هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ
الشروح عليها
وَبَسَطْنَاهُ فِي الْخَزَائِنِ: بَابُ الْإِمَامَةِ هِيَ صُغْرَى وَكُبْرَى؛ فَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الْأَنَامِ، وَتَحْقِيقُهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَنَصْبُهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَاتِ،
فَلِذَا قَدَّمُوهُ عَلَى دَفْنِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَاتِ: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حُرًّا ذَكَرًا عَاقِلًا بَالِغًا قَادِرًا، قُرَشِيًّا لَا هَاشِمِيًّا عَلَوِيًّا، مَعْصُومًا.
وَيُكْرَهُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ وَيُعْزَلُ بِهِ إلَّا لِفِتْنَةٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاحِ وَتَصِحُّ سَلْطَنَةُ مُتَغَلِّبٍ لِلضَّرُورَةِ،
وَكَذَا صَبِيٌّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوِّضَ أُمُورَ التَّقْلِيدِ عَلَى وَالٍ تَابِعٍ لَهُ وَالسُّلْطَانُ فِي الرَّسْمِ هُوَ الْوَلَدُ،
وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَالِي لِعَدَمِ صِحَّةِ إذْنِهِ بِقَضَاءٍ وَجُمُعَةٍ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِيهَا لَوْ بَلَغَ السُّلْطَانُ أَوْ الْوَالِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيدٍ جَدِيدٍ:
وَالصُّغْرَى رَبْطُ صَلَاةِ الْمُؤْتَمِّ بِالْإِمَامِ بِشُرُوطٍ عَشَرَةٍ: نِيَّةُ الْمُؤْتَمِّ الِاقْتِدَاءَ، وَاتِّحَادُ مَكَانِهِمَا وَصَلَاتِهِمَا، وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ، وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بِعَقِبِهِ، وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ وَبِحَالِهِ مِنْ إقَامَةٍ وَسَفَرٍ، وَمُشَارَكَتُهُ فِي الْأَرْكَانِ، وَكَوْنُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ فِيهَا،
وَفِي الشَّرَائِطِ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ، قِيلَ وَثُبُوتُهَا بِ - {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}- وَمِنْ حِكَمِهَا نِظَامُ الْأُلْفَةِ وَتَعَلُّمُ الْجَاهِلِ مِنْ الْعَالِمِ (هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ، وَقَوْلُ عُمَرَ: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْت أَيْ مَعَ الْإِمَامَةِ،
إذْ الْجَمْعُ أَفْضَلُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَخَاف إنْ تَرَكْت الْفَاتِحَةَ أَنْ يُعَاتِبَنِي الشَّافِعِيُّ أَوْ قَرَأْتهَا يُعَاتِبُنِي أَبُو حَنِيفَةَ فَاخْتَرْت الْإِمَامَةَ. (وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ) قَالَ الزَّاهِدِي: أَرَادُوا بِالتَّأْكِيدِ الْوُجُوبَ إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ فَشَرْطٌ.
وَفِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَفِي وِتْرِ رَمَضَانَ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى قَوْلٍ.
وَفِي وِتْرِ غَيْرِهِ وَتَطَوُّعٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي مَكْرُوهَةٌ، وَسَنُحَقِّقُهُ.
وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ لَا فِي مَسْجِدِ طَرِيقٍ أَوْ مَسْجِدٍ لَا إمَامَ لَهُ وَلَا مُؤَذِّنَ (وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ) وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ مُمَيِّزًا أَوْ مَلَكًا أَوْ جِنِّيًّا فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْجِنِّيِّ أَشْبَاهٌ
(قَوْلُهُ فَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ عَلَى الْأَنَامِ) أَيْ عَلَى الْخَلْقِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَصَرُّفٍ لَا بِاسْتِحْقَاقٍ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْإِمَامِ لَا تَصَرُّفُهُ، وَلَا بِعَامٍّ إذْ الْمُتَعَارَفُ أَنْ يُقَالَ عَامٌّ بِكَذَا لَا عَلَيْهِ. وَعَرَّفَهَا فِي الْمَقَاصِدِ بِأَنَّهَا رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلَافَةً عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَخْرُجَ النُّبُوَّةُ، لَكِنَّ النُّبُوَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ لِأَنَّهَا بَعْثَةٌ بِشَرْعٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِ النَّبِيِّ، وَاسْتِحْقَاقُ النَّبِيِّ التَّصَرُّفَ الْعَامَّ إمَامَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي التَّعْرِيفِ دُونَ مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَعْنِي النُّبُوَّةَ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعُمُومِ مِثْلُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الرِّيَاسَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ إلَّا اسْتِحْقَاقَ التَّصَرُّفِ، إذْ مَعْنَى نَصْبِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلْإِمَامِ لَيْسَ إلَّا إثْبَاتَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ عَبَّرَ بِالِاسْتِحْقَاقِ، كَذَا أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ الْكَمَالُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الْمُسَايَرَةِ لِشَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ ابْنِ الْهُمَامِ
(قَوْلُهُ وَنَصْبُهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ
(قَوْلُهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَاتِ) أَيْ مِنْ أَهَمِّهَا لِتَوَقُّفِ كَثِيرٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا
قَالَ فِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ: وَالْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إمَامٍ، يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ؛ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِمْ، وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ، وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ؛ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ؛ وَتَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ اهـ
(قَوْلُهُ فَلِذَا قَدَّمُوهُ إلَخْ) فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ أَوْ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ح عَنْ الْمَوَاهِبِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنَ لَمْ يُدْفَنْ خَلِيفَةٌ حَتَّى يُوَلَّى غَيْرُهُ ط
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَلِي عَلَى الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَالْوِلَايَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ
فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ فَكَانَ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمْ امْرَأَةٌ» وَقَوْلُهُ قَادِرًا: أَيْ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ؛ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ الْإِسْلَامِ؛ وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ؛ وَقَوْلُهُ قُرَشِيًّا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَدْ سَلَّمَتْ الْأَنْصَارُ الْخِلَافَةَ لِقُرَيْشٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ الضِّرَارِيَّةِ إنَّ الْإِمَامَةَ تَصْلُحُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ وَالْكَعْبِيَّةِ إنَّ الْقُرَشِيَّ أَوْلَى بِهَا اهـ الْكُلُّ مِنْ ح عَنْ شَرْحِ عُمْدَةِ النَّسَفِيِّ
(قَوْلُهُ لَا هَاشِمِيًّا إلَخْ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا: أَيْ مِنْ أَوْلَادِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ كَمَا قَالَتْ الشِّيعَةُ نَفْيًا لِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -؛ وَلَا عَلَوِيًّا: أَيْ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ نَفْيًا لِخِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ؛ وَلَا مَعْصُومًا كَمَا قَالَتْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالِاثْنَا عَشَرِيَّةَ: أَيْ الْإِمَامِيَّةُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُكَرِّرَ لَا لِيَظْهَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ قَوْلٌ عَلَى حِدَةٍ؛
فَإِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ أَنَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ ح
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ، وَعَدَّهَا فِي الْمُسَايَرَةِ مِنْ الشُّرُوطِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا تَبَعًا لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ بِالْوَرَعِ. وَزَادَ فِي الشُّرُوطِ الْعِلْمَ وَالْكِفَايَةَ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أَيْ الْكَفَاءَةَ أَعَمُّ مِنْ الشُّجَاعَةِ تَنْتَظِمُ كَوْنَهُ ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ كَيْ لَا يَجْبُنَ عَنْ الِاقْتِصَاصِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْحُرُوبِ الْوَاجِبَةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ؛ وَهَذَا الشَّرْطُ يَعْنِي الشَّجَاعَةَ مِمَّا شَرَطَهُ الْجُمْهُورُ. ثُمَّ قَالَ: وَزَادَ كَثِيرٌ الِاجْتِهَادَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛
وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَلَا الشَّجَاعَةُ لِنُدْرَةِ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ تَفْوِيضُ مُقْتَضَيَاتِ الشَّجَاعَةِ وَالْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ بِالِاسْتِفْتَاءِ لِلْعُلَمَاءِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ فَيَصِحُّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ الْإِمَامَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛
وَإِذَا قُلِّدَ عَدْلًا ثُمَّ جَارَ وَفَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ؛ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْعَزْلُ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ فِتْنَةً؛
وَيَجِبُ أَنْ يُدْعَى لَهُ؛ وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ كَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَلِمَتُهُمْ قَاطِبَةً فِي تَوْجِيهِهِ هُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْا خَلْفَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَبِلُوا الْوِلَايَةَ عَنْهُمْ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مُلُوكًا تَغَلَّبُوا وَالْمُتَغَلِّبُ تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الْأُمُورُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامِ عَدَالَتُهُ؛ وَصَارَ الْحَالُ عِنْدَ التَّغَلُّبِ كَمَا لَمْ يُوجَدْ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ لِغَلَبَةِ الْجَوَرَةِ اهـ كَلَامُ الْمُسَايَرَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ
(قَوْلُهُ وَيُعْزَلُ بِهِ) أَيْ بِالْفِسْقِ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ؛ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ كَمَا عَمِلْت آنِفًا. وَلِذَا لَمْ يَقُلْ يَنْعَزِلُ
(قَوْلُهُ وَتَصِحُّ سَلْطَنَةُ مُتَغَلِّبٍ) أَيْ مَنْ تَوَلَّى بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِلَا مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَإِنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْمَارَّةَ. وَأَفَادَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ بِالتَّقْلِيدِ.
