فَابْتَلَعَهُ وَانْتِقَالُهُ مِنْ صَلَاةٍ إلَى مُغَايِرَتِهَا وَقِرَاءَتُهُ مِنْ مُصْحَفٍ مُطْلَقًا
الشروح عليها
(فَابْتَلَعَهُ) أَمَّا الْمَضْغُ فَمُفْسِدٌ كَسُكَّرِ فِي فِيهِ يَبْتَلِعُ ذَوْبَهُ (وَ) يُفْسِدُهَا (انْتِقَالُهُ مِنْ صَلَاةٍ إلَى مُغَايِرَتِهَا) وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ أَوْ عَكْسَهُ صَارَ مُسْتَأْنِفًا
بِخِلَافِ نِيَّةِ الظُّهْرِ بَعْدَ رَكْعَةِ الظُّهْرِ إلَّا إذَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ فَيَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا مُطْلَقًا (وَقِرَاءَتُهُ مِنْ مُصْحَفٍ) أَيْ مَا فِيهِ قُرْآنٌ (مُطْلَقًا) لِأَنَّهُ تَعَلُّمٌ إلَّا إذَا كَانَ حَافِظًا لِمَا قَرَأَهُ وَقَرَأَ بِلَا حَمْلٍ،
وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ إلَّا بِآيَةٍ: وَاسْتَظْهَرَهُ الْحَلَبِيّ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ بِلَا كَرَاهَةٍ وَهُمَا بِهَا لِلتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: أَيْ إنْ قَصَدَهُ؛
فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِهِمْ لَا يُكْرَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ فِي الْمَذْمُومِ وَفِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّشَبُّهُ، كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ أَمَّا الْمَضْغُ فَمُفْسِدٌ) أَيْ إنْ كَثُرَ وَتَقْدِيرُهُ بِالثَّلَاثِ الْمُتَوَالِيَاتِ كَمَا فِي غَيْرِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ: وَلَوْ مَضَغَ الْعِلْكَ كَثِيرًا فَسَدَتْ،
وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي فِيهِ إهْلِيلَجَةٌ فَلَاكَهَا،
فَإِنْ دَخَلَ فِي حَلْقِهِ مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلُوكَهَا لَا تَفْسُدُ،
وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ فَسَدَتْ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَسُكَّرٍ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمُفْسِدَ
إمَّا الْمَضْغُ الْكَثِيرُ أَوْ وُصُولُ عَيْنِ الْمَأْكُولِ إلَى الْجَوْفِ بِخِلَافِ الطَّعْمِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ وَابْتَلَعَ عَيْنَهَا فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَلَاوَتَهَا فِي فِيهِ وَابْتَلَعَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ،
وَلَوْ أَدْخَلَ الْفَانِيدَ أَوْ السُّكَّرَ فِي فِيهِ وَلَمْ يَمْضُغْهُ لَكِنْ يُصَلِّي وَالْحَلَاوَةُ تَصِلُ إلَى جَوْفِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُفْسِدُهَا انْتِقَالُهُ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ الِانْتِقَالَ الْمَذْكُورَ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: بِأَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا ثُمَّ افْتَتَحَ الْعَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ بِتَكْبِيرَةٍ،
فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ كَانَ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَمُحَمَّدٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ سَقَطَ لِلضَّيِّقِ أَوْ لِلْكَثْرَةِ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ لِأَنَّهُ نَوَى تَحْصِيلَ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ فَخَرَجَ عَنْ الْأَوَّلِ، فَمَنَاطُ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَوَّلِ صِحَّةُ الشُّرُوعِ فِي الْمُغَايِرِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، فَلِذَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ إمَامَةَ النِّسَاءِ فَسَدَ الْأَوَّلُ وَكَانَ شَارِعًا فِي الثَّانِي،
وَكَذَا لَوْ نَوَى نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ شَرَعَ فِي جِنَازَةٍ فَجِيءَ بِأُخْرَى فَكَبَّرَ يَنْوِيهِمَا أَوْ الثَّانِيَةَ يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا عَلَى الثَّانِيَةِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ عَكْسَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مُنْفَرِدًا ح
