شَرْطُ مَسْحِهِ كَوْنُهُ سَاتِرَ الْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبِ وَكَوْنُهُ مَشْغُولًا بِالرِّجْلِ وَكَوْنُهُ مِمَّا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ وَهُوَ جَائِزٌ بِسُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ لِمُحْدِثٍ لَا لِجُنُبٍ خُطُوطًا بِأَصَابِعِ مُفَرَّجَةٍ يَبْدَأُ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلِهِ إلَى السَّاقِ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ أَوْ جُرْمُوقَيْهِ أَوْ جَوْرَبَيْهِ الثَّخِينَيْنِ
الشروح عليها
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَخَّرَهُ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ. وَهُوَ لُغَةً إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ. وَشَرْعًا إصَابَةُ الْبِلَّةِ لِخُفٍّ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَالْخُفُّ شَرْعًا: السَّاتِرُ لِلْكَعْبَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ جِلْدٍ وَنَحْوِهِ. (شَرْطُ مَسْحِهِ) ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ (كَوْنُهُ سَاتِرَ) مَحَلِّ فَرْضِ الْغُسْلِ (الْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبِ) أَوْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرْقِ الْمَانِعِ، فَيَجُوزُ عَلَى الزُّرْبُولِ لَوْ مَشْدُودًا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَجَوَّزَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ سَتْرَ الْكَعْبَيْنِ بِاللِّفَافَةِ. (وَ) الثَّانِي (كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِالرِّجْلِ) لِيَمْنَعَ سِرَايَةَ الْحَدَثِ،
فَلَوْ وَاسِعًا فَمَسَحَ عَلَى الزَّائِدِ وَلَمْ يُقَدِّمْ قَدَمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَضُرُّ رُؤْيَةُ رِجْلِهِ مِنْ أَعْلَاهُ. (وَ) الثَّالِثُ (كَوْنُهُ مِمَّا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ) الْمُعْتَادِ (فِيهِ) فَرْسَخًا فَأَكْثَرَ فَلَمْ يَجُزْ عَلَى مُتَّخَذٍ مِنْ زُجَاجٍ وَخَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ (وَهُوَ جَائِزٌ) فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ إلَّا لِتُهْمَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ، بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مَا يَكْفِيهِ، أَوْ خَافَ فَوْتَ وَقْتٍ أَوْ وُقُوفِ عَرَفَةَ بَحْرٌ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ رُخْصَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْعَزِيمَةِ، وَلِهَذَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي خُفِّهِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ آثِمًا (بِسُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ) فَمُنْكِرُهُ مُبْتَدِعٌ، وَعَلَى رَأْيِ الثَّانِي كَافِرٌ.
وَفِي التُّحْفَةِ ثُبُوتُهُ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ بِالتَّوَاتُرِ رُوَاتُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ مِنْهُمْ الْعَشَرَةُ قُهُسْتَانِيٌّ.
وَقِيلَ بِالْكِتَابِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُغَيًّا بِالْكَعْبَيْنِ إجْمَاعًا فَالْجَرُّ بِالْجِوَارِ (لِمُحْدِثٍ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ جَوَازِهِ لِمُجَدِّدِ الْوُضُوءِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا حَصَلَ لَهُ الْقُرْبَةُ بِذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ مُحْدِثٌ (لَا لِجُنُبٍ) وَحَائِضٍ، وَالْمَنْفِيُّ لَا يَلْزَمُ تَصْوِيرُهُ، وَفِيهِ أَنَّ النَّفْيَ الشَّرْعِيَّ يَفْتَقِرُ إلَى إثْبَاتٍ عَقْلِيٍّ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ جَوَازُ مَسْحِ مُغْتَسِلِ جُمُعَةٍ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ فِي حُكْمِهِ فَالْأَحْسَنُ لِمُتَوَضِّئٍ لَا لِمُغْتَسِلٍ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخُطَّهُ (خُطُوطًا بِأَصَابِعِ) يَدٍ (مُفَرَّجَةٍ) قَلِيلًا (يَبْدَأُ مِنْ) قِبَلِ (أَصَابِعِ رِجْلِهِ) مُتَوَجِّهًا (إلَى) أَصْلِ (السَّاقِ) وَمَحَلُّهُ (عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ) مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ؛
وَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ طَاهِرٍ (أَوْ جُرْمُوقَيْهِ) وَلَوْ فَوْقَ خُفٍّ أَوْ لِفَافَةٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِي فَتَاوَى الشَّاذِيِّ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَا يُقَلَّدُ فِيمَا خَالَفَ النُّقُولَ (أَوْ جَوْرَبَيْهِ) وَلَوْ مِنْ غَزْلٍ أَوْ شَعْرٍ (الثَّخِينَيْنِ) بِحَيْثُ يَمْشِي فَرْسَخًا وَيَثْبُتُ عَلَى السَّاقِ وَلَا يُرَى مَا تَحْتَهُ وَلَا يَشِفُّ إلَّا أَنْ يَنْفُذَ إلَى الْخُفِّ قَدْرُ الْغَرَضِ.
وَلَوْ نَزَعَ مُوقَيْهِ أَعَادَ مَسْحَ خُفَّيْهِ.
وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا مَسَحَ الْخُفَّ وَالْمُوقَ الْبَاقِيَ.
وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَهُمَا وَمَسَحَ خُفَّيْهِ لَمْ يَجُزْ.
(قَوْلُهُ أَخَّرَهُ) أَيْ عَنْ التَّيَمُّمِ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي. وَالتَّيَمُّمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ كَمَا مَرَّ، وَبِالسُّنَّةِ أَيْضًا فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي التَّرَخُّصِ بِهِمَا. وَأَيْضًا التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ الْكُلِّ وَهَذَا عَنْ الْبَعْضِ.
