فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٧تنوير الأبصارالحنفيةج ١ ص ١١٦ج ١ ص ١١٦

وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ وَالتَّرْتِيبُ وَالْوِلَاءُ وَمُسْتَحَبُّهُ التَّيَامُنُ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ لَا الْحُلْقُومِ

الشروح عليها

الدر المختارالحصكفي

(وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) بِالْغَرْغَرَةِ، وَمُجَاوَزَةِ الْمَارِنِ (لِغَيْرِ الصَّائِمِ) لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ؛ وَسِرُّ تَقْدِيمِهِمَا اعْتِبَارُ أَوْصَافِ الْمَاءِ؛. لِأَنَّ لَوْنَهُ يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ، وَطَعْمَهُ بِالْفَمِ، وَرِيحَهُ بِالْأَنْفِ.

٣٦

وَلَوْ عِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْغَسْلِ مَرَّةً مَعَهُمَا وَثَلَاثًا بِدُونِهِمَا غَسَلَ مَرَّةً.

٣٧

وَلَوْ أَخَذَ مَاءً فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِبَاقِيهِ أَجْزَأَهُ، وَعَكْسُهُ لَا. وَهَلْ يُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فَمِهِ وَأَنْفِهِ؟ الْأَوْلَى نَعَمْ قُهُسْتَانِيٌّ. (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ بَعْدَ التَّثْلِيثِ، وَيَجْعَلُ ظَهْرَ كَفِّهِ إلَى عُنُقِهِ (وَ) تَخْلِيلُ (الْأَصَابِعِ) الْيَدَيْنِ بِالتَّشْبِيكِ وَالرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى بَادِئًا بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَهَذَا بَعْدَ دُخُولِ الْمَاءِ خِلَالَهَا،

٣٨

فَلَوْ مُنْضَمَّةً فَرْضٌ (وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) الْمُسْتَوْعِبُ؛ وَلَا عِبْرَةَ لِلْغَرَفَاتِ،

٣٩

وَلَوْ اكْتَفَى بِمَرَّةٍ إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ، وَإِلَّا لَا،

٤٠

وَلَوْ زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ أَوْ لِقَصْدِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَحَدِيثُ " فَقَدْ تَعَدَّى " مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ، وَلَعَلَّ كَرَاهَةَ تَكْرَارِهِ فِي مَجْلِسٍ تَنْزِيهِيَّةٌ، بَلْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَعْزِيًّا لِلْجَوَاهِرِ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي جَائِزٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَيَّعٍ، فَتَأَمَّلْ. (وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً) مُسْتَوْعِبَةً،

٤١

فَلَوْ تَرَكَهُ وَدَوَامَ عَلَيْهِ أَثِمَ (وَأُذُنَيْهِ) مَعًا وَلَوْ (بِمَائِهِ) - لَكِنْ لَوْ مَسَّ عِمَامَتَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَاءٍ جَدِيدٍ (وَالتَّرْتِيبُ) الْمَذْكُورُ فِي النَّصِّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرْضٌ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ (وَالْوِلَاءُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ: غَسْلُ الْمُتَأَخِّرِ أَوْ مَسْحِهِ قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ بِلَا عُذْرٍ. حَتَّى لَوْ فَنِيَ مَاؤُهُ فَمَضَى لِطَلَبِهِ لَا بَأْسَ بِهِ،

٤٢

وَمِثْلُهُ الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ فَرْضٌ؛

٤٣

وَمِنْ السُّنَنِ: الدَّلْكُ، وَتَرْكُ الْإِسْرَافِ، وَتَرْكُ لَطْمِ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ، وَغَسْلُ فَرْجِهَا الْخَارِجِ (وَمُسْتَحَبُّهُ) وَيُسَمَّى مَنْدُوبًا وَأَدَبًا وَفَضِيلَةً، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى، وَمَا أَحَبَّهُ السَّلَفُ: (التَّيَامُنُ) فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَلَوْ مُسِحَا، لَا الْأُذُنَيْنِ وَالْخَدَّيْنِ، فَيُلْغَزُ، أَيُّ عُضْوَيْنِ لَا يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِيهِمَا؟ . (وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ) بِظَهْرِ يَدَيْهِ (لَا الْحُلْقُومِ) لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.

رد المحتارابن عابدين، حاشية على الدر المختار

(قَوْلُهُ: وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) هِيَ السُّنَّةُ الْخَامِسَةُ.

٧١٨

وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ.

(قَوْلُهُ: بِالْغَرْغَرَةِ) أَيْ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَمُجَاوَزَةِ الْمَارِنِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ،

٧١٩

وَقِيلَ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ تَكْثِيرُ الْمَاءِ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ.