قَالَ فِي الْمُسَايَرَةِ: وَيَثْبُتُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ
إمَّا بِاسْتِخْلَافِ الْخَلِيفَةِ إيَّاهَا كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَإِمَّا بِبَيْعَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ. وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ: يَكْفِي الْوَاحِدُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أُولِي الرَّأْيِ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ بِمَشْهَدِ شُهُودٍ لِدَفْعِ الْإِنْكَارِ إنْ وَقَعَ. وَشَرَطَ الْمُعْتَزِلَةُ خَمْسَةً.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ اشْتِرَاطَ جَمَاعَةٍ دُونَ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِلضَّرُورَةِ) هِيَ دَفْعُ الْفِتْنَةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ» ح
(قَوْلُهُ وَكَذَا صَبِيٌّ) أَيْ تَصِحُّ سَلْطَنَتُهُ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنْ فِي الظَّاهِرِ لَا حَقِيقَةً.
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: تَصِحُّ سَلْطَنَتُهُ ظَاهِرًا
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: مَاتَ السُّلْطَانُ وَاتَّفَقَتْ الرَّعِيَّةُ عَلَى سَلْطَنَةِ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ أُمُورُ التَّقْلِيدِ عَلَى وَالٍ، وَيُعِدُّ هَذَا الْوَالِي نَفْسَهُ تَبَعًا لِابْنِ السُّلْطَانِ لِشَرَفِهِ وَالسُّلْطَانُ فِي الرَّسْمِ هُوَ الِابْنُ،
وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَالِي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِذْنِ بِالْقَضَاءِ وَالْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ اهـ أَيْ لِأَنَّ هَذَا الْوَالِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ السُّلْطَانَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ بِالْقَضَاءِ وَالْجُمُعَةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّهُ سُلْطَانٌ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ بُلُوغُ الِابْنِ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَزْلِهِ عِنْدَ تَوْلِيَةِ ابْنِ السُّلْطَانِ إذَا بَلَغَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ أَنْ يُفَوَّضَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْفَاعِلُ: هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ، لَا الصَّبِيُّ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَضُمِّنَ يُفَوَّضُ مَعْنَى يُلْقَى فَعُدِّيَ بِعَلَى وَإِلَّا فَهُوَ يَتَعَدَّى بِإِلَى
(قَوْلُهُ فِي الرَّسْمِ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ وَالصُّورَةِ
(قَوْلُهُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ) أَيْ فِي أَحْكَامِ الصِّبْيَانِ، وَعَلِمْت عِبَارَتَهُ
(قَوْلُهُ وَفِيهَا) أَيْ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا، وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَرَّ بِنَحْوِ وَرَقَةٍ فَافْهَمْ.
وَذَكَرَ الْحَمَوِيُّ أَنَّ تَجْدِيدَ تَقْلِيدِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا عَزَلَ ذَلِكَ الْوَالِي نَفْسَهُ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ إلَّا بِعَزْلِ نَفْسِهِ وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ. اهـ.
