وَعَدُّ الْآيِ وَالسُّوَرِ وَالتَّسْبِيحِ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لَا قَتْلُ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبٍ مُطْلَقًا وَصَلَاةٌ إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ ومُصْحَفٍ أَوْ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا
الشروح عليها
(وَ) كُرِهَ تَنْزِيهًا (عَدُّ الْآيِ وَالسُّوَرِ وَالتَّسْبِيحِ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا) وَلَوْ نَفْلًا،
أَمَّا خَارِجَهَا فَلَا يُكْرَهُ كَعَدِّهِ بِقَلْبِهِ أَوْ بِغَمْزِهِ أَنَامِلَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنْ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ.
فَرْعٌ] لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ لِغَيْرِ رِيَاءٍ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ. (لَا) يُكْرَهُ (قَتْلُ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبٍ) إنْ خَافَ الْأَذَى، إذْ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ لَنَا، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْحَيَّةِ الْبَيْضَاءِ لِخَوْفِ الْأَذَى (مُطْلَقًا) وَلَوْ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَكِنْ صَحَّحَ الْحَلَبِيُّ الْفَسَادَ. (وَ) لَا يُكْرَهُ (صَلَاةٌ إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ) أَوْ قَائِمٍ وَلَوْ (يَتَحَدَّثُ) إلَّا إذَا خِيفَ الْغَلَطُ بِحَدِيثِهِ (و) لَا إلَى (مُصْحَفٍ أَوْ سَيْفٍ مُطْلَقًا أَوْ شَمَعٍ أَوْ سِرَاجٍ أَوْ نَارٍ تُوقَدُ) ، لِأَنَّ الْمَجُوسَ إنَّمَا تَعْبُدُ الْجَمْرَ لَا النَّارَ الْمُوقَدَةَ قُنْيَةٌ (أَوْ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا) لِمَا مَرَّ [فُرُوعٌ] يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَالِاعْتِجَارُ وَالتَّلَثُّمُ وَالتَّنَخُّمُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ بِلَا عُذْرٍ؛
كَتَعَرُّضٍ لِقَمْلَةٍ قَبْلَ الْأَذَى، وَتَرْكُ كُلِّ سُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ، وَحَمْلُ الطِّفْلِ، وَمَا وَرَدَ نُسِخَ بِحَدِيثِ «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» .
وَيُبَاحُ قَطْعُهَا لِنَحْوِ قَتْلِ حَيَّةٍ، وَنَدِّ دَابَّةٍ، وَفَوْرِ قِدْرٍ، وَضَيَاعِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ وَقْتٍ أَوْ جَمَاعَةٍ
وَيَجِبُ لِإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ وَغَرِيقٍ وَحَرِيقٍ، لَا لِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بِلَا اسْتِغَاثَةٍ إلَّا فِي النَّفْلِ،
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَجَابَهُ
(قَوْلُهُ بِالْيَدِ) أَيْ بِأَصَابِعِهِ أَوْ بِسُبْحَةٍ يُمْسِكُهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ نَفْلًا) بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ الصَّاحِبَيْنِ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ،
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَرَائِضِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي النَّوَافِلِ اتِّفَاقًا،
وَقِيلَ فِي النَّوَافِلِ وَلَا خِلَافَ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفَرَائِضِ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ) هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ نَهْرٌ. وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَ النَّوَوِيُّ إسْنَادَهُ عَنْ يُسَيْرَةَ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» " وَتَمَامُهُ فِي الْحِلْيَةِ
(قَوْلُهُ كَعَدِّهِ إلَخْ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِالْيَدِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: أَمَّا الْغَمْزُ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْحِفْظُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ اتِّفَاقًا، وَالْعَدُّ بِاللِّسَانِ مُفْسِد اتِّفَاقًا اهـ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِالْقَلْبِ لِإِخْلَالِهِ بِالْخُشُوعِ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ
[فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ لِغَيْرِ رِيَاءٍ] مَطْلَبٌ الْكَلَامُ عَلَى اتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ
(قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمِسْبَحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ: آلَةُ التَّسْبِيحِ، وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَالْخَزَائِنِ بِدُونِ مِيمٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: السُّبْحَةُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَةٌ، وَهُوَ يُقْتَضَى كَوْنَهَا عَرَبِيَّةً.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَجَمْعُهَا مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. اهـ.
وَالْمَشْهُورُ شَرْعًا إطْلَاقُ السُّبْحَةِ بِالضَّمِّ عَلَى النَّافِلَةِ.