٧٢٠

قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ

(قَوْلُهُ: وَسِرُّ تَقْدِيمِهِمَا) أَيْ حِكْمَةُ تَقْدِيمِهِمَا عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ

(قَوْلُهُ: اعْتِبَارُ أَوْصَافِ الْمَاءِ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ الْوُقُوفُ عَلَى تَمَامِ أَوْصَافِ الْمَاءِ،

٧٢١

فَإِنَّ أَوْصَافَهُ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرِّيحُ، فَاللَّوْنُ يُرَى بِالْبَصَرِ، وَبِهِمَا يَحْصُلُ تَمَامُ الْأَوْصَافِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ لَهُ، فَافْهَمْ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ عِنْدَهُ مَاءٌ إلَخْ) فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الشِّفَاءِ: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ، مَنْ تَرَكَهُمَا يَأْثَمُ. قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَاءُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَعَهُمَا وَثَلَاثًا بِدُونِهِمَا؛ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَعَهُمَا اهـ كَذَا فِي الْحِلْيَةِ أَيْ لِأَنَّهُمَا آكَدُ فِي التَّثْلِيثِ بِدَلِيلِ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِمَا، لَكِنْ قَدَّمْنَا حَمْلَ الْإِثْمِ عَلَى اعْتِيَادِ التَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ، عَلَى أَنَّ التَّثْلِيثَ كَذَلِكَ كَمَا يَأْتِي. وَالْأَحْسَنُ قَوْلُ ح " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَ عَنْهُ تَرْكُ التَّثْلِيثِ حَيْثُ «غَسَلَ مَرَّةً مَرَّةً، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ تَرْكُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ.

(قَوْلُهُ: أَخَذَ مَاءً فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِبَاقِيهِ أَجْزَأَهُ) أَيْ عَنْ أَصْلِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَفَاته سُنِّيَّةُ التَّجْدِيدِ

(قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ) أَيْ بِأَنْ قَدَّمَ الِاسْتِنْشَاقَ لَا يُجْزِيه لِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا بَحْرٌ أَيْ لِأَنَّ مَا فِي الْأَنْفِ لَا يُمْكِنُ إمْسَاكُهُ،

٧٢٢

بِخِلَافِ مَا فِي الْفَمِ، وَالْمُرَادُ لَا يُجْزِيه عَنْ الْمَضْمَضَةِ، وَإِلَّا فَالِاسْتِنْشَاقُ صَحَّ وَإِنْ فَاتَهُ التَّرْتِيبُ، تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: الْأَوْلَى نَعَمْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَسَوَّكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ أَجْزَاءِ السِّوَاكِ شَيْءٌ أَوْ يَبْقَى أَثَرُ طَعَامٍ لَا يُخْرِجُهُ السِّوَاكُ، وَلْيُحَرَّرْ ط.

(قَوْلُهُ:: وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) هُوَ تَفْرِيقُ شَعْرِهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقَ، بَحْرٌ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ يُفَضِّلَانِهِ وَرَجَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.

٧٢٣

وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَدِلَّةُ تُرَجِّحُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.

٧٢٤

قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الْكَثَّةِ،

٧٢٥

أَمَّا الْخَفِيفَةُ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ

(قَوْلُهُ: لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ) أَمَّا الْمُحْرِمُ فَمَكْرُوهٌ نَهْرٌ

(قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّثْلِيثِ) أَيْ تَثْلِيثِ غَسْلِ الْوَجْهِ إمْدَادٌ.

(قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ ظَهْرَ كَفِّهِ إلَى عُنُقِهِ) نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بِلَفْظٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ إلَخْ. وَكَتَبَ فِي الْهَامِشِ إنَّهُ الْفَاضِلُ الْبُرْجَنْدِيُّ.

٧٢٦

وَقَالَ فِي الْمِنَحِ: وَكَيْفِيَّتُهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ أَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ الْيَدِ فِي فُرُوجِهَا الَّتِي بَيْنَ شَعَرَاتِهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقَ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفُّ الْيَدِ الْخَارِجِ وَظُهْرُهَا إلَى الْمُتَوَضِّئِ. اهـ.

أَقُولُ: لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ إدْخَالُ الْيَدِ مِنْ أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفُّ الْيَدِ لِدَاخِلٍ مِنْ جِهَةِ الْعُنُقِ وَظُهْرُهَا إلَى الْخَارِجِ، لِيُمْكِنَ إدْخَالُ الْمَاءِ الْمَأْخُوذِ فِي خِلَالِ الشَّعْرِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَارَّةِ فَلَا يَبْقَى لِأَخْذِهِ

٧٢٧

فَائِدَةٌ، فَلِيُتَأَمَّلْ. وَمَا فِي الْمِنَحِ عَزَاهُ إلَى الْكِفَايَةِ. وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْكِفَايَةِ هَكَذَا، وَكَيْفِيَّتُهُ: أَنْ يُخَلِّلَ بَعْدَ التَّثْلِيثِ مِنْ حَيْثُ الْأَسْفَلُ إلَى فَوْقَ. اهـ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّخْلِيلَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحِلْيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

٧٢٨

وَقَالَ فِي الدُّرَرِ: إنَّهُ يُدْخِلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ مِنْ خِلَالِ لِحْيَتِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ: وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ اتِّفَاقًا سِرَاجٌ، وَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْخِلَافِ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَافْهَمْ.

٧٢٩

قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ: أَيْ التَّخْلِيلَ بِأَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ مُتَقَاطَرٍ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ. اهـ.

أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت مِنْ الْحَدِيثِ الْمَارِّ التَّقْيِيدَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ بِأَخْذِ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ.

٧٣٠

وَفِي الْبَحْرِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ: أَيْ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ الْإِدْخَالُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا. وَفِيهِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ التَّخْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّثْلِيثِ لِأَنَّهُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ اهـ.