قُلْت قَدْ يُقَالُ: إنَّ سَلْطَنَةَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِمُدَّةِ صِغَرِ ابْنِ السُّلْطَانِ،
فَإِذَا بَلَغَ انْتَهَتْ سَلْطَنَةُ ذَلِكَ الْوَلِيِّ كَمَا قُلْنَاهُ آنِفًا
(قَوْلُهُ رَبْطُ إلَخْ) هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ عَنْ أَخِيهِ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا تَعْرِيفًا لِلِاقْتِدَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَصْدَرُ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْمُتَّبَعُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ لَهَا بِأَنَّهَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ: أَيْ أَنْ يُتْبَعَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَأَمَّا الرَّبْطُ الْمَذْكُورُ، إنْ كَانَ مَصْدَرَ رَبَطَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَعْلُومِ فَهُوَ صِفَةُ الْمُؤْتَمِّ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الِائْتِمَامِ أَيْ الِاقْتِدَاءِ،
وَإِنْ كَانَ مَصْدَرَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَهُوَ صِفَةُ صَلَاةِ الْمُؤْتَمِّ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَرْبُوطَةُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَصْلُحُ تَعْرِيفًا لِلْإِمَامَةِ بَلْ لِلِاقْتِدَاءِ. اهـ. ط عَنْ ح.
وَأَقُولُ: بَقِيَ لِلرَّبْطِ مَعْنًى ثَالِثٌ هُوَ الْمُرَادُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الِارْتِبَاطُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَصِيرُ إمَامًا إلَّا إذَا رَبَطَ الْمُقْتَدِي صَلَاتَهُ بِصَلَاتِهِ، فَنَفْسُ هَذَا الِارْتِبَاطِ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِمَامَةِ، وَهُوَ غَايَةُ الِاقْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ إذَا رَبَطَ صَلَاتَهُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ حَصَلَ لَهُ صِفَةُ الِاقْتِدَاءِ وَالِائْتِمَامِ وَحَصَلَ لِإِمَامِهِ صِفَةُ الْإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ الِارْتِبَاطُ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ بِشُرُوطٍ عَشَرَةٍ) هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْحَقِيقَةِ شُرُوطُ الِاقْتِدَاءِ،
وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فَقَدْ عَدَّهَا فِي نُورِ الْإِيضَاحِ عَلَى حِدَةٍ فَقَالَ: وَشُرُوطُ الْإِمَامَةِ لِلرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالرُّعَافِ وَالْفَأْفَأَةِ وَالتَّمْتَمَةِ وَاللَّثَغِ وَفَقْدِ شَرْطٍ كَطَهَارَةٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ. اهـ. احْتَرَزَ بِالرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ عَنْ النِّسَاءِ الْأَصِحَّاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِنَّ الذُّكُورَةُ؛ وَعَنْ الصِّبْيَانِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِمْ الْبُلُوغُ، وَعَنْ غَيْرِ الْأَصِحَّاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِهِمْ الصِّحَّةُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْإِمَامِ أَقْوَى مِنْ حَالَ الْمُؤْتَمِّ أَوْ مُسَاوِيًا ح.
أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِمَامَةَ غَايَةُ الِاقْتِدَاءِ، فَمَا لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ لَمْ تَثْبُتْ الْإِمَامَةُ، فَتَكُونُ الشُّرُوطُ الْعَشَرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ شُرُوطًا لِلْإِمَامَةِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ الْإِمَامَةِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ السُّنَّةَ الْمَذْكُورَةَ تَصْلُحُ شُرُوطًا لِلِاقْتِدَاءِ أَيْضًا، إذْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِدُونِهَا، فَالسِّتَّةَ عَشَرَ كُلُّهَا شُرُوطٌ لِكُلٍّ مِنْ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْعَشَرَةُ قَائِمَةً بِالْمُقْتَدِي وَالسِّتَّةُ قَائِمَةً بِالْإِمَامِ حَسُنَ جَعْلُ الْعَشَرَةِ شُرُوطًا لِلِاقْتِدَاءِ وَالسِّتَّةِ شُرُوطًا لِلْإِمَامَةِ فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ تَحْرِيرَ هَذَا الْمَقَامِ،
وَقَدْ نَظَمْت هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقُلْت:
شُرُوطُ اقْتِدَاءٍ عَشَرَةٌ قَدْ نَظَمْتهَا ... بِشَعْرٍ كَعِقْدِ الدُّرِّ جَاءَ مُنَضَّدَا تَأَخُّرُ مُؤْتَمٍّ وَعِلْمُ انْتِقَالِ مَنْ ... بِهِ ائْتَمَّ مَعَ كَوْنِ الْمَكَانَيْنِ وَاحِدَا وَكَوْنُ إمَامٍ لَيْسَ دُونَ تَبْعُهُ ... بِشَرْطٍ وَأَرْكَانٍ وَنِيَّةِ الِاقْتِدَا مُشَارَكَةٌ فِي كُلِّ رُكْنٍ وَعِلْمُهُ ... بِحَالِ إمَامٍ حَلَّ أَمْ سَارَ مُبْعَدًا وَأَنْ لَا تُحَاذِيَهُ الَّتِي مَعَهُ اقْتَدَتْ ... وَصِحَّةُ مَا صَلَّى الْإِمَامُ مِنْ ابْتِدَا كَذَاكَ اتِّحَادُ الْفَرْضِ هَذَا تَمَامُهَا ...
