وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ وَيُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ وَزُنَّارٍ - الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا فِي الْمِصْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ فَلَوْ اشْتَرَى يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ
الشروح عليها
(وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجَ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ الزُّنَّارُ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَهَلْ يَلْزَمُ تَمْيِيزُهُمْ بِكُلِّ الْعَلَامَاتِ خِلَافٌ أَشْبَاهٌ.
وَالصَّحِيحُ إنْ فَتَحَهَا عَنْوَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَعَلَى الشَّرْطِ تَتَارْخَانِيَّةٌ (وَيُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ) وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ عَلَى الصَّوَابِ نَهْرٌ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْأَشْبَاهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ (وَ) مِنْ (زُنَّارٍ - الْإِبْرَيْسَمِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ) كَصُوفٍ مُرَبَّعٍ وَجُوخٍ رَفِيعٍ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ وَمِنْ اسْتِكْتَابٍ وَمُبَاشَرَةٍ يَكُونُ بِهَا مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْحَاوِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصِّغَارَ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنْ الْقُعُودِ حَالَ قِيَامِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُ بَحْرٌ.
وَيَحْرُمُ تَعْظِيمُهُ، وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ، وَلَا يُبْدَأُ بِسَلَامٍ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا يُزَادُ فِي الْجَوَابِ عَلَيَّ وَعَلَيْك وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ وَيُجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةٌ وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الذِّمِّيِّ.
وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ: وَيُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وَلَوْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ وَلَا يُطِيلُ.
وَأَمَّا دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ الْمَنْعَ،
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَدَمَهُ وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ آخِرُ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ انْتَهَى.
وَفِي الْخَانِيَّةِ تُمَيَّزُ نِسَاؤُهُمْ لَا عَبِيدُهُمْ بِالْكُسْتِيجِ.
[مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَلْبَسِ] (الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا (فِي الْمِصْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ فَلَوْ اشْتَرَى يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ)
وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ إلَّا إذَا كَثُرَ دُرَرٌ.
قُلْت: وَفِي مَعْرُوضَاتِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ لَمْ يَبْقَ فِي أَطْرَافِهِ بَيْتُ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَحَاطَ بِهِ الْكَفَرَةُ فَكَانَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ فَقَطْ لِأَجْلِ وَظِيفَتِهِمَا يَذْهَبَانِ إلَيْهِ فَيُؤَذِّنَانِ وَيُصَلِّيَانِ بِهِ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُمْ الْوَظِيفَةُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ الْبُيُوتُ تَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِيمَتِهَا جَبْرًا عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِذَلِكَ فَالْحَاكِمُ لَا يُؤَخِّرُ هَذَا أَصْلًا، وَفِيهَا مِنْ الْجِهَادِ، وَبَعْدَ أَنْ وَرَدَ الْأَمْرُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِعَدَمِ اسْتِخْدَامِ الذِّمِّيِّينَ لِلْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي لَوْ اسْتَخْدَمَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً مَاذَا يَلْزَمُهُ؟
فَأَجَابَ: يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ الشَّدِيدُ وَالْحَبْسُ فَفِي الْخَانِيَّةِ: وَيُؤْمَرُونَ بِمَا كَانَ اسْتِخْفَافًا لَهُمْ
وَكَذَا تُمَيَّزُ دُورِهِمْ عَنْ دُورِنَا انْتَهَى فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ [مَطْلَبٌ فِي سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ]
(قَوْلُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ) أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ لِأَنَّهُ عِزٌّ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ.