٧٣١

قُلْت: لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِ اسْتِيعَابَ الْأَعْضَاءِ بِالْغَسْلِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِنَانُ تَثْلِيثِهِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ جَيِّدٍ «عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا. وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْت»

(قَوْلُهُ: الْيَدَيْنِ) أَيْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ ط

(قَوْلُهُ: بِالتَّشْبِيكِ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ بِصِيغَةِ قِيلَ. وَكَيْفِيَّتُهُ كَمَا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: أَنْ يَجْعَلَ ظَهْرَ الْبَطْنِ لِئَلَّا يَكُونَ أَشْبَهَ بِاللَّعِبِ

(قَوْلُهُ: وَالرِّجْلَيْنِ إلَخْ) ذَكَرَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ،

٧٣٢

وَقَالَ بِذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ، وَكَذَا ذَكَرَهَا الْقُدُورِيُّ مَرْوِيَّةً مَعَ تَقْيِيدِ التَّخْلِيلِ بِكَوْنِهِ مِنْ أَسْفَلَ.

وَتَعَقَّبَ فِي الْفَتْحِ وُرُودَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ،

٧٣٣

وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ. قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ فِي الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَكِنَّ الَّذِي فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ «الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ.»

٧٣٤

وَأَمَّا كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَكَوْنُهُ مِنْ أَسْفَلَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَيُشْكِلُ كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ الْيَدِ الْيُسْرَى أَنَّهُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي فِعْلِهَا الْيَمِينُ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهِ بِالْخِنْصَرِ كَوْنُهَا أَدُقَّ الْأَصَابِعِ فَهِيَ بِالتَّخْلِيلِ أَنْسَبُ،

٧٣٥

وَفِي كَوْنِهِ مِنْ أَسْفَلَ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إيصَالِ الْمَاءِ اهـ ثُمَّ نُقِلَ نَدْبُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ.

٧٣٦

قُلْت: وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِهِ وَيُشْكِلُ إلَى إلَخْ بِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ مَحَلُّ الْوَسَخِ وَالْقَذَرِ، وَلِذَا سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ مِنْ الْآدَابِ غَسْلَهُمَا بِالْيَسَارِ

(قَوْلُهُ: بَادِئًا) أَيْ وَخَاتَمًا بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ خِنْصَرَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى هِيَ يُمْنَى أَصَابِعُهَا وَإِبْهَامُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ: أَيْ وَالتَّيَامُنُ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَفَادَهُ فِي الْحِلْيَةِ.

٧٣٧

قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَوْلُهُ: مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقَ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقَ أَيْ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ أَوْ مِنْ بَاطِنِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي السِّرَاجِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ اهـ أَيْ فَيُدْخِلُ خِنْصَرَهُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَيُخَلِّلُ مِنْ أَسْفَلَ صَاعِدًا إلَى فَوْقَ لَا مِنْ جِهَةِ بَاطِنِهِ

(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ التَّخْلِيلِ سُنَّةً

(قَوْلُهُ: فَرْضٌ) أَيْ التَّخْلِيلُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَّا بِهِ فَافْهَمْ.

(قَوْلُهُ: وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) أَيْ جَعْلُهُ ثَلَاثًا، فَمَجْمُوعُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ،

٧٣٨

قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْحَقُّ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي السِّرَاجِ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ.

٧٣٩

قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى السُّنِّيَّةِ " بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَمَّا أَنْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعَفُ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَلَمَّا أَنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا قَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» فَجَعَلَ لِلثَّانِيَةِ جَزَاءً مُسْتَقِلًّا، وَهَذَا يُؤْذِنُ بِاسْتِقْلَالِهَا لَا أَنَّهَا جَزْءُ سُنَّةٍ حَتَّى لَا يُثَابَ عَلَيْهَا وَحْدَهَا. اهـ. وَقَيَّدَ بِالْغَسْلِ إذْ لَا يُطْلَبُ تَثْلِيثُ الْمَسْحِ كَمَا يَأْتِي

(قَوْلُهُ: الْمُسْتَوْعِبُ) فَلَوْ غَسَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَبَقِيَ مَوْضِعٌ يَابِسٌ، ثُمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَصَابَ الْمَاءُ بَعْضَهُ، ثُمَّ فِي الثَّالِثَةِ أَصَابَ الْجَمِيعَ لَا يَكُونُ غَسْلًا لِلْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا حِلْيَةٌ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ

(قَوْلُهُ: وَلَا عِبْرَةَ لِلْغَرَفَاتِ) أَيْ الْغَيْرِ الْمُسْتَوْعِبَةِ.

٧٤٠

قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالسُّنَّةُ تَكْرَارُ الْغَسْلَاتِ الْمُسْتَوْعِبَاتِ لَا الْغَرَفَاتِ. اهـ.

بَقِيَ إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ كَمَا قُلْنَا، هَلْ يُحْسَبُ الْكُلُّ غَسْلَةً وَاحِدَةً فَيُعِيدُ الْغَسْلَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ يُعِيدُ غَسْلَ مَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَقَطْ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْبَحْرِ الْأَوَّلُ، وَلْيُحَرَّرْ

٧٤١

(قَوْلُهُ: وَإِنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأُولَى فَفِي إثْمِهِ قَوْلَانِ، قِيلَ: يَأْثَمُ لِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ،

٧٤٢

وَقِيلَ: لَا لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ كَذَا فِي السِّرَاجِ وَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ وَإِلَّا لَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مَحْمَلُ الْقَوْلَيْنِ. اهـ.