ثُمَّ إنَّ إبْدَاءَ الشَّارِحِ نُكْتَةَ التَّأْخِيرِ لِلتَّذْكِيرِ وَإِلَّا فَيَكْفِي مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ وَجْهَ تَأْخِيرِ التَّيَمُّمِ عَمَّا قَبْلَهُ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ وَجْهُ تَأْخِيرِ الْمَسْحِ عَنْهُ فَتَدَبَّرْ، نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَى إبْدَاءِ وَجْهِ ذِكْرِهِ عَقِبَهُ بِلَا فَاصِلٍ، وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شُرِعَ رُخْصَةً وَمُوَقَّتًا وَمَسْحًا وَبَدَلًا
(قَوْلُهُ وَهُوَ لُغَةً) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْحِ فَقَطْ، وَبِاعْتِبَارِ تَسَلُّطِهِ عَلَى قَوْلِهِ وَشَرْعًا رَاجِعٌ إلَى الْمَسْحِ الْمُقَيَّدِ بِالْجَارِّ عَلَى طَرِيقَةِ شَبَهِ الِاسْتِخْدَامِ؛
فَإِنَّ الْمَسْحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُهُ مِنْ حَيْثُ الْقَيْدُ، أَفَادَهُ ح
(قَوْلُهُ إصَابَةُ الْبِلَّةِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ: أَيْ النَّدْوَةِ قَامُوسٌ، وَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَتْ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَطَرٍ.
وَفِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفَّيْهِ بَعْدَ الْغُسْلِ يَجُوزُ،
وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّيْهِ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ بَعْدَ الْمَسْحِ لَا يَجُوزُ. اهـ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْأُولَى مَا سَالَ عَلَى الْعُضْوِ وَانْفَصَلَ،
وَفِي الثَّانِيَةِ مَا أَصَابَ الْمَمْسُوحَ وَهُوَ بَاقٍ فِي الْكَفِّ
(قَوْلُهُ لِخُفٍّ مَخْصُوصٍ) اللَّامُ زَائِدَةٌ لِتَقْوِيَةِ الْعَامِلِ لِضَعْفِهِ بِكَوْنِهِ فَرْعًا عَنْ الْفِعْلِ فِي الْعَمَلِ، وَالْخُفُّ الْمَخْصُوصُ مَا فِيهِ الشُّرُوطُ الْآتِيَةُ
(قَوْلُهُ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لِلْمُسَافِرِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةٌ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا ط
(قَوْلُهُ فَأَكْثَرَ) أَيْ مِمَّا فَوْقَهُمَا مِنْ السَّاقِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مُسَمَّى الْخُفِّ الشَّرْعِيِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) أَيْ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْآتِيَةُ ط
(قَوْلُهُ شَرْطُ مَسْحِهِ) أَيْ مَسْحِ الْخُفِّ الْمَفْهُومِ مِنْ الْخُفَّيْنِ؛ وَأَلْ فِيهِ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ مَسْحِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا لِذِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ
(قَوْلُهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ إلَخْ) زَادَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ: لُبْسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَخُلُوُّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْخَرْقِ الْمَانِعِ، وَاسْتِمْسَاكَهُمَا عَلَى الرِّجْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ، وَمَنْعَهُمَا وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الرِّجْلِ،
وَأَنْ يَبْقَى مِنْ الْقَدَمِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ. اهـ.
قُلْت: وَيُزَادُ كَوْنُ الطَّهَارَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَ التَّيَمُّمِ، وَكَوْنُ الْمَاسِحِ غَيْرَ جُنُبٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهِ
(قَوْلُهُ الْقَدَمِ) بَدَلٌ مِنْ مَحَلٍّ ح
(قَوْلُهُ أَوْ يَكُونَ) مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُقَدَّرَةٍ وَالْمُنْسَبِكُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَوْنِ الْأَوَّلِ ط فَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا}
(قَوْلُهُ نُقْصَانُهُ) أَيْ نُقْصَانُ الْخُفِّ الْوَاحِدِ لَوْ كَانَ وَاحِدًا أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ قَالَ ط: فَلَا يُعْتَبَرُ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُمَا
(قَوْلُهُ الْخَرْقُ) بِالضَّمِّ: الْمَوْضِعُ الْمَقْطُوعُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ ح.
وَالْأَظْهَرُ إرَادَةُ الْأَوَّلِ ط
(قَوْلُهُ فَيَجُوزُ عَلَى الزُّرْبُولِ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: هُوَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّامِ مَا يُسَمَّى مَرْكُوبًا فِي عُرْفِ أَهْلِ مِصْرَ. اهـ ح وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ النُّقْصَانَ عَنْ الْقَدْرِ الْمَانِعِ لَا يَضُرُّهُ ط
(قَوْلُهُ لَوْ مَشْدُودًا) ؛ لِأَنَّ شَدَّهُ بِمَنْزِلِهِ الْخِيَاطَةِ وَهُوَ مُسْتَمْسِكٌ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الشَّدِّ كَالْخُفِّ الْمَخِيطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَافْهَمْ: وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمِعْرَاجِ:
وَيَجُوزُ عَلَى الْجَارُوقِ الْمَشْقُوقِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ وَلَهُ أَزْرَارٌ يَشُدُّهَا عَلَيْهِ تَسُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ كَغَيْرِ الْمَشْقُوقِ،
وَإِنْ ظَهَرَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ شَيْءٌ فَهُوَ كَخُرُوقِ الْخُفِّ. اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْخُفُّ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْأَتْرَاكُ فِي زَمَانِنَا
(قَوْلُهُ وَجَوَّزَ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَارُوقِ إنْ كَانَ يَسْتُرُ الْقَدَمَ وَلَا يُرَى مِنْهُ وَلَا مِنْ الْكَعْبِ إلَّا قَدْرُ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ يَجُوزُ، وَإِلَّا يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِجِلْدٍ، إنْ كَانَ الْجَلْدُ مُتَّصِلًا بِالْجَارُوقِ بِالْخَرَزِ جَازَ أَيْضًا،
وَإِنْ شُدَّ بِشَيْءٍ فَلَا، وَلَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِاللِّفَافَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُ بُخَارَى. اهـ.
قَالَ ح: وَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُ بُخَارَى؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي لَا يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ إلَّا إذَا خِيطَ بِهِ ثَخِينٌ كَجُوخٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِمْدَادِ، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ضَعِيفٌ. اهـ. أَقُولُ: أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ اللِّفَافَةِ أَنَّهَا مَا يُلَفُّ عَلَى الرِّجْلِ غَيْرَ مَخْرُوزٍ بِالْخُفِّ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الرِّجْلِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْخُفِّ فَتَكُونُ تَبَعًا لَهُ كَبِطَانَتِهِ.
