الْحَاكِمُ أَيْضًا الِاكْتِحَالُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، نَعَمْ حَدِيثُ التَّوْسِعَةِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي الدُّرَرِ
(قَوْلُهُ: كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الَّذِي فِي النَّهْرِ وَالْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ ابْنُ الْعِزِّ.
قُلْت: وَهُوَ صَاحِبُ النُّكَتِ عَلَى مُشْكِلَاتِ الْهِدَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي السَّعْدِيَّةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا سِوَاكَ) بَلْ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ كَغَيْرِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» لِتَنَاوُلِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَحْكَامُهُ فِي الطَّهَارَةِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَشِيًّا) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ) وَكُرِهَ الثَّانِي الْمَبْلُولُ بِالْمَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِهِ فَمَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الْمَضْمَضَةِ
أَمَّا الرَّطْبُ الْأَخْضَرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ نَهْرٌ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تُكْرَهُ حِجَامَةٌ) أَيْ الْحِجَامَةُ الَّتِي لَا تُضْعِفُهُ عَنْ الصَّوْمِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وَالْفَصْدُ كَالْحِجَامَةِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرْطَ الْكَرَاهَةِ ضَعْفٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْفِطْرِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة إمْدَادٌ،
وَقَالَ قَبْلَهُ: وَكُرِهَ لَهُ فِعْلُ مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُضْعِفُهُ عَنْ الصَّوْمِ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْعَمَلِ الشَّاقِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِإِفْسَادٍ اهـ.
قُلْت: وَيَلْحَقُ بِهِ إطَالَةُ الْمُكْثِ فِي الْحَمَّامِ فِي الصَّيْفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَمَضْمَضَةٍ أَوْ اسْتِنْشَاقٍ) أَيْ لِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ اغْتِسَالٍ نُورُ الْإِيضَاحِ
(قَوْلُهُ: لِلتَّبَرُّدِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَتَلَفُّفٍ وَمَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يُفْتَى) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَبِلُّ الثَّوْبَ وَيَلُفُّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِيهَا عَوْنٌ عَلَى الْعِبَادَةِ وَدَفْعُ الضَّجَرِ الطَّبِيعِيِّ وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ إظْهَارِ الضَّجَرِ فِي الْعِبَادَةِ؛ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ السُّحُورُ) لِمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» قِيلَ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ: حُصُولُ التَّقَوِّي عَلَى صَوْمِ الْغَدِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ: إنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي أَكْلِ السُّحُورِ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَبْطِهِ بِالضَّمِّ جَمْعُ سَحَرٍ وَالْأَعْرَفُ فِي الرِّوَايَةِ الْفَتْحُ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ كَالْوَضُوءِ بِالْفَتْحِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ،
وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ وَنَيْلَ الثَّوَابِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِنَفْسِ الْمَأْكُولِ فَتْحٌ مُلَخَّصًا
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُحَصِّلُ السُّنَّةَ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُفِيدُهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ:«السُّحُورُ كُلُّهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُهُ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ فِيهِ أَبْلَغُ بَدَائِعُ وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ مَا إذَا لَمْ يَشُكَّ فِي بَقَاءِ اللَّيْلِ،
فَإِنْ شَكَّ كُرِهَ الْأَكْلُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ) أَيْ إلَّا فِي يَوْمِ غَيْمٍ، وَلَا يُفْطِرُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بَحْرٌ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَفِيهِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ التَّعْجِيلُ الْمُسْتَحَبُّ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَيْضِ: وَمَنْ كَانَ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ كَمَنَارَةِ إسْكَنْدَرِيَّةَ لَا يُفْطِرُ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ عِنْدَهُ وَلِأَهْلِ الْبَلْدَةِ الْفِطْرُ إنْ غَرُبَتْ عِنْدَهُمْ قَبْلَهُ
وَكَذَا الْعِبْرَةُ فِي الطُّلُوعِ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ السُّحُورِ
(قَوْلُهُ: لِحَدِيثٍ إلَخْ) كَذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الْهِدَايَةِ،
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَاَلَّذِي فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ» اهـ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُرْسَلِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ حِلُّ أَكْلِ السُّحُورِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهُ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِيهِمْ اهـ مِنْ الْمِعْرَاجِ مُلَخَّصًا.