أَقُولُ: لَكِنَّ فِي الْخُلَاصَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَالَ: إنْ اعْتَادَهُ كُرِهَ وَهَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ، نَعَمْ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ مِنْ حَمْلِ اللَّوْمِ وَالتَّضْلِيلِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى التَّرْكِ مَعَ الْإِصْرَارِ بِلَا عُذْرٍ وَقَدَّمْنَا أَيْضًا تَصْرِيحَ صَاحِبِ الْبَحْرِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّثْلِيثَ حَيْثُ كَانَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَأَصَرَّ عَلَى تَرْكِهِ يَأْثَمُ،

٧٤٣

وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُهُ سُنَّةً. وَأَمَّا حَمْلُهُمْ الْوَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ الثَّلَاثِ سُنَّةٌ كَمَا يَأْتِي فَذَلِكَ فِي التَّرْكِ وَلَوْ مَرَّةً بِدَلِيلِ مَا قُلْنَا. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِثْمِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ بِأَنَّهُ لَوْ أَثِمَ بِنَفْسِ التَّرْكِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى هَذَا الْحَمْلِ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْإِصْرَارِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدْهُ بِأَنْ فَعَلَهُ أَحْيَانًا أَوْ فَعَلَهُ لِعِزَّةِ الْمَاءِ أَوْ لِعُذْرِ الْبَرْدِ أَوْ لِحَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ خُلَاصَةٌ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ زَادَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ مِثْلُ النُّقْصَانِ فِي الْمَنْعِ عَنْهَا بِلَا عُذْرٍ

(قَوْلُهُ: لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ) لِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَرْكِ مَا يُرِيبُهُ إلَى مَا لَا يُرِيبُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِغَيْرِ الْمُوَسْوَسِ،

٧٤٤

أَمَّا هُوَ فَيَلْزَمُهُ قَطْعُ مَادَّةِ الْوَسْوَاسِ عَنْهُ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إلَى التَّشْكِيكِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُعَادَاتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ رَحْمَتِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ قُبَيْلَ فُرُوضِ الْغُسْلِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ أَعَادَهُ إلَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، أَوْ كَانَ الشَّكُّ عَادَةً لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهُ وَلَوْ قَبْلَ الْفَرَاغِ قَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ عَنْهُ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ

(قَوْلُهُ: أَوْ لِقَصْدِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَوَّلِ بَحْرٌ.

٧٤٥

وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ النَّاطِفِيِّ: لَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْوُضُوءِ؛

٧٤٦

أَمَّا إذَا فَرَغَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ فَلَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ

٧٤٧

وَمِثْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ.

وَعَارَضَ فِي الْبَحْرِ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ بِمَا فِي السِّرَاجِ مِنْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ: وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا مَرَّ فِيمَا إذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَا فِي السِّرَاجِ فِيمَا إذَا كَرَّرَهُ مِرَارًا، وَلَفْظُهُ فِي السِّرَاجِ: لَوْ تَكَرَّرَ الْوُضُوءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا لَمْ يُسْتَحَبَّ، بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فَتَدَبَّرْ اهـ.

٧٤٨

قُلْت: لَكِنْ يَرِدُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ إشْكَالٌ لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا فَإِذَا لَمْ يُؤَدَّ بِهِ عَمَلٌ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ كَالصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ تَكْرَارُهُ قُرْبَةً؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ فَيَكُونُ إسْرَافًا مَحْضًا، وَقَدْ قَالُوا فِي السَّجْدَةِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً: لَمْ يُشْرَعْ التَّقَرُّبُ بِهَا مُسْتَقِلَّةً وَكَانَتْ مَكْرُوهَةً، وَهَذَا أَوْلَى. اهـ.

أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ فِي هَدِيَّتِهِ.

٧٤٩

قَالَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ إذَا صَلَّى بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ صَلَاةً، كَذَا فِي الشِّرْعَةِ وَالْقُنْيَةِ. اهـ.

٧٥٠

وَكَذَا مَا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهْرِ الْوُضُوءُ الَّذِي صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا كَمَا بَيَّنَهُ فِعْلُ رَاوِي الْخَبَرِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ،

٧٥١

فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ شَيْئًا لَا يُسَنُّ لَهُ تَجْدِيدُهُ. اهـ. وَمُقْتَضَى هَذَا كَرَاهَتُهُ،

٧٥٢

وَإِنْ تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ مَا لَمْ يُؤَدِّ بِهِ صَلَاةً أَوْ نَحْوَهَا لَكِنْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابْلُسِيُّ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّتُهُ وَلَوْ بِلَا فَصْلٍ بِصَلَاةٍ أَوْ مَجْلِسٍ آخَرَ، وَلَا إسْرَافَ فِيمَا هُوَ مَشْرُوعٌ،

٧٥٣

أَمَّا لَوْ كَرَّرَهُ ثَالِثًا أَوْ رَابِعًا فَيُشْتَرَطُ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ الْفَصْلُ بِمَا ذُكِرَ، وَإِلَّا كَانَ إسْرَافًا مَحْضًا اهـ فَتَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ كَلِمَةُ لَا بَأْسَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْدُوبِ

(قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَقَدْ أُمِرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ مِعْرَاجٌ،

٧٥٤

وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ، فَكَلِمَةُ لَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى، لَكِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْدُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ مِنْ الْجَنَائِزِ وَالْجِهَادِ، فَافْهَمْ.

(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ فَقَدْ تَعَدَّى إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ،

٧٥٥

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي عِبَارَةِ النَّهْرِ: قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا» عَلَى أَقْوَالٍ؟ فَقِيلَ: عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ، وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ تَكُونُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ،

٧٥٦

وَقِيلَ: عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ وَالنَّقْصِ عَنْهُ.

