وَسُنَنُهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ وَنَشْرُ الْأَصَابِعِ
الشروح عليها
(وَسُنَنُهَا) تَرْكُ السُّنَّةِ لَا يُوجِبُ فَسَادًا وَلَا سَهْوًا بَلْ إسَاءَةً لَوْ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ.
وَقَالُوا الْإِسَاءَةُ أَدْوَنُ مِنْ الْكَرَاهَةِ، ثُمَّ هِيَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ (رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ) فِي الْخُلَاصَةِ إنْ اعْتَادَ تَرْكَهُ أَثِمَ (وَنَشْرُ الْأَصَابِعِ) أَيْ تَرْكُهَا بِحَالِهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَسُنَنُهَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْوُضُوءِ عَلَى السُّنَّةِ وَتَعْرِيفِهَا وَتَقْسِيمِهَا إلَى سُنَّةِ هَدْيٍ وَسَنَةِ زَوَائِدَ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ لَا يُوجِبُ فَسَادًا وَلَا سَهْوًا) أَيْ
بِخِلَافِ تَرْكِ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْفَسَادَ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ
(قَوْلُهُ لَوْ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ)
فَلَوْ غَيْرَ عَامِدٍ فَلَا إسَاءَةَ أَيْضًا بَلْ تُنْدَبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَحْثِ الْوَاجِبَاتِ،
وَلَوْ مُسْتَخِفًّا كَفَرَ، لِمَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَرَ السُّنَّةَ حَقًّا كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ. اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّنَّةَ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا عِنْدَ عُلَمَاءِ الدِّينِ،
فَإِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ثَابِتًا وَمُعْتَبَرًا ثَابِتًا فِي الدِّينِ يَكُونُ قَدْ اسْتَخَفَّ بِهَا وَاسْتَهَانَهَا وَذَلِكَ كُفْرٌ تَأَمَّلْ.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ الْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ
(قَوْلُهُ وَقَالُوا إلَخْ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ وَفِي التَّقْرِيرِ الْأَكْمَلِيِّ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ نَجِيمٍ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ بِأَنَّ الْإِسَاءَةَ أَفْحَشُ مِنْ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا لِقَوْلِ التَّحْرِيرِ: وَتَارِكُهَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَةً: أَيْ التَّضْلِيلَ وَاللَّوْمَ.
وَفِي التَّلْوِيحِ تَرْكُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ قَرِيبٌ مِنْ الْحَرَامِ، وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةُ وَالْمُرَادُ بِهَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ التَّنْزِيهِيَّةُ، فَهِيَ دُونَ الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَفَوْقَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي النَّهْرِ عَنْ الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مَعْزِيًّا إلَى أُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ: حُكْمُ السُّنَّةِ أَنْ يُنْدَبَ إلَى تَحْصِيلِهَا وَيُلَامَ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ لُحُوقِ إثْمٍ يَسِيرٍ اهـ. وَعَنْ هَذَا
قَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِإِثْمِ مَنْ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَصْرِيحُهُمْ بِإِثْمِ مَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِثْمَ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَخَفُّ مِنْهُ لِتَارِكِ الْوَاجِبِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَظَاهِرُهُ حُصُولُ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ مَرَّةً، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّرْكُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْرَارِ،
وَكَذَا مَا يَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْخُلَاصَةِ،
وَكَذَا مَا مَرَّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِالْغُسْلِ مَرَّةً، إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ وَإِلَّا لَا،
وَكَذَا مَا فِي شَرْحِ الْكَيْدَانِيَّةِ عَنْ الْكَشْفِ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمِصْرَيْنِ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بِالْقِتَالِ وَأَبُو يُوسُفَ بِالتَّأْدِيبِ اهـ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ التَّرْكِ فِيمَا مَرَّ عَنْ الْبَحْرِ عَلَى التَّرْكِ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْرَارِ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ) وَإِلَّا فَهِيَ أَكْثَرُ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ عَدَّ مِنْهَا الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مُقَدَّمَتِهِ نُورِ الْإِيضَاحِ إحْدَى وَخَمْسِينَ
(قَوْلُهُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ) أَنَّثَ لَفْظَ الْعَدَدِ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ ح
(قَوْلُهُ لِلتَّحْرِيمَةِ) أَيْ قَبْلَهَا، وَقِيلَ مَعَهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي
(قَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) حَكَى فِي الْخُلَاصَةِ أَوَّلًا خِلَافًا، قِيلَ يَأْثَمُ،
وَقِيلَ لَا. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ
لَا إنْ كَانَ أَحْيَانًا. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَيْضِ
وَكَذَا فِي الْمُنْيَةِ. قَالَ شَارِحُهَا: يَأْثَمُ لَا لِنَفْسِ التَّرْكِ، بَلْ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ وَعَدَمُ مُبَالَاةٍ بِسُنَّةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ عُمْرِهِ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ اهـ وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ. وَرَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْإِثْمِ فِي تَرْكِ الرَّفْعِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْقَائِلُ بِعَدَمِهِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الزَّوَائِدِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَبِّ إلَخْ.
قُلْت: لَكِنَّ كَوْنَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِثْمَ بِتَرْكِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِلَا عُذْرٍ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ التَّرْكِ بِالِاعْتِيَادِ وَالْإِصْرَارِ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ،
فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى التَّرْكِ هُوَ الِاسْتِخْفَافُ بِمَعْنَى التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِهَانَةِ وَالِاحْتِقَارِ، وَإِلَّا كَانَ كُفْرًا كَمَا مَرَّ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ فِي النَّهْرِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ أَيْ تَرَكَهَا بِحَالِهَا) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّشْرِ تَفْرِيجَ الْأَصَابِعِ وَهُوَ غَلَطٌ، بَلْ أَرَادَ بِهِ النَّشْرَ عَنْ الطَّيِّ يَعْنِي بِرَفْعِهِمَا مَنْصُوبَتَيْنِ لَا مَضْمُومَتَيْنِ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَشْفِ مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ السُّنَّةُ عَلَى ضَمِّ الْأَصَابِعِ أَوَّلًا، بَلْ لَوْ كَانَتْ مَنْشُورَةً غَيْرَ مُتَفَرِّجَةٍ كُلَّ التَّفْرِيجِ وَلَا مَضْمُومَةً كُلَّ الضَّمِّ ثُمَّ رَفَعَهَا كَذَلِكَ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ اهـ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.