[فُرُوعٌ فِي الصِّيَام]
(قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ إلَخْ) عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الْقُنْيَةِ.
وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَفِي الْفَتَاوَى سُئِلَ عَلِيٌّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ الْمُحْتَرِفِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ مَرَضٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِلنَّفَقَةِ هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ وَهَكَذَا حَكَاهُ عَنْ أُسْتَاذِهِ الْوَبَرِيِّ وَفِيهَا سَأَلْت أَبَا حَامِدٍ عَنْ خَبَّازٍ يَضْعُفُ فِي آخِرِ النَّهَارِ هَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ هَذَا الْعَمَلَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يَخْبِزُ نِصْفَ النَّهَارِ وَيَسْتَرِيحُ فِي الْبَاقِي فَإِنْ قَالَ لَا يَكْفِيه كَذَبَ بِأَيَّامِ الشِّتَاءِ فَإِنَّهَا أَقْصَرُ فَمَا يَفْعَلُهُ الْيَوْمَ اهـ مُلَخَّصًا.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ ضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ اهـ أَيْ إذَا لَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُمْكِنُهُ الصَّوْمُ فِيهَا وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَعَلَى هَذَا الْحَصَادِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ مَعَ الصَّوْمِ وَيَهْلَكُ الزَّرْعُ بِالتَّأْخِيرِ لَا شَكَّ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ وَالْقَضَاءِ
وَكَذَا الْخَبَّازُ، وَقَوْلُهُ كَذَبَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ،
فَإِنَّ طُولَ النَّهَارِ وَقِصَرَهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْكِفَايَةِ، فَقَدْ يَظْهَرُ صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ لَا يَكْفِينِي فَيُفَوَّضُ إلَيْهِ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ تَأَمَّلْ اهـ كَلَامَ الرَّمْلِيِّ: أَيْ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَخْتَلِفُ صَيْفًا وَشِتَاءً وَغَلَاءً وَرُخْصًا وَقِلَّةَ عِيَالٍ وَضِدَّهَا، وَلَكِنْ مَا نَقَلَهُ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى صَوَّرَهُ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ بِمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ، وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُ قَوْلِهِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ وَكَلَامُنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْتَرِفِ حَيْثُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ تَفَقُّهَاتِ الْمَشَايِخِ لَا مِنْ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيه وَعِيَالَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ مِنْ النَّاسِ فَالْفِطْرُ أَوْلَى وَإِلَّا فَلَهُ الْعَمَلُ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيه،
وَلَوْ أَدَّاهُ إلَى الْفِطْرِ يَحِلُّ لَهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَدِّيهِ إلَى الْفِطْرِ
وَكَذَا لَوْ خَافَ هَلَاكَ زَرْعِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْمَلْ لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لَهُ قَطْعَ الصَّلَاةِ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ لَوْ كَانَ آجَرَ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَجَاءَ رَمَضَانُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيه إذَا لَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الظِّئْرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِرْضَاعُ بِالْعَقْدِ، وَيَحِلُّ لَهَا الْإِفْطَارُ إذَا خَافَتْ عَلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى تَأَمَّلْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَجْهَدَ الْحُرُّ إلَخْ)
قَالَ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ: فَإِنْ أَجْهَدَ الْإِنْسَانُ بِالشُّغْلِ نَفْسَهُ فَأَفْطَرَ فِي التَّكْفِيرِ قَوْلَيْنِ سَطَّرُوا قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ صُورَتُهُ: صَائِمٌ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ حَتَّى أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ فَأَفْطَرَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ،
وَقِيلَ لَا وَبِهِ أَفْتَى الْبَقَّالِيُّ، وَهَذَا
بِخِلَافِ الْأَمَةِ إذَا أَجْهَدَتْ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ الْمَوْلَى، وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ
وَكَذَا الْعَبْدُ. اهـ.
ح وَظَاهِرُهُ وَهُوَ الَّذِي فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى تَرْجِيحُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ط.
قُلْت: مُقْتَضَى قَوْلِهِ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا أَيْضًا لَوْ فَعَلَتْ مُخْتَارَةً فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ مَحْمُولًا عَلَى مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ الْمُبِيحَةِ لِعَدَمِ الصَّوْمِ] فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ جَمْعِ عَارِضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ مِمَّا يُبِيحُ لَهُ عَدَمَ الصَّوْمِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.