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ نِيَّةِ الظُّهْرِ إلَخْ) أَيْ نِيَّتِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: يَعْنِي لَوْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاسْتِئْنَافَ لِلظُّهْرِ بِعَيْنِهَا لَا يَفْسُدُ مَا أَدَّاهُ وَيَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، حَتَّى لَوْ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بَعْدَهَا وَلَمْ يَقْعُدْ فِي آخِرِهَا حَتَّى صَلَّى رَابِعَةً فَسَدَتْ الصَّلَاةُ وَلَغَتْ النِّيَّةُ الثَّانِيَةُ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ انْتَقَلَ إلَى الْمُغَايِرَةِ أَوْ الْمُتَّحِدَةِ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ كَلَامٌ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى، فَصَحَّ الشُّرُوعُ الثَّانِي
(قَوْلُهُ أَيْ مَا فِيهِ قُرْآنٌ) عَمَّمَهُ لِيَشْمَلَ الْمِحْرَابَ، فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَ مَا فِيهِ فَسَدَتْ فِي الصَّحِيحِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، أُمِّيًّا لَا يُمْكِنُهُ الْقِرَاءَةُ إلَّا مِنْهُ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَعَلُّمٌ) ذَكَرُوا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي عِلَّةِ الْفَسَادِ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرِ فِيهِ وَتَقْلِيبِ الْأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ تَلَقُّنٌ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ. وَعَلَى الثَّانِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ عِنْدَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ وَصَحَّحَ الثَّانِي فِي الْكَافِي تَبَعًا لِتَصْحِيحِ السَّرَخْسِيِّ؛ وَعَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْقِرَاءَةِ إلَّا مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَلَّى بِلَا قِرَاءَةٍ ذَكَرَ الْفَضْلِيُّ أَنَّهَا تُجْزِيهِ وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرَةِ عَدَمَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الضَّعِيفِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ إلَخْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مُضَافَةٌ إلَى حِفْظِهِ لَا إلَى تَلَقُّنِهِ مِنْ الْمُصْحَفِ، وَمُجَرَّدُ النَّظَرِ بِلَا حَمْلٍ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِعَدَمِ وَجْهَيْ الْفَسَادِ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّازِيّ، وَتَبِعَهُ السَّرَخْسِيُّ وَأَبُو نَصْرِ الصَّفَّارِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَالنِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ فَلِذَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ) تَقْيِيدٌ آخَرُ لِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ: وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ،
وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ مَا لَمْ يَقْرَأْ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ،
وَقِيلَ مَا لَمْ يَقْرَأْ آيَةً، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ مِقْدَارُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ
(قَوْلُهُ وَهُمَا بِهَا) أَيْ وَجَوَّزَهُ الصَّاحِبَانِ بِالْكَرَاهَةِ. مَطْلَبٌ فِي التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّشَبُّهَ بِهِمْ لَا يُكْرَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ) فَإِنَّا نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ كَمَا يَفْعَلُونَ بَحْرٌ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ قُبَيْلَ كِتَابِ التَّحَرِّي. قَالَ هِشَامٌ: رَأَيْت عَلَى أَبِي يُوسُفَ نَعْلَيْنِ مَخْصُوفِينَ بِمَسَامِيرَ، فَقُلْت: أَتَرَى بِهَذَا الْحَدِيدِ بَأْسًا؟ قَالَ لَا
قُلْت: سُفْيَانُ وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ كَرِهَا ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرُّهْبَانِ؛ فَقَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَهَا شَعْرٌ» وَإِنَّهَا مِنْ لِبَاسِ الرُّهْبَانِ. فَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّ صُورَةَ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ صَلَاحُ الْعِبَادِ لَا يَضُرُّ،
فَإِنَّ الْأَرْضَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِيهَا إلَّا بِهَذَا النَّوْعِ. اهـ وَفِيهِ إشَارَةٌ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشَبُّهِ أَصْلُ الْفِعْلِ: أَيْ صُورَةُ الْمُشَابَهَةِ بِلَا قَصْدٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.