وَإِذَا حُمِلَ كَلَامُ السَّمرْقَنْديِّين نَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، لِمَا فِي الْبَحْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ انْكَشَفَتْ الظِّهَارَةُ وَفِي دَاخِلِهَا بِطَانَةٌ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٌ مَخْرُوزَةٌ بِالْخُفِّ لَا يُمْنَعُ. اهـ وَهَذَا إذَا بَلَغَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ كَذَا فِي الْحِلْيَةِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى إذَا بَدَا قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ بِطَانَةٍ الْخُفِّ دُونَ الرِّجْلِ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ كَالْجَوْرَبِ الْمُنْعَلِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ قَالَ: عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْجُوخِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ ثَخِينًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ فَرْسَخًا مِنْ غَيْرِ تَجْلِيدٍ وَلَا تَنْعِيلٍ،
وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَمَعَ التَّجْلِيدِ أَوْ التَّنْعِيلِ،
وَلَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْجِلْدُ جَمِيعَ مَا يَسْتُرُ الْقَدَمَ إلَى السَّاقِ لَمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِرْبَاسِ فَرْقٌ، وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
[تَنْبِيهٌ] يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ انْفَتَقَ عَنْهُ الْخُفُّ مِنْ بِطَانَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ ثَخِينَةً بِدَلِيلِ ذِكْرِهِمْ الْخِرْقَةَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ غَالِبًا إلَّا رَقِيقَةً.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْمُسَمَّى فِي زَمَانِنَا بِالْقَلْشِينَ إذَا خِيطَ فَوْقَ جَوْرَبٍ رَقِيقٍ سَاتِرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِلْدُ الْقَلْشِينَ وَاصِلًا إلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
مَطْلَبٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْحَنَفِيِّ الْقَصِيرِ عَنْ الْكَعْبَيْنِ إذَا خِيطَ بِالشَّخْشِيرِ وَيُعْلَمُ أَيْضًا مِمَّا نَقَلْنَاهُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْحَنَفِيِّ إذَا خِيطَ بِمَا يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ كَالسِّرْوَالِ الْمُسَمَّى بِالشَّخْشِيرِ كَمَا قَالَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ، وَلَهُ فِيهِ رِسَالَةٌ.
وَرَأَيْت رِسَالَةً لِلشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَدَّ فِيهَا عَلَى مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ مُنْعَلَيْنِ لِاشْتِرَاطِهِمْ إمْكَانَ السَّفَرِ، وَلَا يَتَأَتَّى فِي الرَّقِيقِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى سَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ فَإِنَّهُ عَاصَرَهُ، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ الشَّارِحِ بِثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً؛ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِالْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ الْمُنْعَلِ أَسْفَلُهُ بِالْجِلْدِ وَبَيْنَ الْخُفِّ الْقَصِيرِ عَنْ الْكَعْبَيْنِ الْمَسْتُورَيْنِ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْجُوخِ الرَّقِيقِ؛
لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ السَّفَرُ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا، بِخِلَافِ الْجَوْرَبِ الْمَذْكُورِ.
عَلَى أَنَّ قَوْلَ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَمَعَ التَّجْلِيدِ أَوْ التَّنْعِيلِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الْجَوَازِ عَلَى الرَّقِيقِ الْمُنْعَلِ أَوْ الْمُجَلَّدِ إذَا كَانَ النَّعْلُ أَوْ الْجِلْدُ قَوِيًّا يُمْكِنُ السَّفَرُ بِهِ.
وَيُعْلَمُ مِنْهُ الْجَوَازُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ الْحَنَفِيِّ الْمَذْكُورَةِ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَ السَّمرْقَنْديِّين نَ إنَّمَا يُسَلَّمُ ضَعْفُهُ لَوْ كَانَتْ اللِّفَافَةُ غَيْرَ مَخْرُوزَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُحْمَلُ كَلَامُ السَّمرْقَنْديِّين نَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَلَمْ نَرَ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ وَجَدْنَا فُرُوعًا تُؤَيِّدُ قَوْلَ السَّمرْقَنْديِّين نَ كَمَا عَلِمْت وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا.
ثُمَّ رَأَيْت رِسَالَةً أُخْرَى لِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ رَدَّ فِيهَا عَلَى رِسَالَةِ الشَّارِحِ وَسَمَّاهَا [الرَّدُّ الْوَفِيُّ عَلَى جَوَابِ الْحَصْكَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ الْحَنَفِيِّ] وَحَقَّقَ فِيهَا مَا قَالَهُ فِي رِسَالَتِهِ الْأُولَى الْمُسَمَّاةِ [بِبُغْيَةِ الْمُكْتَفِي فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْحَنَفِيّ] وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُ فِي رِسَالَتِهِ لَا يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهُ؛ وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَرَعَ فِي الِاحْتِيَاطِيِّ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَصْلِ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي كَوْنُهُ) أَيْ كَوْنُ الْخُفِّ، وَالْمُرَادُ مَحَلُّ الْمَسْحِ مِنْهُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّفْرِيعُ الْآتِي
(قَوْلُهُ وَلَمْ يُقَدِّمْ قَدَمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ عَلَى الْمَوْضِعِ الْخَالِي مِنْ الْقَدَمِ لَمْ يَقَعْ الْمَسْحُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ ظَهْرُ الْقَدَمِ كَمَا يَأْتِي فَلَمْ يَمْنَعْ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ،
فَلَوْ قَدَّمَ قَدَمَهُ إلَيْهِ وَمَسَحَ جَازَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ: وَفِيهَا أَيْضًا: وَلَوْ أَزَالَ رِجْلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَعَادَ الْمَسْحَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ.
قَالَ ح: وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ: وَجْهُ النَّظَرِ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ مِنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَهَاهُنَا وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَوْضِعٍ مَسَحَ عَلَيْهِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. اهـ
(قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ إلَخْ) الْأَوْلَى ذِكْرُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ كَمَا فَعَلَهُ فِي الدُّرَرِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ سَتْرُهُ لِلْكَعْبَيْنِ مِنْ الْجَوَانِبِ لَا مِنْ الْأَعْلَى، وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيهِ.
