فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الدر المختارالحصكفي

(وَ) لَا (بِعَصِيرِ نَبَاتٍ) أَيْ مُعْتَصَرٍ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ (بِخِلَافِ مَا يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ) أَوْ الْفَوَاكِهِ (بِنَفْسِهِ) فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ،

١٢٧

وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ وَاعْتَمَدَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ: وَالِاعْتِصَارُ يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ كَمَاءِ الْكَرْمِ

١٢٨

وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ وَالْبِطِّيخِ بِلَا اسْتِخْرَاجٍ

١٢٩

وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ (وَ) لَا بِمَاءٍ (مَغْلُوبٍ بِ) شَيْءٍ (طَاهِرٍ) الْغَلَبَةُ

١٣٠

إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ أَوْ بِطِّيخٍ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ،

١٣١

وَإِمَّا بِغَلَبَةِ الْمُخَالَطِ، فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةٍ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ كَنَبِيذِ تَمْرٍ وَلَوْ مَائِعًا،

١٣٢

فَلَوْ مُبَايِنًا لِأَوْصَافِهِ فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا، أَوْ مُوَافِقًا كَلَبَنٍ فَبِأَحَدِهَا أَوْ مُمَاثِلًا كَمُسْتَعْمَلٍ فَبِالْأَجْزَاءِ،

١٣٣

فَإِنَّ الْمُطْلَقَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِالْكُلِّ وَإِلَّا لَا، وَهَذَا يَعُمُّ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِيَ، فَفِي الْفَسَاقِيِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مَا لَمْ يُعْلَمْ تَسَاوِي الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ الْمِنَحِ.

١٣٤

قُلْت: لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا.

رد المحتارابن عابدين، حاشية على الدر المختار

(قَوْلُهُ: أَيْ مُعْتَصَرٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَصِيرَ اسْمُ مَفْعُولٍ.

(قَوْلُهُ: مِنْ شَجَرٍ) يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ بِمَا لَهُ سَاقٌ أَوْ لَا، لِيَشْمَلَ الرِّيبَاسَ وَأَوْرَاقَ الْهِنْدَبَا وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ إسْمَاعِيلَ.

(قَوْلُهُ: أَوْ ثَمَرٍ) بِمُثَلَّثَةٍ نَهْرٌ كَالْعِنَبِ مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» .

(قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْمِ) أَخْرَجَ السُّيُوطِيّ «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْمُسَمَّى بِهَا وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ، وَهَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِ شَجَرِ الْعِنَبِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ، أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِهَا مَعَ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ وَصْفٌ بِالْكَرْمِ وَالْخَيْرِ لِأَصْلِ هَذَا الشَّرَابِ الْخَبِيثِ الْمُحَرَّمِ وَذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى مَدْحِ الْمُحَرَّمِ، وَتَهْيِيجُ النُّفُوسِ إلَيْهِ مُحْتَمَلٌ.

اهـ. مُنَاوِيٌّ وَجَزَمَ فِي الْقَامُوسِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ،

١٬٣٣١

وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِالثَّانِي.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ) وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ، وَصَدَرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْجَوَازَ بِقِيلَ.

١٬٣٣٢

وَفِي الْحِلْيَةِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ لِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ.

١٬٣٣٣

وَقَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ: وَمَنْ رَاجَعَ كُتُبَ الْمَذْهَبِ وَجَدَ أَكْثَرَهَا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَمَا فِي هَذَا الْمَتْنِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالِاعْتِصَارُ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْخُرُوجُ ط.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَاءُ الدَّابُوغَةِ إلَخْ) أَيْ كَمَاءِ الْكَرْمِ فِي الْخِلَافِ وَفِي أَنَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُ جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِهَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا عِنْدِي مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ لَفْظَ الدَّابُوغَةِ فَلْيُرَاجَعْ ح. وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّ الْبِطِّيخَ الْأَخْضَرَ يُقَالُ لَهُ الْحَبْحَبُ وَالدَّابُوغَةُ وَالدَّابُوقَةُ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْبِطِّيخِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى الْأَصْفَرِ الْمُسَمَّى بِالْخِرْبِزِ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ) أَيْ فِي أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ أَيْضًا، وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ قِسْمِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي زَالَ اسْمُهُ كَمَا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا

(قَوْلُهُ: وَلَا بِمَاءٍ مَغْلُوبٍ) التَّقْيِيدُ بِالْمَغْلُوبِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُمْنَعُ التَّسَاوِي فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا يَأْتِي.

(قَوْلُهُ: الْغَلَبَةُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى عَدَمِهِ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ وَبَيَانُ الْغَلَبَةِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِبَارَاتُ فُقَهَائِنَا. وَقَدْ اقْتَحَمَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهَا بِضَابِطٍ مُفِيدٍ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ الْهُمَامِ وَابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَلْطَفِ إشَارَةٍ.