وَسِتُّ شُرُوطٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْمَدَا بُلُوغٌ وَإِسْلَامٌ وَعَقْلٌ ذُكُورَةٌ ... قِرَاءَةُ مُجْزٍ فَقَدْ حَذَّرَ بِهِ بَدَا
(قَوْلُهُ نِيَّةُ الْمُؤْتَمِّ) أَيْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، أَوْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي صَلَاتِهِ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهَا أَوْ الدُّخُولِ فِيهَا
بِخِلَافِ نِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَشَرْطُ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلتَّحْرِيمَةِ أَوْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ فَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّيَّةِ ح
(قَوْلُهُ وَاتِّحَادُ مَكَانِهِمَا) فَلَوْ اقْتَدَى رَاجِلٌ بِرَاكِبٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ رَاكِبٌ بِرَاكِبٍ دَابَّةً أُخْرَى لَمْ يَصِحَّ لِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ؛
فَلَوْ كَانَا عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ لِاتِّحَادِهِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ، وَسَيَأْتِي.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهَا حَائِطٌ فَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اعْتِبَارُ الِاشْتِبَاهِ لَا اتِّحَادُ الْمَكَانِ، فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَصَلَاتِهِمَا) أَيْ وَاتِّحَادُ صَلَاتِهِمَا.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالِاتِّحَادُ أَنْ يُمْكِنَهُ الدُّخُولُ فِي صَلَاتِهِ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمَّنَةً لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي. اهـ. فَدَخَلَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ مَنْ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ لَوْ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ الْمُفْتَرِضِ صَحَّتْ نَفْلًا وَلِأَنَّ النَّفَلَ مُطْلَقٌ وَالْفَرْضَ مُقَيَّدٌ، وَالْمُطْلَقُ جَزْءُ الْمُقَيَّدِ فَلَا يُغَايِرُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَعَبَّرَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْ لَا يَكُونَ مُصَلِّيًا فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِهِ اهـ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَصِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَلَوْ تَبَيَّنَ فَسَادُهَا فِسْقًا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نِسْيَانًا لِمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ أَوْ لِوُجُودِ الْحَدَثِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبِنَاءِ؛
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي زَعْمِ الْإِمَامِ فَاسِدَةً فِي زَعْمِ الْمُقْتَدَى لِبِنَائِهِ الْفَاسِدَ فِي زَعْمِهِ فَلَا يَصِحُّ، وَفِيهِ خِلَافٌ وَصُحِّحَ كُلٌّ.
أَمَّا لَوْ فَسَدَتْ فِي زَعْمِ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَعَلِمَهُ الْمُقْتَدِي صَحَّتْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَرَى جَوَازَ صَلَاةِ إمَامِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ رَأْيُ نَفْسِهِ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ) أَيْ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ
(قَوْلُهُ وَعَدَمُ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بِعَقِبِهِ)
فَلَوْ سَاوَاهُ جَازَ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمُقْتَدِي لِكِبَرِ قَدَمِهِ عَلَى قَدَمِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ الْقَدَمِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ: وَتَقَدُّمُ الْإِمَامِ بِعَقِبِهِ عَنْ عَقِبِ الْمُقْتَدِي شَرْطٌ لِصِحَّةِ اقْتِدَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَقِبَ الْمُقْتَدِي غَيْرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَى عَقِبِ الْإِمَامِ لَكِنْ قَدَمُهُ أَطْوَلُ فَتَكُونُ أَصَابِعُهُ قُدَّامَ أَصَابِعِ إمَامِهِ تَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي أَطْوَلَ مِنْ إمَامِهِ فَيَسْجُدُ أَمَامَهُ اهـ وَقَوْلُهُ حَتَّى إلَخْ يَشْمَلُ الْمُسَاوَاةَ، فَلَفْظُ التَّقَدُّمِ الْوَاقِعُ فِي الْمَتْنِ غَيْرُ مَقْصُودٍ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ وَعِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ) أَيْ بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لِلْإِمَامِ أَوْ لِبَعْضِ الْمُقْتَدِينَ رَحْمَتِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ الْمَكَانُ