٧٥٧

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ دُونَ نَفْسِ الْفِعْلِ، حَتَّى لَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ؛

٧٥٨

وَفِي الْحَدِيثِ لَفٌّ وَنَشْرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّي يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وَالظُّلْمُ إلَى النُّقْصَانِ. اهـ.

أَقُولُ: وَصَرِيحُ مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَعَ اعْتِقَادِ سُنِّيَّةِ الثَّلَاثِ، وَلِذَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا أَنَّ تَرْكَ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ مَنْدُوبٌ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَرَى السُّنَّةَ فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِمَرَّةٍ وَاعْتَادَهُ أَثِمَ

تعليق

وَلِمَا سَيَأْتِي بَعْدَ وَرَقَةٍ مِنْ أَنَّ الْإِسْرَافَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ؛ وَلِهَذَا

٧٥٩

فَرَّعَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِحَمْلِ الْوَعِيدِ عَلَى اعْتِقَادِ سُنِّيَّةِ الزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ بِقَوْلِهِ:"

٧٦٠

فَلَوْ زَادَ " لِقَصْدِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ، أَوْ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ، أَوْ نَقَصَ لِحَاجَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ،

٧٦١

فَإِنَّ مُفَادَ هَذَا التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ بِلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ يُكْرَهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ سُنِّيَّةَ الثَّلَاثِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحِلْيَةِ فَقَالَ: وَهَلْ لَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِمَا ذُكِرَ يُكْرَهُ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ لَكِنْ لَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالزِّيَادَةِ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ، إنَّمَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَوَّلِ وَصَلَّى بِهِ أَوْ تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ عَلَى مَا مَرَّ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى كُلٍّ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لَا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ سُنَّةً،

٧٦٢

وَإِنْ اعْتَادَهُ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ يُكْرَهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ سُنِّيَّةَ الثَّلَاثِ إلَّا إذَا كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ فَتَدَبَّرْهُ

(قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ لَا بَأْسَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ مِنْ أَنَّ تَكْرَارَهُ فِي مَجْلِسٍ مَكْرُوهٌ، وَحَمْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ بَعِيدٌ.

وَحَاصِلُ الْجَوَابِ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ، فَلَا تُنَافِي قَوْلَهُمْ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ غَالِبَ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى.

٧٦٣

أَقُولُ: وَفِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ، فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَنْدُوبِ لَا فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ مِنْ أَنَّ (الْمَكْرُوهَ تَكْرَارُهُ فِي مَجْلِسٍ إلَخْ) تَرَقٍّ فِي الْجَوَابِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْإِسْرَافَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِمَاءِ النَّهْرِ؛ وَلِذَا قَالَ: تَأَمَّلْ، وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. مَطْلَبٌ قَدْ يُطْلَقُ الْجَائِزُ عَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَقَدْ يُقَالُ: أَطْلَقَ الْجَائِزَ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْمَكْرُوهَ.

فَفِي الْحِلْيَةِ عَنْ أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْوَاجِبَ اهـ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا مُمْتَنِعٌ شَرْعًا مَنْعًا لَازِمًا. مَطْلَبٌ فِي تَصْرِيفِ قَوْلِهِمْ مَعْزِيًّا

(قَوْلُهُ: مَعْزِيًّا) يُقَالُ: عَزَوْته وَعَزَيْته لُغَةً إذَا نَسَبْته صِحَاحٌ، فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْيَائِيِّ اللَّامِ، أَصْلُهُ مَعْزُوِّي، فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ،

٧٦٤

وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ الْوَاوِ أَيْضًا،

٧٦٥

فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ مَعْزُوٌّ مِثْلُ مَغْزُوٌّ، لَكِنَّهُ قَدْ تُقْلَبُ الْوَاوَانِ فِيهِ يَاءَيْنِ، وَهُوَ فَصِيحٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّصْرِيفِ.

(قَوْلُهُ: مَرَّةً) لَوْ قَالَ بَدَلَهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي الْفَتْحِ. رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ إذَا مَسَحَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَانَ مَسْنُونًا اهـ وَعَلَيْهِ حَمَلَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ التَّثْلِيثِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى، فَكَيْفَ يُسَنُّ التَّكْرَارُ؟ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ فِي الْعُضْوِ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا

(قَوْلُهُ: مُسْتَوْعِبَةً) هَذَا سُنَّةٌ أَيْضًا، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّهُ إذَا دَاوَمَ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِيعَابِ بِلَا عُذْرٍ يَأْثَمُ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ لِظُهُورِ رَغْبَتِهِ عَنْ السُّنَّةِ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَتَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ.

٧٦٦

وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَمُدَّهُمَا إلَى الْقَفَا عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ. اهـ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي الْمُسَبِّحَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ لِيَمْسَحَ بِهِمَا الْأُذُنَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ لِيَمْسَحَ بِهِمَا جَانِبَيْ الرَّأْسِ خَشْيَةَ الِاسْتِعْمَالِ، فَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ.

٧٦٧

[تَنْبِيهٌ] لَوْ مَسَحَ ثَلَاثًا بِمِيَاهِ، قِيلَ: يُكْرَهُ،

٧٦٨

وَقِيلَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ.