(قَوْلُهُ: بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنْهُ وَهَذَا يَشْمَلُ مَا خَرَجَ بِعِلَاجٍ أَوْ لَا كَمَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ: بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ) كَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا أَيْ الْفُولِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقَيَّدًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ فِيهِ رِقَّةُ الْمَاءِ أَوْ لَا فِي الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا طَبَخَ فِيهِ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي النَّظَافَةِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.

(قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِغَلَبَةِ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ.

(قَوْلُهُ: فَبِثَخَانَةِ) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِثَخَانَةِ الْمَاءِ: أَيْ بِانْتِفَاءِ رِقَّتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ زَيْلَعِيٌّ وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذَا الْقِسْمَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ وَهَذَا قَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ كَلَامُ الْهِدَايَةِ السَّابِقُ.

(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ) أَيْ فَإِذَا زَالَ الِاسْمُ لَا يُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِهِ الثَّخَانَةُ بَلْ يَضُرُّ وَإِنْ بَقِيَ عَلَى رِقَّتِهِ وَسَيَلَانِهِ وَهَذَا زَادَهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. أَقُولُ: لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: كَنَبِيذِ تَمْرٍ) وَمِثْلُهُ الزَّعْفَرَانُ إذَا خَالَطَ الْمَاءَ وَصَارَ بِحَيْثُ يُصْبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الثَّخَانَةِ،

١٬٣٣٤

وَكَذَا إذَا طُرِحَ فِيهِ زَاجٌ أَوْ عَفْصٌ وَصَارَ يُنْقَشُ بِهِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَائِعًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ

١٬٣٣٥

فَلَوْ جَامِدًا. ثُمَّ الْمَائِعُ إمَّا مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ: أَعْنِي الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ وَالرِّيحَ كَالْخَلِّ، أَوْ مُوَافِقٌ فِي بَعْضٍ مُبَايِنٌ فِي بَعْضٍ، أَوْ مُمَاثِلٌ فِي الْجَمِيعِ وَذَكَرَ تَفْصِيلَهُ وَأَحْكَامَهُ.

(قَوْلُهُ: فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا) أَيْ فَالْغَلَبَةُ بِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا وَهُوَ وَصْفَانِ، فَلَا يَضُرُّ ظُهُورُ وَصْفٍ وَاحِدٍ فِي الْمَاءِ مِنْ أَوْصَافِ الْخَلِّ مَثَلًا.

(قَوْلُهُ: كَلَبَنٍ) فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَاءِ فِي عَدَمِ الرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَكَمَاءِ الْبِطِّيخِ أَيْ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي عَدَمِ اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ مُبَايِنٌ لَهُ فِي الطَّعْمِ. هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْبَحْرِ أَنَّ الْمُشَاهَدَ فِي اللَّبَنِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ.

(قَوْلُهُ: فَبِأَحَدِهَا) أَيْ فَغَلَبَتُهُ بِتَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ كَالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فِي اللَّبَنِ وَكَالطَّعْمِ فَقَطْ فِي الْبِطِّيخِ فَافْهَمْ.

(قَوْلُهُ: كَمُسْتَعْمَلٍ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ وَكَالْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّقْطِيرِ مِنْ لِسَانِ الثَّوْرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ بَحْرٌ.

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ، بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيًا لَا يَجُوزُ.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِجْزَاءِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ يَعُمُّ الْمُلْقَى بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا مِنْ خَارِجٍ ثُمَّ أُخِذَ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَخُلِطَ بِهِ وَالْمُلَاقِي أَيْ وَاَلَّذِي لَاقَى الْعُضْوَ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْقَلِيلِ بِأَنْ انْغَمَسَ فِيهِ مُحْدِثٌ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ. مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ.

(قَوْلُهُ: فَفِي الْفَسَاقِيِ) أَيْ الْحِيَاضِ الصِّغَارِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ جَرَيَانِهَا، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ،

١٬٣٣٦

وَمِنْ جُمْلَةِ الْفَسَاقِيِ مَغْطِسُ الْحَمَّامِ وَبِرَكُ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ فِيهَا الِاغْتِسَالُ وَالْوُضُوءُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْمُتَطَهِّرِينَ سَاوَى الْمُطْلَقَ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ إلَخْ) حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِمْ الْمُفِيدِ لِلْعُمُومِ كَمَا مَرَّ، وَبِقَوْلِ الْبَدَائِعِ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهَّرِ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ غَالِبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ لَا مَغْلُوبًا، وَهَا هُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْحِلْيَةِ لِابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ.