قَالَ فِي دُرَرِ الْبِحَارِ: وَعِنْدَ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُرَى الْكَعْبُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ
(قَوْلُهُ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ وَلَا فِي غَايَةِ الْبُطْءِ، بَلْ يَكُونَ وَسَطًا. وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِي السَّيْرِ الْمُعْتَادِ فِي مُدَّةِ السَّفَرِ لِقَصْرِ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ فَرْسَخًا فَأَكْثَرَ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرْسَخَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةٍ، وَعَبَّرَ فِي السِّرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ بِمَسَافَةِ السَّفَرِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي النُّقَايَةِ.
وَقَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ: أَيْ الشَّرْعِيُّ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ وَيُخَالِفُهُ كَلَامُ حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ: مَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ فَرْسَخًا فَأَكْثَرَ. اهـ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحْمَلُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ، فَفِي حَالَةِ الْإِقَامَةِ يُعْتَبَرُ الْفَرْسَخُ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَزِيدُ مَشْيُهُ عَادَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ: أَيْ الْمَشْيِ لِأَجْلِ الْحَوَائِجِ الَّتِي تَلْزَمُ لِأَغْلَبِ النَّاسِ،
وَفِي حَالَةِ السَّفَرِ يُعْتَبَرُ مُدَّتُهُ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِمُتَابَعَةِ الْمَشْيِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ الْمَسْحِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْخُفَّ صَالِحٌ لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ لِلْمُقِيمِ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ حَالَةِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ رَاكِبًا وَلَا يَزِيدُ مَشْيُهُ غَالِبًا عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْسَخِ فَالْأَظْهَرُ اعْتِبَارُ الْفَرْسَخِ فِي حَقِّهِمَا، وَمَحْمَلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مَسَافَةُ السَّفَرِ عَلَى السَّفَرِ اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْقُهُسْتَانِيِّ السَّابِقِ تَأَمَّلْ.
[تَنْبِيهٌ] الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ صُلُوحِهِ لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ أَنْ يَصْلُحَ لِذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسِ الْمَدَاسِ فَوْقَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَرِقُّ أَسْفَلُهُ وَيَمْشِي بِهِ فَوْقَ الْمَدَاسِ أَيَّامًا وَهُوَ بِحَيْثُ لَوْ مَشَى بِهِ وَحْدَهُ فَرْسَخًا تَخَرَّقَ قَدْرُ الْمَانِعِ، فَعَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَتَفَقَّدَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ.
وَقَدْ وَقَعَ اضْطِرَابٌ بَيْنَ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالظَّاهِرُ مَا قَدَّمْته وَهُوَ الْأَحْوَطُ أَيْضًا، وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدِي بِرُؤْيَا رَأَيْت فِيهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ تَحْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِأَيَّامٍ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَنِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ إذَا رَقَّ الْخُفُّ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مُنِعَ الْمَسْحُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ١٢٣٤ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ لَفَّ عَلَى رِجْلِهِ خِرْقَةً ضَعِيفَةً لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْقَطِعُ بِهِ مَسَافَةُ السَّفَرِ. اهـ سِرَاجٌ عَنْ الْإِيضَاحِ
(قَوْلُهُ فَالْغَسْلُ أَفْضَلُ) وَجْهُ التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَسْحُ أَفْضَلَ لَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَعُدُولُهُ إلَى قَوْلِهِ هُوَ جَائِزٌ يُفِيدُ أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ
(قَوْلُهُ إلَّا لِتُهْمَةٍ) أَيْ لِنَفْيِهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّوَافِضَ وَالْخَوَارِجَ لَا يَرَوْنَهُ، وَإِنَّمَا يَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ،
فَإِذَا مُسِحَ الْخُفُّ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا غُسِلَ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ قَدْ يَغْسِلُونَ تَقِيَّةً وَيَجْعَلُونَ الْغَسْلَ قَائِمًا مَقَامَ الْمَسْحِ فَيَشْتَبِهُ الْحَالُ فِي الْغَسْلِ فَيُتَّهَمُ أَفَادَهُ ح.
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. اهـ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّوْشِيحِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا،
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: وَقَالَ الرُّسْتُغْفَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْمَسْحُ أَفْضَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ،
إمَّا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، أَوْ لِلْعَمَلِ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ، وَتَمَامُهُ فِيهِ
(قَوْلُهُ بَلْ يَنْبَغِي إلَخْ) أَصْلُ الْبَحْثِ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ
(قَوْلُهُ إلَّا مَا يَكْفِيهِ) أَيْ يَكْفِي الْمَسْحَ فَقَطْ، بِأَنْ كَانَ لَوْ غَسَلَ بِهِ رِجْلَيْهِ لَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ،
وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَمَسَحَ كَفَاهُ
(قَوْلُهُ أَوْ خَافَ) عَطْفٌ عَلَى صِلَةِ مَنْ
(قَوْلُهُ أَوْ وُقُوفِ) أَيْ إنَّهُ إذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ، لَكِنْ يَخَافُ فَوْتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ،
وَإِذَا مَسَحَ يُدْرِكُهَا جَمِيعًا يَجِبُ الْمَسْحُ، بَلْ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ قَدَّمَ الْوُقُوفَ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا فِي النَّهْرِ، لَكِنَّهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْعِمَادِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ
(قَوْلُهُ رُخْصَةٌ) هِيَ مَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَيُقَابِلُهَا الْعَزِيمَةُ، وَهِيَ مَا كَانَ أَصْلُهَا غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي تَعْرِيفِهِمَا بَحْرٌ
(قَوْلُهُ مُسْقِطَةٌ لِلْعَزِيمَةِ) أَيْ مُسْقِطَةٌ لِمَشْرُوعِيَّتِهَا، فَلَا تَبْقَى الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً فَإِذَا أَرَادَ تَحْصِينَ الْعَزِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ يَأْثَمُ، لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ تَحْصِيلُهَا، كَمَا إذَا نَوَى الظُّهْرَ أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ جَعْلُ الْأَرْبَعَةِ فَرْضًا، بَلْ الْفَرْضُ الْأُولَيَانِ إذَا قَعَدَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى، وَإِثْمُهُ حِينَئِذٍ لِبِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ، وَقَدْ يَتَأَتَّى لَهُ تَحْصِيلُهَا كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا أَفَادَهُ ح عَنْ شَيْخِهِ السَّيِّدِ. ثُمَّ قَالَ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُسْقِطَةٌ عَنْ رُخْصَةِ التَّرْفِيهِ،
فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ تَبْقَى فِيهَا مَشْرُوعَةً مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ كَالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ
(قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ آثِمًا) أَيْ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا،
بِخِلَافِ مَا إذَا نَزَعَ وَغَسَلَ لِزَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ هَذَا وَقَدْ بَحَثَ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ فِي جَعْلِهِمْ الْمَسْحَ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ بِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَوْ خَاضَ مَاءً بِخُفِّهِ فَانْغَسَلَ أَكْثَرُ قَدَمَيْهِ بَطَلَ الْمَسْحُ؛
وَكَذَا لَوْ تَكَلَّفَ غَسْلَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، قَالَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَشْرُوعَةٌ مَعَ الْخُفِّ. اهـ.
وَدَفَعَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِمَنْعِ صِحَّةِ هَذَا الْفَرْعِ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ اُعْتُبِرَ شَرْعًا مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَتَبْقَى الْقَدَمُ عَنْ طَهَارَتِهَا وَيَحُلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ فَيُزَالُ بِالْمَسْحِ، فَيَكُونُ غَسْلُ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ وَعَدَمُهُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ بِهِ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَاعْتَرَضَ أَيْضًا فِي الدُّرَرِ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ مَعَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ مُسْقِطَةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْعَزِيمَةِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الصِّحَّةَ كَمَا فَهِمَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَاعْتَرَضَهُمْ بِالْفَرْعِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْجَوَازُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ فَالْمُتَخَفِّفُ مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْغَسْلُ، حَتَّى إذَا تَكَلَّفَ وَغَسَلَ بِلَا نَزْعٍ أَثِمَ،
وَإِنْ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ، وَإِذَا نَزَعَ وَزَالَ التَّرَخُّصُ صَارَ الْغُسْلُ مَشْرُوعًا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَقَدْ انْتَصَرَ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ. وَأَجَابَ عَمَّا فِي الْبَدَائِعِ وَالدُّرَرِ، وَبَيَّنَّا مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى الْبَحْرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ تَبَعًا لِعَامَّةِ الْكُتُبِ مُسَلَّمٌ بَلْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي النَّوَاقِصِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ مَنْعِ صِحَّتِهِ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الزَّاهِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي السِّرَاجِ؛ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ بِسُنَّةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَائِزٌ. وَهِيَ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ. وَاصْطِلَاحًا فِي الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةُ،
وَفِي الْأَدِلَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا لِأَمْرٍ عَايَنَهُ، وَالْمَسْحُ رُوِيَ قَوْلًا وَفِعْلًا. مَطْلَبٌ تَعْرِيفُ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ
(قَوْلُهُ مَشْهُورَةٍ) الْمَشْهُورُ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ مَا يَرْوِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ وَفِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَا يَكُونُ مِنْ الْآحَادِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ: أَيْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ يَنْقُلُهُ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ قَوْمٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَإِنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي أَيْضًا فَهُوَ الْآحَادُ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ قَسِيمٌ لِلْآحَادِ وَالْمُتَوَاتِرِ: وَأَمَّا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ قِسْمٌ مِنْ الْآحَادِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ.
وَاَلَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَبْدِيعِ مُنْكِرِهِ أَوْ تَكْفِيرِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمُصْطَلَحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَعَلَى رَأْيِ الثَّانِي كَافِرٌ) أَيْ بِنَاءً عَلَى جَعْلِهِ الْمَشْهُورَ قِسْمًا مِنْ الْمُتَوَاتِرِ، لَكِنْ
قَالَ فِي التَّحْرِيرِ، وَالْحَقُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْإِكْفَارِ بِإِنْكَارِ الْمَشْهُورِ لِآحَادِيَّةِ أَصْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ ضَلَالَةً لِتَخْطِئَةِ الْمُجْتَهِدِينَ
(قَوْلُهُ وَفِي التُّحْفَةِ) أَيْ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيِّ الَّتِي شَرَحَهَا تِلْمِيذُهُ الْكَاشَانِيُّ بِشَرْحٍ عَظِيمٍ سَمَّاهُ الْبَدَائِعَ
(قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ) وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ ح
(قَوْلُهُ بَلْ بِالتَّوَاتُرِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ عِبَارَةِ التُّحْفَةِ، بَلْ عَزَاهُ الْقُهُسْتَانِيُّ إلَى ابْنِ حَجَرٍ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ يُفِيدُ الْيَقِينَ وَالْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَيَرْفَعُ تُهْمَةَ الْكَذِبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَأَنَّ الْإِمَامَ تَوَقَّفَ فِي إفَادَتِهِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ هَذَا الْعَدَدُ، وَلِذَا قَالَ: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ
(قَوْلُهُ رُوَاتُهُ) أَيْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ بِالْكِتَابِ) أَيْ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ فِي - {وَأَرْجُلَكُمْ}- بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ الْمَسْحِ بِهَا، لِعَطْفِهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ جَمْعًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِرَاءَةِ النَّصْبِ الْمُرَادِ بِهَا الْغَسْلُ لِعَطْفِهَا عَلَى الْمَغْسُولِ
(قَوْلُهُ فَالْجَرُّ بِالْجِوَارِ) أَيْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}{وَحُورٌ عِينٌ} الْمَعْطُوفِ عَلَى {وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}- لَا عَلَى - {بِأَكْوَابٍ}- إذْ لَا يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْوِلْدَانُ بِالْحُورِ وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ كَثِيرٌ، فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ النَّصْبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِدَ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا وَيُغْسَلَا غَسْلًا خَفِيفًا شَبِيهًا بِالْمَسْحِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ لِمُحْدِثٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَائِزٌ، وَشَمِلَ الْمَرْأَةَ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ.