٧٦٩

وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا يُكْرَهُ وَلَا يَكُونُ سُنَّةً وَلَا أَدَبًا،

٧٧٠

قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ الْأَوْلَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ. اهـ.

٧٧١

قُلْت: لَكِنْ اسْتَوْجَبَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرْت مَا يُؤَيِّدُهُ فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْبَحْرِ فَرَاجِعْهُ وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ عَدُّهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ.

(قَوْلُهُ: وَأُذُنَيْهِ) أَيْ بَاطِنَهُمَا بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ قُهُسْتَانِيٌّ

(قَوْلُهُ: مَعًا) أَيْ فَلَا تَيَامُنَ فِيهِمَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِمَائِهِ) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ أَخَذَ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءً جَدِيدًا فَهُوَ حَسَنٌ، وَذَكَرَهُ مُلَّا مِسْكِينٌ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.

٧٧٢

قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ مَاءً جَدِيدًا وَمَسَحَ بِالْبِلَّةِ الْبَاقِيَةِ هَلْ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ؟ فَعِنْدَنَا نَعَمْ، وَعِنْدَهُ لَا.

٧٧٣

أَمَّا لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا مَعَ بَقَاءِ الْبِلَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ اتِّفَاقًا اهـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ.

أَقُولُ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ؛ لِيَكُونَ آتِيًا بِالسُّنَّةِ اتِّفَاقًا، وَهُوَ مُفَادُ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِلَوْ الْوَصْلِيَّةِ تَبَعًا لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ وَصَاحِبِ الْبُرْهَانِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، لَكِنَّ تَقْيِيدَ سَائِرِ الْمُتُونِ بِقَوْلِهِمْ بِمَائِهِ يُفِيدُ خِلَافَ ذَلِكَ،

٧٧٤

وَكَذَا تَقْرِيرُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَاسْتِدْلَالُهُمْ «بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ أَخَذَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ» وَبِقَوْلِهِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»

٧٧٥

وَكَذَا جَوَابُهُمْ عَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا بِأَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لِفِنَاءِ الْبِلَّةِ قَبْلَ الِاسْتِيعَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ،

٧٧٦

وَلَوْ كَانَ أَخْذُ الْمَاءِ الْجَدِيدِ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ.

٧٧٧

وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْخَبَّازِيَّةِ: وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْمَاءِ فِي كُلِّ بَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِ الرَّأْسِ، فَلَا يُسَنُّ فِي الْأُذُنَيْنِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَابِعٌ اهـ وَفِي الْحِلْيَةِ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَكُونَ بِمَاءِ الرَّأْسِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ اهـ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة:

٧٧٨

وَمِنْ السُّنَّةِ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ، وَلَا يَأْخُذُ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا. اهـ.

٧٧٩

وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْبَدَائِعِ: وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ،

٧٨٠

قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَيْ لَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ،

٧٨١

وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ: وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ سُنَّةٌ، وَلَا يَتِمُّ بِدُونِهِمَا حَيْثُ جُعِلَتَا مِنْ الرَّأْسِ أَيْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ.

٧٨٢

وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ: وَلَوْ أُفْرِدَا بِالْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَصَارَا أَصْلَيْنِ، وَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا أَصْحَابُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ الْمَوْضُوعَةِ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ رَأَيْت الْمُصَنِّفَ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى زَادِ الْفَقِيرِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ عِبَارَةَ الْخُلَاصَةِ السَّابِقَةِ مَا نَصُّهُ؛

٧٨٣

قُلْت: قَوْلُهُ: وَلَوْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ يَكُونُ خِلَافَ السُّنَّةِ، وَخِلَافُ السُّنَّةِ كَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ

(قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا انْعَدَمَتْ الْبِلَّةُ بِمَسِّ الْعِمَامَةِ.

٧٨٤

قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِذَا انْعَدَمَتْ الْبِلَّةُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْأَخْذِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا بُدَّ مِنْ الْأَخْذِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بِمَسِّ الْعِمَامَةِ يَحْصُلُ الِانْفِصَالُ فَيُحْكَمُ عَلَى الْبِلَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا قَبْلَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ مَاءٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ الْبِلَّةُ بَاقِيَةً، تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: الْمَذْكُورُ فِي النَّصِّ) أَيْ التَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ: وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ النَّصَّ الْأُصُولِيَّ، بَلْ الْمُرَادُ الْمَذْكُورُ، إذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ فَلَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِيهَا

(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ) أَيْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا إلَى الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الِافْتِرَاضِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمُدَّعِيه مُطَالَبٌ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ عُلِمَ التَّرْتِيبُ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقُلْنَا بِسُنِّيَّتِهِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ

(قَوْلُهُ: وَالْوِلَاءُ) اسْمُ مَصْدَرٍ وَالْمَصْدَرُ الْمُوَالَاةُ. قَالَ الْحَمَوِيُّ: لَا تَتَحَقَّقُ الْمُوَالَاةُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ اهـ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، إذْ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَتَّجِهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ الْمُوَالَاةُ مُعْتَبَرَةً فِي جَانِبِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَقَطْ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ

(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْوَاوِ) أَيْ مَعَ الْمُدِّ، وَهُوَ لُغَةً: التَّتَابُعُ.