قُلْت: وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ تُعْرَفُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ دُرٌّ مُنْتَقًى
(قَوْلُهُ وَيُظْهِرُ الْكُسْتِيجُ) بِضَمِّ الْكَافِ وَبِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْعَجْزُ وَالذُّلُّ كَمَا فِي النَّهْرِ، فَيَشْمَلُ الْقَلَنْسُوَةَ وَالزُّنَّارَ وَالنَّعْلَ لِوُجُودِ الذُّلِّ فِيهَا، وَلِقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ وَكُسْتِيجَاتُ النَّصَارَى قَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ اللُّبَدِ مُضَرَّبَةٌ وَزُنَّارٌ مِنْ الصُّوفِ اهـ فَتَعْبِيرُهُ بِخُصُوصِ الزُّنَّارِ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ. اهـ. ح
(قَوْلُهُ الزُّنَّارُ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ وَجَمْعُهُ زَنَانِيرُ مِصْبَاحٌ،
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُغْرِبِ أَنَّهُ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ. قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُ حَلْقَةً تَشُدُّهُ كَمَا يَشُدُّ الْمُسْلِمُ الْمِنْطَقَةَ بَلْ يُعَلِّقُهُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ زَرْقَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْعَلَامَةَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مُتَعَارَفُهَا،
وَفِي بِلَادِنَا جُعِلَتْ الْعَلَامَةُ فِي الْعِمَامَةِ فَأُلْزِمَ النَّصَارَى بِالْأَزْرَقِ وَالْيَهُودُ بِالْأَصْفَرِ، وَاخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْأَبْيَضِ
قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَأَمَّا لُبْسُ الْعِمَامَةِ وَالزُّنَّارِ الْإِبْرَيْسَمِ فَجَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُكْسِرَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِمَنْعِ التَّمْيِيزِ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ صَرَّحَ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَلَانِسِ الصِّغَارِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً مِنْ كِرْبَاسٍ مَصْبُوغَةٍ بِالسَّوَادِ مُضَرَّبَةً مُبَطَّنَةً، وَهَذَا فِي الْعَلَامَةِ أَوْلَى وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَمَنْعُهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ هُوَ الصَّوَابُ الْوَاضِحُ بِالتِّبْيَانِ فَأَيَّدَ اللَّهُ سُلْطَانَ زَمَانِنَا، وَلِسَعَادَتِهِ أَبَّدَ وَلِمُلْكِهِ شَيَّدَ وَلِأَمْرِهِ سَدَّدَ إذْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِهَا اهـ.
قُلْت: وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ مِنْ إلْزَامِهِمْ لُبْسَ الْقَلَانِسِ الطَّوِيلَةِ الْمُضَرَّبَةِ،
وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْفَتْحِ وَكَذَا تُؤْخَذُ نِسَاؤُهُمْ بِالزِّيِّ فِي الطُّرُقِ فَيَجْعَلُ عَلَى مَلَاءَةِ الْيَهُودِيَّةِ خِرْقَةً صَفْرَاءَ وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ زَرْقَاءَ
وَكَذَا فِي الْحَمَّامَاتِ. اهـ.
أَيْ فَيَجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِنَّ طَوْقَ الْحَدِيدِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ
قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى قُلْت: وَسَيَجِيءُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ فِي النَّظَرِ إلَى الْمُسْلِمَةِ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَنْظُرُ أَصْلًا إلَى الْمُسْلِمَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ اهـ وَمُفَادُهُ مَنْعُهُنَّ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ فِيهِ مُسْلِمَةٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً سَوْدَاءَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِمَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِلْقَلَنْسُوَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْعِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ طَوِيلَةٍ وَإِلْزَامُهُمْ بِالْقَلَنْسُوَةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا عَلِمْته فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ وَالْقَلَنْسُوَةُ هِيَ الَّتِي يُدْخِلُ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْعِمَامَةُ مَا يُدَارُ عَلَيْهَا مِنْ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ
(قَوْلُهُ الْإِبْرَيْسَمِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَرِيرُ
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْحَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْحَرِيرِ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمِ
(قَوْلُهُ كَصُفُوفٍ مُرَبَّعٍ) لِعِلَّةِ الْفَرْجِيَّةِ فَإِنَّهُ الْآنَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ط
(قَوْلُهُ وَأَبْرَادٍ رَقِيقَةٍ) الْبُرْدُ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مُخَطَّطٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ) حَيْثُ قَالَ: بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ، فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرُ ثُمَّ قَالَ: وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ وَلَا يَلْبَسُوا طَيَالِسَةً كَطَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرِدْيَةً كَأَرْدِيَتِهِمْ هَكَذَا أُمِرُوا وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
وَقَالَ أَيْضًا وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ خِلَافِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ. اهـ.