(قَوْلُهُ وَبِحَالِهِ إلَخْ) أَيْ عِلْمُهُ بِحَالِ إمَامِهِ مِنْ إقَامَةٍ أَوْ سَفَرٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا فِيمَا لَوْ صَلَّى الرَّبَاعِيَةَ رَكْعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ،
فَلَوْ خَارِجَهَا لَا تَفْسُدُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى السَّهْوِ،
وَكَذَا لَوْ أَتَمَّ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
(قَوْلُهُ وَمُشَارَكَتِهِ فِي الْأَرْكَانِ) أَيْ فِي أَصْلِ فِعْلِهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ، إلَّا إذَا أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهَا، فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ،
وَالثَّانِي كَمَا لَوْ رَكَعَ إمَامُهُ وَرَفَعَ ثُمَّ رَكَعَ هُوَ فَيَصِحُّ،
وَالثَّالِثُ عَكْسُهُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا رَكَعَ وَبَقِيَ رَاكِعًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ، فَيَصِحُّ لِوُجُودِ الْمُتَابَعَةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ حَقَّقْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي أَوَاخِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ وَكَوْنُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَرْكَانِ؛ مِثَالُ الْأَوَّلِ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِمِثْلِهِ وَالْمُومِئِ بِهِمَا بِمِثْلِهِ؛ وَمِثَالُ الثَّانِي اقْتِدَاءُ الْمُومِئِ بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ فِيهَا كَاقْتِدَاءِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِالْمُومِئِ بِهِمَا ح.
(قَوْلُهُ وَفِي الشَّرَائِطِ) عَطْفٌ عَلَى فِيهَا: أَيْ وَكَوْنُ الْمُؤْتَمِّ مِثْلَ الْإِمَامِ أَوْ دُونَهُ فِي الشَّرَائِطِ؛ مِثَالُ الْأَوَّلِ اقْتِدَاءُ مُسْتَجْمِعِ الشَّرَائِطِ بِمِثْلِهِ وَالْعَارِي بِمِثْلِهِ، وَمِثَالُ الثَّانِي اقْتِدَاءُ الْعَارِي بِالْمُكْتَسِي، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ فِيهَا كَاقْتِدَاءِ الْمُكْتَسِي بِالْعَارِي ح.
أَقُولُ: وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ تَأْسِيسِ النَّظَرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ اقْتِدَاءُ الْحُرَّةِ بِالْأَمَةِ الْحَاسِرَةِ الرَّأْسِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَوْرَةٍ فِي حَقِّ الْأَمَةِ فَهُوَ كَرَأْسِ الرَّجُلِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْجُودًا فِي أَصْلِ نُسَخِ الْبَحْرِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ بِهَامِشِ بَعْضِ نُسَخِهِ مَعْزِيًّا إلَى خَطِّ مُؤَلَّفِهِ
(قَوْلُهُ قِيلَ وَثُبُوتُهَا إلَخْ) وَقِيلَ مَعْنَاهُ اخْضَعُوا مَعَ الْخَاضِعِينَ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ ح
(قَوْلُهُ نِظَامُ الْأُلْفَةِ) بِتَحْصِيلِ التَّعَاهُدِ بِاللِّقَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ بَيْنَ الْجِيرَانِ بَحْرٌ. وَالْأُلْفَةُ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ اسْمُ الِائْتِلَافِ ح عَنْ الْقَامُوسِ
(قَوْلُهُ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ،
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ بِالْمُسَاوَاةِ
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) قَدَّمْنَا فِي الْأَذَانِ عَنْ مَذْهَبِهِ قَوْلَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ: الْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا، وَالثَّانِي عَكْسُهُ
(قَوْلُهُ وَقَوْلُ عُمَرَ إلَخْ) أَيْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ اشْتِغَالُ الْخَلِيفَةِ بِأُمُورِ الْعَامَّةِ يَمْنَعُهُ عَنْ مُرَاقَبَةِ الْأَوْقَاتِ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْإِمَامَةِ
(قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ كُنْت أَخْتَارُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ
قُلْت: وَمُفَادُهُ أَنَّهَا أَفْصِلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ
(قَوْلُهُ قَالَ الزَّاهِدِيُّ إلَخْ) تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْآتِي، وَبَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا وَاحِدٌ أَخْذًا مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ.
وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْمُفِيدِ: الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ، وَسُنَّةٌ لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ اهـ وَهَذَا كَجَوَابِهِمْ عَنْ رِوَايَةِ سُنِّيَّةِ الْوِتْرِ بِأَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ
قَالَ فِي النَّهْرِ: إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا مَرَّةً بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ إثْمًا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ. والْخرَاسانِيُّون نَ عَلَى أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَ التَّرْكَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالْأَحْكَامُ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، مِنْ أَنَّ تَارِكَهَا بِلَا عُذْرٍ يُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَيَأْثَمُ الْجِيرَانُ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ، وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى التَّرْكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ» كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ نَحْوُ بَنُو فُلَانٍ يَأْكُلُونَ الْبُرَّ: أَيْ عَادَتُهُمْ، فَالْوَاجِبُ الْحُضُورُ أَحْيَانًا، وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْهُ الْمُوَاظَبَةُ. اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا مَرَّةً مَبْنِيًّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ وَجَمَاعَةٍ،
فَإِذَا تَرَكَهَا الْكُلُّ مَرَّةً بِلَا عُذْرٍ أَثِمُوا فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فَشُرِطَ) بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعِيدِ؛
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا فَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ؛ ثُمَّ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الصِّحَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اهـ أَيْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وُقُوعِهَا وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَهْلِ مَحَلَّةٍ، لِمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ بَحْثِ التَّرَاوِيحِ، مِنْ أَنَّ إقَامَتَهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ، كُلُّهُمْ الْجَمَاعَةَ فَقَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ وَأَسَاءُوا فِي ذَلِكَ،
وَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَقَدْ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ اهـ
(قَوْلُهُ عَلَى قَوْلٍ) وَغَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ بَلْ يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَهُمَا قَوْلَانِ مُصَحَّحَانِ وَسَيَأْتِي قَبِيلَ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ تَرْجِيحُ الثَّانِي بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ
(قَوْلُهُ وَفِي وِتْرِ غَيْرِهِ إلَخْ) كَرَاهَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، وَوَفَّقَ فِي الْحِلْيَةِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَالثَّانِي عَلَى الْفِعْلِ أَحْيَانًا، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي) بِأَنْ يَقْتَدِيَ أَرْبَعَةٌ فَأَكْثَرُ بِوَاحِدٍ
(قَوْلُهُ وَسَنُحَقِّقُهُ) أَيْ قَبِيلَ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ.
[تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَرَاهَتُهَا.
وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ: وَقِيلَ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ) أَيْ تَحْرِيمًا لِقَوْلِ الْكَافِي لَا يَجُوزُ وَالْمَجْمَعُ لَا يُبَاحُ وَشَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا فِي رِسَالَةِ السِّنْدِيِّ
(قَوْلُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ: أَجْمَعُ مِمَّا هُنَا وَنَصُّهَا: يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، إلَّا إذَا صَلَّى بِهِمَا فِيهِ أَوَّلًا غَيْرُ أَهْلِهِ، لَوْ أَهْلَهُ لَكِنْ بِمُخَافَتَةِ الْأَذَانِ،
وَلَوْ كَرَّرَ أَهْلُهُ بِدُونِهِمَا أَوْ كَانَ مَسْجِدَ طَرِيقٍ جَازَ إجْمَاعًا؛ كَمَا فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ وَلَا مُؤَذِّنٌ وَيُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ فَوْجًا فَوْجًا،
فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى حِدَةٍ كَمَا فِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الدُّرَرِ، وَالْمُرَادُ بِمَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ مَا لَهُ إمَامٌ وَجَمَاعَةٌ مَعْلُومُونَ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْمَنْبَعِ: وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسْجِدِ الْمُخْتَصِّ بِالْمَحَلَّةِ احْتِرَازٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَبِالْأَذَانِ الثَّانِي احْتِرَازًا عَمَّا إذَا صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ جَمَاعَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ حَيْثُ يُبَاحُ إجْمَاعًا. اهـ. ثُمَّ
قَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ النَّافِي لِلْكَرَاهَةِ مَا نَصُّهُ: وَلَنَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ قَوْمٍ فَعَادَ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَصَلَّى» وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا اخْتَارَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلِأَنَّ فِي الْإِطْلَاقِ هَكَذَا تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ مَعْنًى، فَإِنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا تَفُوتُهُمْ.