٧٨٥

قَالَ ط: وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ صِفَةٌ تُوجِبُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ التَّعْصِيبُ لِمَنْ أَعْتَقَهُ مَثَلًا

(قَوْلُهُ: غَسْلُ الْمُتَأَخِّرِ إلَخْ) عَرَّفَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِغَسْلِ الْعُضْوِ الثَّانِي قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ. زَادَ الْحَدَّادِيُّ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَالْبَدَنِ وَعَدَمِ الْعُذْرِ. وَعَرَّفَهُ الْأَكْمَلُ فِي التَّقْرِيرِ بِالتَّتَابُعِ فِي الْأَفْعَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا جَفَافُ عُضْوٍ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ،

٧٨٦

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَفَّ الْعُضْوُ الْأَوَّلُ بَعْدَ غَسْلِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ وِلَاءٌ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ وِلَاءً،

٧٨٧

قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ الْأَوْلَى.

٧٨٨

وَفِي النَّهْرِ: الظَّاهِرُ لَا يَكُونُ وِلَاءً، لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ تَجْفِيفَ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ فِيهِ تَرْكُ الْوِلَاءِ فَيُحْمَلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ اهـ أَيْ فَيُرَادُ بِالثَّانِي جَمِيعُ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ لَا مَا يَلِيه فَقَطْ، وَلَا يَخْفَى يَعُدُّهُ؛ لِمَا فِي السِّرَاجِ. حَدُّهُ أَنْ لَا يَجِفَّ الْمَاءُ عَنْ الْعُضْوِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ مَا بَعْدَهُ.

٧٨٩

وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: هُوَ أَنْ يَغْسِلَ كُلَّ عُضْوٍ عَلَى أَثَرِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ يَجِفُّ السَّابِقُ.

وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ صَادِقٌ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ،

٧٩٠

وَأَنَّ حَمْلَ التَّعْرِيفِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ أَقْرَبُ مِنْ عَكْسِهِ، بِأَنْ يُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا جَفَافُ عُضْوٍ: أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِفَّ عُضْوٌ قَبْلَ غَسْلِ مَا بَعْدَهُ،

٧٩١

وَكَذَا قَالَ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ: هُوَ غَسْلُ عُضْوٍ قَبْلَ جَفَافِ مُتَقَدِّمِهِ اهـ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَبَعًا لِابْنِ كَمَالٍ أَوْ مَسْحُهُ، فَإِنَّهُ كَمَا يَشْمَلُ مَسْحَ الْخُفِّ يَشْمَلُ مَسْحَ الرَّأْسِ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْمُتَأَخِّرِ فِي كَلَامِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ حَقِيقَةً فَافْهَمْ، نَعَمْ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ تَعْرِيفِ الدُّرَرِ.

هَذَا وَقَدْ عَرَّفَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنْ وَجْهٍ،

٧٩٢

ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَمْكُثَ فِي أَثْنَائِهِ مِقْدَارَ مَا يَجِفُّ فِيهِ الْعُضْوُ. أَقُولُ: يُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا تَوْضِيحًا لِمَا مَرَّ، بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ جَفَافُ الْعُضْوِ حَقِيقَةً أَوْ مِقْدَارُهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَّجِهُ ذِكْرُ الْمَسْحِ،

٧٩٣

فَلَوْ مَكَثَ بَيْنَ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ أَوْ الرَّأْسِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ بِمِقْدَارِ مَا يَجِفُّ فِيهِ عُضْوٌ مَغْسُولٌ كَانَ تَارِكًا لِلْوِلَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ اعْتِبَارُهُمْ الْوِلَاءَ فِي التَّيَمُّمِ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا مَعَ أَنَّهُ لَا غَسْلَ فِيهِ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ

(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ فَنِيَ مَاؤُهُ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْعُذْرِ

(قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ عَلَى الصَّحِيحِ سِرَاجٌ

(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ) أَيْ إذَا فَرَّقَ بَيْنَ أَفْعَالِهِمَا لِعُذْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَمُفَادُهُ اعْتِبَارُ سُنِّيَّةِ الْمُوَالَاةِ فِيهِمَا

٧٩٤

(قَوْلُهُ: وَمِنْ السُّنَنِ) أَتَى بِمِنْ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ بَقِيَ غَيْرُهَا: فَفِي الْفَتْحِ: وَمِنْ السُّنَنِ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَالْبُدَاءَةُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَمِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمَوَاهِبِ بَدَلَ الْأَوَّلِ التَّيَامُنَ وَمَسْحَ الرَّقَبَةِ،

٧٩٥

ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ

(قَوْلُهُ: الدَّلْكُ) أَيْ بِإِمْرَارِ الْيَدِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ حِلْيَةٌ: وَعَدَّهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، نَعَمْ تَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي

(قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الْإِسْرَافِ) عَدَّهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ أَيْضًا، وَلَمْ يُتَابِعْ أَيْضًا بَلْ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ بِضَعْفِهِ،

٧٩٦

وَقَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ. اهـ. وَيَأْتِي تَمَامُهُ

(قَوْلُهُ: وَتَرْكُ لَطْمِ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ) جَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ كَالزَّيْلَعِيِّ بِكَرَاهَتِهِ.

٧٩٧

قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَيَكُونُ تَرْكُهُ سُنَّةً لَا أَدَبًا، لَكِنْ

٧٩٨

قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا

(قَوْلُهُ: وَغَسْلُ فَرْجِهَا الْخَارِجِ) أَقُولُ: فِي تَقْيِيدِهِ بِالْمَرْأَةِ نَظَرٌ، فَقَدْ عَدَّ فِي الْمُنْيَةِ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ.