قُلْت: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ اسْتَأْسَدَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
أَحْبَابَنَا نُوَبُ الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ ... وَأَمَرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ فَمَتَى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِنْ سَكَرَاتِهِ ... وَأَرَى الْيَهُودَ بِذِلَّةِ الْفُقَهَاءِ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَازِمَ الصَّغَارَ) أَيْ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَجِبُ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إظْهَارُ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَدَمُ تَعْظِيمِهِمْ لَكِنْ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا دَخَلَ يَهُودِيٌّ الْحَمَّامَ إنْ خَدَمَهُ الْمُسْلِمُ طَمَعًا فِي فُلُوسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ،
وَإِنْ تَعْظِيمًا لَهُ فَإِنْ كَانَ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كُرِهَ
وَكَذَا لَوْ دَخَلَ ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَامَ لَهُ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ عَظَّمَهُ لِغِنَاهُ كُرِهَ اهـ
قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَإِنْ قَامَ تَعْظِيمًا لِذَاتِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَفَرَ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَكَيْفَ بِتَعْظِيمِ الْكُفْرِ. اهـ.
قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَامَ لَهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِ فَلَا بَأْسَ أَيْضًا بَلْ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ، فَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ عَلَى حَسَبِ حَالِ مَا يَتَوَقَّعُهُ
(قَوْلُهُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ) بِأَنْ يُلْجِئَهُ إلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ، وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ فِي الطَّرِيقِ.
(قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ عَلَى دَارِهِ عَلَامَةً) لِئَلَّا يَقِفَ سَائِلٌ فَيَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ يُعَامِلَهُ فِي التَّضَرُّعِ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ) أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بَلْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمْنَا تَحْدِيدَهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ قَالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا أَخْرَجَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ وَبَسَطَهُ فِي الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَلَا يُطِيلُ) فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلَا جِزْيَةٍ وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ، بَلْ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ فَكَذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ شَرْحُ السِّيَرِ
وَظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الطُّولِ سَنَةٌ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ) أَيْ فَيَكُونُ الْمَنْعُ هُوَ الْمُتَعَمَّدُ فِي الْمَذْهَبِ.
قُلْت: لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ هُنَاكَ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ دُونَ الْإِمَامِ،
وَأَنَّ أَصْحَابَ الْمُتُونِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتُونَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ، فَلَا يَعْدِلُ عَمَّا فِيهَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيُّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ جَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ قَالَ فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَنْعِهِ الْمُشْرِكَ، مِنْ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا مِنْ الْمَسَاجِدِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً لِلْآيَةِ - {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}-
فَأَمَّا عِنْدَنَا لَا يُمْنَعُونَ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِيطَانِ
ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ نِسَاءَهُمْ تُمَيَّزُ بِالْكُسْتِيجِ دُونَ الْعَبِيدِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ ذِكْرُ النِّسَاءِ أَصْلًا وَنَصُّهَا: وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَعِبَارَةُ النَّهْرِ قَالُوا
وَيَجِبُ أَنْ تُمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ أَيْضًا عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُؤْخَذُ عُبَيْدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُسْتِيجَاتِ. اهـ. . .
مَطْلَبٌ فِي سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ
(قَوْلُهُ الذِّمِّيُّ إذَا اشْتَرَى دَارًا إلَخْ) قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ فَإِنْ مَصَّرَ الْإِمَامُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ، فَاشْتَرَى بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ، لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ، فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّكَنِ مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يَقُولُ: هَذَا إذَا قَلُّوا وَكَانَ بِحَيْثُ لَا تَتَعَطَّلُ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَقَلَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ
فَأَمَّا إذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا أَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي. اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ أَرَادَ شِرَاءَهَا) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ بَعْدُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ ط
(قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ إلَّا إذَا كَثُرَ) نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الصُّغْرَى بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ، بِلَا تَقْيِيدٍ بِالْكَثْرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِقِيلَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ يَصْلُحُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ كَمَا عَلِمْته آنِفًا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ وَشَرْحِهَا،
وَكَذَا قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ إنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ، فَلَا نَقُولُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا وَلَا بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا بَلْ يَدُورُ الْحُكْمُ عَلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالضَّرَرِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فَتَأَمَّلْ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَأَجَابَ إلَخْ) هَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَلْوَانِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ ط: وَلَمْ يُجِبْ عَنْ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْوَظِيفَةَ لِقِيَامِهِمَا بِالْعَمَلِ. اهـ.
قُلْت: وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَهُوَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ}- الْآيَةَ
(قَوْلُهُ فَفِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) أَيْ وَالِاسْتِخْدَامُ الْمَذْكُورُ يُنَافِي الِاسْتِخْفَافَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.