وَأَمَّا مَسْجِدُ الشَّارِعِ فَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِفَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا، وَمُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ كَرَاهَةُ التَّكْرَارِ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ وَلَوْ بِدُونِ أَذَانٍ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ الْمَسْجِدَ بَعْدَ مَا صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ اهـ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ الْمَارَّةِ، وَعَنْ هَذَا ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا إنْكَارُهُ صَرِيحًا حِينَ حَضَرَ الْمَوْسِمَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ٥٥١ مِنْهُمْ الشَّرِيفُ الْغَزْنَوِيُّ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ أَفْتَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَنُقِلَ إنْكَارُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَضَرُوا الْمَوْسِمَ سَنَةَ ٥٥١ اهـ وَأَقَرَّهُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ لَيْسَ لَهُ جَمَاعَةٌ مَعْلُومُونَ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَسْجِدُ مَحَلَّةٍ، بَلْ هُوَ كَمَسْجِدِ شَارِعٍ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ إجْمَاعًا فَلْيُتَأَمَّلْ، هَذَا وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْأَذَانِ عَنْ آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْأُولَى لَا تُكْرَهُ وَإِلَّا تُكْرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِالْعُدُولِ عَنْ الْمِحْرَابِ تَخْتَلِفُ الْهَيْئَةُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ انْتَهَى.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَبِهِ نَأْخُذُ
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ) لِحَدِيثِ «اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» أَخْرَجَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَمَزَ لِضَعْفِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ اهـ أَيْ فَإِنَّ أَقَلَّهَا فِيهَا ثَلَاثَةٌ صَالِحُونَ لِلْإِمَامَةِ سِوَى الْإِمَامِ، مِثْلُهَا الْعِيدُ لِقَوْلِهِمْ: يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ صِحَّةً وَأَدَاءً سِوَى الْخُطْبَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاحِدُ الْمُقْتَدِي صَبِيًّا مُمَيِّزًا.
قَالَ فِي السِّرَاجِ: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي جَمَاعَةً وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ اهـ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ بَحْرٌ.
قَالَ ط: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُتَنَقِّلٌ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمِثْلِهِ هَلْ يَزِيدُ ثَوَابُهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا لِأُصَلِّيَ بِكُمْ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْته بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ»
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ أَفْضَلَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ)
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْجِنِّيِّ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ.
بِخِلَافِ إمَامَةِ الْمَلَكِ فَإِنَّهُ مُتَنَفِّلٌ وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ لِخُصُوصِ التَّعْلِيمِ مَعَ احْتِمَالِ الْإِعَادَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ط
(قَوْلُهُ أَشْبَاهٌ) عِبَارَتُهَا فِي بَحْثِ أَحْكَامِ الْجَانِّ: وَمِنْهَا انْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ بِالْجِنِّ، ذَكَرَهُ الْأَسْيُوطِيُّ عَنْ صَاحِبِ [آكَامِ الْمَرْجَانِ] مِنْ أَصْحَابِنَا، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ، وَفِيهِ «فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي أَدْرَكَهُ شَخْصَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا نُحِبُّ أَنْ تَؤُمَّنَا فِي صَلَاتِنَا، قَالَ: فَصَفَّهُمَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى بِنَا ثُمَّ انْصَرَفَ» وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مُنْفَرِدًا ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَمِنْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْجِنِّيِّ، ذَكَرَهُ فِي آكَامِ الْمَرْجَانِ اهـ أَقُولُ: وَمَا نَقَلَهُ عَنْ السُّبْكِيّ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ «إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
وَمُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْجَهْرِ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْأَذَانِ التَّصْرِيحَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ فِي الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِحَلِفِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ عِنْدَنَا وَلَا سِيَّمَا وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَنَا، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ عُرْفًا وَشَرْعًا وَإِلَّا لَأَخَذَ أَحْكَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ مَرَّ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَهْرُ إلَّا إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ،
وَكَذَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي: لَا يَؤُمُّ أَحَدًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ انْعِقَادَ الْجَمَاعَةِ بِاقْتِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ أَحْكَامَهَا إذَا كَانُوا عَلَى صُورَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلِهَذَا لَوْ جَامَعَ جِنِّيٌّ امْرَأَةً وَوَجَدَتْ لَذَّةً لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْ جَاءَهَا عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ
وَكَذَا يُقَالُ فِي إمَامَةِ الْجِنِّيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.