قَالَ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ: وَالْمُحْدِثُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيمَنْ أَصَابَهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْوُضُوءَ
(قَوْلُهُ ظَاهِرُهُ إلَخْ) الْبَحْثُ وَالْجَوَابُ لِلْقُهُسْتَانِيِّ. وَأَقُولُ: قَدْ يُقَالُ إنَّ جَوَازَهُ لِمُجَدِّدِ الْوُضُوءِ تُعْلَمُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا رَفَعَ الْمُحْدَثَ الْحَقِيقِيَّ يَحْصُلُ بِهِ تَجْدِيدُ الطَّهَارَةِ بِالْأَوْلَى، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَا لِجُنُبٍ يَدُلُّ بِالْمُقَابَلَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ احْتِرَازٌ عَنْ الْجُنُبِ فَقَطْ تَأَمَّلْ.
مَطْلَبٌ إعْرَابِ قَوْلِهِمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الظُّرُوفِ؛ لِأَنَّ الْمَصَادِرَ قَدْ تَقَعُ ظُرُوفًا، نَحْوُ آتِيكَ طُلُوعَ الْفَجْرِ: أَيْ وَقْتَ طُلُوعِهِ وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَالْمَعْنَى ظَاهِرُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَقْتَ قَوْلِنَا لِمَا حَصَلَ إلَخْ، كَذَا أَفَادَهُ الْمُحَقِّقُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي أَوَائِلِ التَّوْضِيحِ
(قَوْلُهُ وَالْمَنْفِيُّ لَا يَلْزَمُ تَصْوِيرُهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ صُورَةٌ يُمْكِنُ حُصُولُهَا فِي الذِّهْنِ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ إلَخْ) الْبَحْثُ لِلْقُهُسْتَانِيِّ.
بَيَانُهُ أَنَّ النَّفْيَ الشَّرْعِيَّ: أَيْ الَّذِي اُسْتُفِيدَ مِنْ الشَّرْعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْكَانِ تَصْوِيرِ مَا نُفِيَ بِهِ عَقْلًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفَادًا مِنْ الشَّرْعِ بَلْ مِنْ الْعَقْلِ، كَقَوْلِنَا: لَا تَجْتَمِعُ الْحَرَكَةُ مَعَ السُّكُونِ، وَصَوَّرُوا لَهُ صُوَرًا مِنْهَا لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِلْوُضُوءِ فَقَطْ لَا يَمْسَحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً،
وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّ مَا ذَكَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ أَقُولُ: أَيْ لَا تَعُودُ إلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ الْكَافِي وَالْجَنَابَةُ لَا تَتَجَزَّأُ، فَهُوَ مُحْدِثٌ حَقِيقَةً لَا جُنُبٌ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ فَاعْتِرَاضُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُجْتَبَى بِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ غَيْرُ وَارِدٍ كَمَا لَا يَخْفَى فَالصَّحِيحُ فِي تَصْوِيرِهِ مَا فِي الْمُجْتَبَى فِيمَا إذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّ خُفَّيْهِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيَمْسَحَ.
اهـ. أَوْ يَغْتَسِلَ قَاعِدًا وَاضِعًا رِجْلَيْهِ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ ثُمَّ يَمْسَحَ
وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ، وَلَكِنْ لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ،
فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُسَافِرَةً وَتَوَضَّأَتْ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ السَّفَرِ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ ثُمَّ حَاضَتْ هَذَا الْمِقْدَارَ فَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ نَحْوُ خَمْسِ سَاعَاتٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِيهَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَتَنْقَضِي فِيهَا مُدَّةُ الْمَسْحِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ النُّفَسَاءَ. وَصُورَتُهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ نَفِسَتْ وَانْقَطَعَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ مُسَافِرَةً أَوْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مُقِيمَةً
(قَوْلُهُ ثُمَّ ظَاهِرُهُ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا لِجُنُبٍ ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ إلَخْ لِلْقُهُسْتَانِيِّ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْقُهُسْتَانِيِّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. وَمُفَادُهُ أَنَّهُ فِي الْمَبْسُوطِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ يَنْبَغِي لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَزْمِ فَلِذَا قَوَّاهُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَبْعُدُ وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ إلَخْ) أَيْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ فِي حُكْمِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، يَعْنِي أَنَّ كَلَامَ الْمَبْسُوطِ غَيْرُ بَعِيدٍ. اهـ ح. وَوَجْهُهُ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ هِيَ مَاهِيَّةُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَهِيَ غَسْلُ جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الْبَدَنِ؛ فَقَوْلُهُ لَا لِجُنُبٍ نَفْيٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ فِي الْغُسْلِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ كَمَا أَنَّ إثْبَاتَ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلْمُحْدِثِ هُوَ إثْبَاتٌ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ؛
لِأَنَّ مَاهِيَّةَ الْوُضُوءِ فِي حَقِّهِمَا وَاحِدَةٌ أَرْكَانًا وَسُنَنًا كَمَا قُلْنَا فِي الْغُسْلِ
(قَوْلُهُ فَالْأَحْسَنُ إلَخْ) أَيْ الْأَحْسَنُ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ لِيَشْمَلَ الْمُتَوَضِّئَ مُجَدِّدَ الْوُضُوءِ، وَالْمُغْتَسِلَ مُغْتَسِلَ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدِ بِلَا تَأْوِيلٍ فِي الْعِبَارَةِ
(قَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ إظْهَارَ الْخُطُوطِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، بَلْ هُوَ شَرْطُ السُّنَّةِ فِي الْمَسْحِ.
وَكَيْفِيَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ،
فَإِذَا تَمَكَّنَتْ الْأَصَابِعُ يَمُدُّهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَصْلِ السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَيْنِ يَلْحَقُهُمَا فَرْضُ الْغُسْلِ وَيَلْحَقُهُمَا سُنَّةُ الْمَسْحِ،
وَإِنْ وَضَعَ الْكَفَّيْنِ مَعَ الْأَصَابِعِ كَانَ أَحْسَنَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ. اهـ بَحْرٌ.
أَقُولُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَامُنَ فِيهِ غَيْرُهُ مَسْنُونٌ كَمَا فِي مَسْحِ الْأُذُنِ.