٧٩٩

وَفِي النِّهَايَةِ إنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ. بَلْ أَقْوَاهَا لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَسَائِرُ السُّنَنِ لِإِزَالَةِ الْحُكْمِيَّةِ. وَجَعَلَ فِي الْبَدَائِعِ سُنَنَ الْوُضُوءِ عَلَى أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَكُونُ قَبْلَهُ، وَنَوْعٌ فِي ابْتِدَائِهِ، وَنَوْعٌ فِي أَثْنَائِهِ، وَعَدَّ مِنْ الْأَوَّلِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ،

٨٠٠

وَمِنْ الثَّانِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ.

مَطْلَبٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالنَّفَلِ وَالتَّطَوُّعِ

(قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى مَنْدُوبًا وَأَدَبًا) زَادَ غَيْرُهُ وَنَفْلًا وَتَطَوُّعًا، وَقَدْ جَرَى عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْأَدَبِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي عَلَى الدُّرَرِ؛ فَيُسَمَّى مُسْتَحَبًّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّارِعَ يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ، وَمَنْدُوبًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَّنَ ثَوَابَهُ وَفَضِيلَتَهُ؛ مِنْ نَدْبِ الْمَيِّتِ: وَهُوَ تَعْدِيدُ مَحَاسِنِهِ، وَنَفْلًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَيَزِيدُ بِهِ الثَّوَابُ، وَتَطَوُّعًا مِنْ حَيْثُ إنَّ فَاعِلَهُ يَفْعَلُهُ تَبَرُّعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ حَتْمًا اهـ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَلَى الْبُرْجَنْدِيِّ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّنَّةِ وَصَرَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ بِأَنَّهُ دُونَ سُنَنِ الزَّوَائِدِ.

٨٠١

قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَحُكْمُهُ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ. اهـ. مَطْلَبٌ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ هَلْ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَهَلْ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، فِي الْبَحْرِ لَا، وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ بِمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ الْجَنَائِزِ وَالشَّهَادَاتِ أَنَّ مَرْجِعَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ خِلَافُ الْأَوْلَى اهـ.

أَقُولُ: لَكِنْ أَشَارَ فِي التَّحْرِيرِ إلَى أَنَّهُ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ نَهْيٍ كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى

٨٠٢

بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا، نَعَمْ قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الِاصْطِلَاحِ، وَالْتِزَامُهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَالظَّاهِرُ تَسَاوِيهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ اللَّامِشِيُّ اهـ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْأَكْلِ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الصَّلَاةِ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ.

٨٠٣

وَقَالَ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ، إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ. اهـ.

أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إذْ لَا شُبْهَةَ أَنَّ النَّوَافِلَ مِنْ الطَّاعَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا فِعْلُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِلَا عَارِضٍ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ تَرْكَهَا مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ

(قَوْلُهُ: وَفَضِيلَةً) أَيْ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَفْضُلُ تَرْكَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى فَاضِلٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَاعِلُهُ ذَا فَضِيلَةٍ بِالثَّوَابِ ط

(قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَخْ) يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ يَفْعَلْهُ؛ فَالْأَوْلَى مَا فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ سُنَّةٌ، وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ مَا رَغَّبَ فِيهِ اهـ بَحْرٌ

(قَوْلُهُ: التَّيَامُنُ) أَيْ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ، لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ» الطُّهُورُ هُنَا بِضَمِّ الطَّاءِ وَالتَّرَجُّلُ: مَشْطُ الشَّعْرِ دُرُّ مُنْتَقِي. وَحَقَّقَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِثُبُوتِ الْمُوَاظَبَةِ.

٨٠٤

قَالَ فِي النَّهْرِ: لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَا الْعَادَةِ. سَلَّمْنَا أَنَّهَا هُنَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ، لَكِنَّ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ يُنَافِيهَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ أَيْ عَدَمَ اخْتِصَاصِهَا بِالْوُضُوءِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ: وَشَأْنِهِ كُلِّهِ يُنَافِي كَوْنَهُ سُنَّةً لَهُ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فَيَكُونُ مَنْدُوبًا فِيهِ كَمَا فِي التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ.

٨٠٥

قُلْت: يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى النِّيَّةِ وَالسِّوَاكِ بِلَا اخْتِصَاصٍ بِالْوُضُوءِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِهِ، تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسْحًا) أَيْ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَالْجَبِيرَةِ،

٨٠٦

وَأَمَّا الْخُفُّ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ التَّيَامُنَ فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ: أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ وَيَمُدُّهُمَا إلَى السَّاقِ،

٨٠٧

وَظَاهِرُهُ عَدَمُ التَّيَامُنِ تَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ: لَا الْأُذُنَيْنِ) أَيْ فَيَمْسَحُهُمَا مَعًا إنْ أَمْكَنَهُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا يَدٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عِلَّةٌ وَلَا يُمْكِنُهُ مَسْحُهُمَا مَعًا يَبْدَأُ بِالْأُذُنِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ.

(قَوْلُهُ: وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ،

٨٠٨

وَقِيلَ: إنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ

(قَوْلُهُ: بِظَهْرِ يَدَيْهِ) أَيْ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ بِلَتِّهِمَا بَحْرٌ، فَقَوْلُ الْمُنْيَةِ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِهَا الْكَبِيرِ، وَعَبَّرَ فِي الْمُنْيَةِ بِظَهْرِ الْأَصَابِعِ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ) إذْ لَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.