١٬٣٣٧

وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ قَارِئِ الْهِدَايَةِ الَّتِي جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ سُئِلَ عَنْ فَسْقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ يَتَوَضَّأُ فِيهَا النَّاسُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهَا مَاءٌ جَدِيدٌ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا؟ أَجَابَ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ اهـ يَعْنِي

١٬٣٣٨

وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَتْ لِصِغَرِهَا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ لَا تَدُلُّ لَهُ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمُلْقَى، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ فَلِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

(قَوْلُهُ: فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي حَيْثُ قَالَ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِي جَسَدَهُ دُونَ بَاقِي الْمَاءِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَهْلَكًا فِي كَثِيرٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِسَرَيَانِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَمِيعِ حُكْمًا، وَلَيْسَ كَالْغَالِبِ يُصَبُّ يَصُبُّ الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ اهـ

١٬٣٣٩

وَحَاصِلُهُ الرَّدُّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا انْغَمَسَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ صَارَ مُسْتَعْمِلًا لِجَمِيعِ الْمَاءِ حُكْمًا وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً هُوَ الْمُلَاقِي لِلْعُضْوِ فَقَطْ

١٬٣٤٠

بِخِلَافِ مَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهِ الْمُسْتَعْمَلُ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى يَدَّعِيَ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هُوَ ذَلِكَ الْمُلْقَى فَقَطْ. وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّ الْمُلْقَى لَا يَصِيرُ بِهِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِالْغَلَبَةِ،

١٬٣٤١

بِخِلَافِ الْمُلَاقِي فَإِنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كُلَّهُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْعُضْوِ لَهُ.

وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ وَالِاخْتِلَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ، بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلْقَاءُ الْغُسَالَةِ مِنْ الْخَارِجِ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اهـ وَبِذَلِكَ أَمَرَ الشَّارِحُ بِالتَّأَمُّلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَحَيَّرَتْ فِيهَا أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ وَوَقَعَ فِيهَا بَيْنَهُمْ النِّزَاعُ وَشَاعَ وَذَاعَ، وَأَلَّفَ فِيهَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ رِسَالَةً سَمَّاهَا رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمِيَاهِ حَقَّقَ فِيهَا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْقَى وَالْمُلَاقِي: أَيْ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِي الْمُلَاقِي كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُلْقَى، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ.

تَعَقَّبَهُ غَيْرُهُمْ مِنْهُمْ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِرِسَالَةٍ سَمَّاهَا زَهْرُ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَقَالَ: لَا تَغَيُّرَ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَبِمَا فِي الْأَسْرَارِ لِلْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ.

ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا اهـ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ الْفَرْقُ السَّابِقُ وَبِهِ أَفْتَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ، وَانْتَصَرَ فِي الْبَحْرِ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَأَلَّفَ رِسَالَةً سَمَّاهَا الْخَيْرُ الْبَاقِي فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِيِ وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ وَلَوْ قَلِيلَةً تُفْسِدُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ، وَأَقَرَّهُ الْعَلَّامَةُ الْبَاقَانِيُّ وَالشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ وَوَلَدُهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ

١٬٣٤٢

وَكَذَا فِي النَّهْرِ وَالْمِنَحِ، وَعَلِمْت أَيْضًا مُوَافَقَتَهُ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرٍ الْحَاجِّ وَقَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ فِي الْخَزَائِنِ مَالَ إلَى تَرْجِيحِهِ وَقَالَ إنَّهُ الَّذِي حَرَّرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ عِبَارَاتِهَا الْمُضْطَرِبَةَ ظَاهِرًا، وَعَلَى مَا أَلَّفَ فِي هَذَا الْخُصُوصِ مِنْ الرَّسَائِلِ وَأَقَامَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الصَّادِقَةِ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ، وَقَدْ حُرِّرَتْ فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ حَافِلَةٌ كَافِلَةٌ بِذَلِكَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَحْقِيقِ مَا هُنَاكَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ شَيْخَنَا الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ الْغَزِّيِّ مُحَشِّي الْأَشْبَاهِ مَالَ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا.

١٬٣٤٣

قُلْت: وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ عَنْ حِيَاضِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي بِلَادِنَا وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَخْفَى، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يُبْتَلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ بَلْ يَغْتَرِفُ مِنْهُ وَيَغْسِلُ خَارِجَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ الْغُسَالَةُ فِيهِ لِيَكُونَ مِنْ الْمُلْقَى لَا مِنْ الْمُلَاقِي الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ،

١٬٣٤٤

فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ فِيهِ لِلْمَقَالِ مَجَالٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ) أَيْ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فِي نَحْوِ الْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ أَوْلَى هُنَا مِنْ إرَادَةِ الْحِلِّ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ إرَادَةَ الْأَوَّلِ فِي الْعُقُودِ وَالثَّانِي فِي الْأَفْعَالِ فَافْهَمْ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.