وَفِي الْحِلْيَةِ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ الْيَدِ لَا بِظَاهِرِهَا
(قَوْلُهُ قَلِيلًا) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ
(قَوْلُهُ وَمَحَلُّهُ) زَادَهُ عَلَى الْمَتْنِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ
(قَوْلُهُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ) قَيَّدَ بِهِ إذْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْبَاطِنِ وَالْعَقِبِ وَالسَّاقِ دُرَرٌ
(قَوْلُهُ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَصَابِعَ لَهَا دَخْلٌ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ، حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَيْهَا صَحَّ إنْ حَصَلَ قَدْرُ الْفَرْضِ.
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ مُفَادُ مَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ؛ وَعَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: وَتَفْسِيرُ الْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى ظَاهِرِ قَدَمَيْهِ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ، فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَابِعَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا.
وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْفَتَاوَى يُفِيدُ دُخُولَهَا؛ لِأَنَّ أَطْرَافَهَا أَوَاخِرُهَا أَيْ رُءُوسُهَا، يُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمُبْتَغَى ظَهْرُ الْقَدَمِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى مَقْعَدِ الشِّرَاكِ. أَقُولُ: وَمَا فِي النَّهْرِ هُوَ مَا فَهِمَهُ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتَاوَى فَقَالَ: إنَّ مُؤَدَّى رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَهَا هِيَ رُءُوسُهَا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فِي الذَّخِيرَةِ: وَتَفْسِيرُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَسْحُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ اهـ فَالْأَصَابِعُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَوَّلًا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ، وَعَلَيْهِ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ مَسَحَ مَوْضِعَ الْأَصَابِعِ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ دَاخِلَةٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّهَا الْأَوْلَى، وَيَشْهَدُ لَهَا حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَرْوِيُّ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّيْنِ إلَى أَصْلِ السَّاقِ مَرَّةً وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» فَلِذَا مَشَى عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى.
اهـ.
أَقُولُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ، وَحَيْثُ كَانَتْ رِوَايَةُ الدُّخُولِ هِيَ الْمُفَادَ مِنْ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ،
وَكَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْفَتَاوَى كَمَا عَلِمْت كَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا أَوْلَى، فَلِذَا اخْتَارَهَا الشَّارِحُ تَبَعًا لِلنَّهْرِ وَالْحِلْيَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ) أَيْ الْمَحَلِّ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ شِرَاكُ النَّعْلِ بِالْكَسْرِ أَيْ سَيْرُهُ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَفْصِلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ وَيُسَمَّى كَعْبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِحْرَامِ: يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ،
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ إلَى مَقْعَدِ الشِّرَاكِ هُوَ عِبَارَةُ الْمُبْتَغَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ مَحَلِّ الْفَرْضِ اللَّازِمِ، وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَصْلِ السَّاقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْبَاطِنِ أَسْفَلُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ لَا مَا يَلِي الْبَشَرَةَ كَمَا حَقَّقَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْبَدَائِعِ. هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ النَّهْرِ، حَيْثُ قَالَ: لَكِنْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي الْمَسْحِ، إلَّا إذَا كَانَ عَلَى بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. اهـ.
وَأَقُولُ: الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْ الْبَدَائِعِ نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَاطِنِ لَا يَجُوزُ، وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ الْجَمْعُ إلَخْ، فَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ رَاجِعٌ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَهَكَذَا رَأَيْته فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا سِوَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ الْخُفِّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمَسْحِ لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ مَسْحُهُمَا. وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ مَعَ ظَاهِرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ شُرِعَتْ مُكَمِّلَةً لِلْفَرَائِضِ، وَالْإِكْمَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَرْضِ لَا فِي غَيْرِهِ. اهـ.
وَفِي غَيْرِهِ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْمُرَادُ. اهـ كَلَامُ الْبَحْرِ: أَيْ وَفِي غَيْرِ الْمُحِيطِ قَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُحِيطِ لَا يُسَنُّ.
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: السُّنَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» وَعِنْدَنَا وَأَحْمَدَ لَا مَدْخَلَ لِأَسْفَلِهِ فِي الْمَسْحِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ شَاذٌّ لَا يُعَارِضُ هَذَا مَعَ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إنْ ثَبَتَ. وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ. اهـ.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْجَمْعِ قَوْلٌ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا، لَا كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ أَوْ جُرْمُوقَيْهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ: جِلْدٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ لِحِفْظِهِ مِنْ الطِّينِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قُهُسْتَانِيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُوقُ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ فَوْقَ خُفٍّ) أَفَادَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَيْضًا وَهَذَا لَوْ كَانَا مِنْ جِلْدٍ،
فَلَوْ مِنْ كِرْبَاسٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ فَوْقَ الْخُفِّ إلَّا أَنْ يَصِلَ بَلَلُ الْمَسْحِ إلَى الْخُفِّ، ثُمَّ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَا بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَا يَصِحُّ مَسْحُهُمَا، حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِمَا خَرْقٌ مَانِعٌ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا سِرَاجٌ،
وَأَنْ يَلْبَسَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ،
فَلَوْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ لَا يَكُونَانِ تَبَعًا لِلْخُفِّ، صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي السِّرَاجِ وَشُرُوحِ الْمَجْمَعِ وَمُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَغَيْرِهَا،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ جَدَّدَ الْوُضُوءَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ لِاسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ عَلَى الْخُفِّ فَلَا يَصِيرُ الْجُرْمُوقُ تَبَعًا.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي الْخَزَائِنِ: وَهَذَا إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْمَسْحِ أَوْ رَقِيقَيْنِ يَنْفُذُ إلَى الْخُفِّ قَدْرُ الْفَرْضِ وَلَمْ يَكُنْ أَحْدَثَ وَلَا مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ قَبْلَ مَا أَحْدَثَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَمَالِ وَابْنُ مَالِكٍ. اهـ. هَذَا وَفِي الْبَحْرِ وَالْخُفُّ عَلَى الْخُفِّ كَالْجُرْمُوقِ عِنْدَنَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ خُلَاصَةٌ
(قَوْلُهُ أَوْ لِفَافَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مَلْفُوفَةً عَلَى الرِّجْلِ تَحْتَ الْخُفِّ أَوْ كَانَتْ مَخِيطَةً مَلْبُوسَةً تَحْتَهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِي فَتَاوَى الشَّاذِيِّ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا رَأَيْته فِي النُّسَخِ، لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته بِخَطِّ الشَّارِحِ فِي خَزَائِنِ الْأَسْرَارِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ الَّذِي فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى هُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْهَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُلْبَسُ مِنْ الْكِرْبَاسِ الْمُجَرَّدِ تَحْتَ الْخُفِّ يَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لِكَوْنِهِ فَاصِلًا وَقِطْعَةُ كِرْبَاسٍ تُلَفُّ عَلَى الرِّجْلِ لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِاللُّبْسِ، وَقَدْ أَطَالَ فِي رَدِّهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالدُّرَرِ وَالْبَحْرِ لِتَمَسُّكِ جَمَاعَةٍ بِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الرُّومِ، قَالَ ح: وَقَدْ اعْتَنَى يَعْقُوبُ بَاشَا بِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كُرَّاسَةٍ مُبَيِّنًا لِلْجَوَازِ لَمَّا سَأَلَهُ السُّلْطَانُ سُلَيْمٌ خَانْ
(قَوْلُهُ أَوْ جَوْرَبَيْهِ) الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ قَامُوسٌ، وَكَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ، لَكِنَّ الْعُرْفَ خَصَّ اللِّفَافَةَ بِمَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَالْجَوْرَبَ بِالْمَخِيطِ، وَنَحْوُهُ الَّذِي يُلْبَسُ كَمَا يُلْبَسُ الْخُفُّ شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ غَزْلٍ أَوْ شَعْرٍ) دَخَلَ فِيهِ الْجُوخُ كَمَا حَقَّقَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَقَالَ: وَخَرَجَ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْ كِرْبَاسٍ بِالْكَسْرِ: وَهُوَ الثَّوْبُ مِنْ الْقُطْنِ الْأَبْيَضِ؛ وَيُلْحَقُ بِالْكِرْبَاسِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَيْطِ كَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ وَنَحْوِهِمَا. وَتَوَقَّفَ ح فِي وَجْهِ عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ.
وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ يَجُوزُ، وَأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ لِعَدَمِ تَأَتِّي الشُّرُوطِ فِيهِ غَالِبًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي كَافِي النَّسَفِيِّ حَيْثُ عَلَّلَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ مِنْ كِرْبَاسٍ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ جَازَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِي ط عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ فِي إدْمَانِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَقَطْعِ السَّفَرِ بِهِ وَلَوْ مِنْ لِبَدٍ رُومِيٍّ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. اهـ
(قَوْلُهُ عَلَى الثَّخِينَيْنِ) أَيْ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مُجَلَّدَيْنِ وَلَا مُنْعَلَيْنِ نَهْرٌ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مُسْتَفَادٌ مِنْ عَطْفِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْجَوْرَبَيْنِ فَقَطْ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْكَنْزِ.
وَأَمَّا شُرُوطُ الْخُفِّ فَقَدْ ذَكَرَهَا أَوَّلَ الْبَابِ،
وَمِثْلُهُ الْجُرْمُوقُ وَلِكَوْنِهِ مِنْ الْجِلْدِ غَالِبًا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالثَّخَانَةِ الْمُفَسَّرَةِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ الْمَلْبُوسَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ عَادَةً
(قَوْلُهُ بِحَيْثُ يَمْشِي فَرْسَخًا) أَيْ فَأَكْثَرَ كَمَا مَرَّ، وَفَاعِلُ يَمْشِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَالْإِسْنَادُ إلَيْهِ مَجَازِيٌّ، أَوْ عَلَى اللَّابِسِ لَهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ بِهِ
(قَوْلُهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ ط
(قَوْلُهُ وَلَا يَشِفُّ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، مِنْ شَفَّ الثَّوْبُ: رَقَّ حَتَّى رَأَيْت مَا وَرَاءَهُ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ مُغْرِبٌ.
وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: يَنْشَفُ بِالنُّونِ قَبْلَ الشَّيْنِ، مِنْ نَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ كَسَمِعَ وَنَصَرَ شَرِبَهُ قَامُوسٌ،
وَالثَّانِي أَوْلَى هُنَا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ وَلَا يُرَى مَا تَحْتَهُ، لَكِنْ فُسِّرَ فِي الْخَانِيَّةِ الْأُولَى بِأَنْ لَا يَشِفَّ الْجَوْرَبُ الْمَاءَ إلَى نَفْسِهِ كَالْأَدِيمِ وَالصِّرْمِ، وَفُسِّرَ الثَّانِي بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمَاءُ إلَى الْقَدَمِ وَكَأَنَّ تَفْسِيرَهُ الْأَوَّلَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ اشْتَفَّ مَا فِي الْإِنَاءِ شَرِبَهُ كُلَّهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَكْرَارَ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَنْفُذَ) أَيْ مِنْ الْبَلَلِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الْجُرْمُوقِ لَا الْجَوْرَبِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْجَوْرَبِ أَنْ يُلْبَسَ وَحْدَهُ أَوْ تَحْتَ الْخُفِّ لَا فَوْقَهُ
(قَوْلُهُ مَسَحَ الْخُفَّ وَالْمُوقَ الْبَاقِيَ) أَيْ يَمْسَحُ الْخُفَّ الْبَادِيَ وَيُعِيدُ الْمَسْحَ عَلَى الْمُوقِ الْبَاقِي لِانْتِقَاضِ وَظِيفَتِهِمَا كَنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْمَسْحِ لَا يَتَجَزَّأُ بَحْرٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الْبَادِي لَا غَيْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَنْزِعُ الْمُوقَ الْبَاقِيَ وَيَمْسَحَ الْخُفَّيْنِ خَانِيَّةٌ
(قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُوقَيْنِ خَرْقٌ مَانِعٌ،
فَلَوْ كَانَ قَالَ فِي الْمُبْتَغَى لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ أَوْ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، لَكِنْ بَحَثَ فِي الْحِلْيَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا عَلَى الْخُفِّ، لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُنْخَرِقَ خَرْقًا مَانِعًا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَكَانَتْ الْوَظِيفَةُ لِلْخُفِّ فَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.