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ فِيهَا. وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحَ الْإِسْنَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: أُخْبِرُك بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْك مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْل ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ» : فَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا أَرْشَدَهَا إلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَا يَزِيدُ السُّبْحَةُ عَلَى مَضْمُونِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا بِضَمِّ النَّوَى فِي خَيْطٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَنْعِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ نُقِلَ اتِّخَاذُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْأَخْيَارِ وَغَيْرِهِمْ؛ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَفْضَلِيَّةِ هَذَا الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ عَلَى ذِكْرٍ مُجَرَّدٍ عَنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَلَوْ تَكَرَّرَ يَسِيرًا كَذَا فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ لَا يُكْرَهُ قَتْلُ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ»" نَهْرٌ
وَأَمَّا قَتْلُ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ إنْ خَافَ الْأَذَى) أَيْ بِأَنْ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَافَ الْأَذَى وَإِلَّا فَيُكْرَهُ نِهَايَةٌ.
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُ الْعَقْرَبِ بِالنَّعْلِ الْيُسْرَى إنْ أَمْكَنَ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد كَذَلِكَ وَيُقَاسَ عَلَيْهِ الْحَيَّةُ (قَوْلُهُ إذْ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُمَا مُسْتَحَبًّا لِلْأَمْرِ بِالْقَتْلِ. ط (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى إلَخْ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لِمَنْفَعَتِنَا، فَمَا يُخْشَى مِنْهُ الْأَذَى الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَهُوَ قَتْلُ الْحَيَّةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي تَمْشِي مُسْتَوِيَةً لِأَنَّهَا جَانٌّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، «اُقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحَيَّةَ الْبَيْضَاءَ فَإِنَّهَا مِنْ الْجِنِّ» ، كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْكُلِّ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهِدَ مَعَ الْجِنِّ أَنْ لَا يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ، فَإِذَا دَخَلُوا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ» وَالْأَوْلَى هُوَ الْإِعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ، فَيُقَالُ: ارْجِعْ بِإِذْنِ اللَّهِ،
فَإِنْ أَبِي قَتَلَهُ اهـ يَعْنِي الْإِنْذَارَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بَحْرٌ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَوَافَقَ الطَّحَاوِيَّ غَيْرُ وَاحِدٍ آخِرُهُمْ شَيْخُنَا،
يَعْنِي ابْنُ الْهُمَامِ فَقَالَ:
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلَامَةُ الْجِنِّ لَا لِلْحُرْمَةِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ. اهـ. وَالطُّفْيَتَانِ: بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ الْخَطَّانِ الْأَسْوَدَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ وَالْأَبْتَرِ: الْأَفْعَى، قِيلَ هُوَ جِنْسُ كَأَنَّهُ مَقْطُوعُ الذَّنْبِ،
وَقِيلَ صِنْفٌ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنْبِ إذَا نَظَرَتْ إلَيْهِ الْحَامِلُ أَلْقَتْ. اهـ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) كَذَا قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ،
وَقَالَ لِأَنَّهُ عَمَلٌ رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُصَلِّي، فَهُوَ كَالْمَشْيِ بَعْدَ الْحَدَثِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ الْحَلَبِيُّ الْفَسَادَ) حَيْثُ قَالَ تَبَعًا لِابْنِ الْهُمَامِ: فَالْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ هُوَ الْفَسَادُ، وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، بَلْ الْأَمْرُ فِي مِثْلِهِ لِإِبَاحَةِ مُبَاشَرَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ. اهـ. وَنُقِلَ كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إنَّ مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ رَدَّهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ رُوَاةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَبْسُوطُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يُبَاحُ. اهـ.
(قَوْلُهُ إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ إلَخْ) قَيَّدَ بِالظَّهْرِ احْتِرَازًا عَنْ الْوَجْهِ فَإِنَّهَا تُكْرَهُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ،
وَفِي قَوْلِهِ يَتَحَدَّثُ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لَوْ لَمْ يَتَحَدَّثْ بِالْأَوْلَى، وَلِذَا زَادَ الشَّارِحُ " وَلَوْ " وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَفَادَ بِهِ نَفْيَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِحَضْرَةِ الْمُتَحَدِّثِينَ،
وَكَذَا بِحَضْرَةِ النَّائِمِينَ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُصَلُّوا خَلَفَ نَائِمٍ وَلَا مُتَحَدِّثٍ» فَضَعِيفٌ. وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهَا وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ» ، رَوَيَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ نَائِمَةً، وَمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «نُهِيتُ أَنْ أُصَلِّيَ إلَى النِّيَامِ وَالْمُتَحَدَّثِينَ» " فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ لَهُمْ أَصْوَاتٌ يُخَافُ مِنْهَا التَّغْلِيطُ أَوْ الشَّغْلُ،
وَفِي النَّائِمِينَ إذَا خَافَ ظُهُورَ شَيْءٍ يُضْحِكُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ مُعَلَّقًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّقٍ،
وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مُعَلَّقٌ غَيْرُ قَيْدٍ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَجْهُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ كَرَاهَةَ اسْتِقْبَالِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِاعْتِبَارِ التَّشَبُّهِ بِعُبَّادِهَا وَالْمُصْحَفُ وَالسَّيْفُ لَمْ يَعْبُدْهُمَا أَحَدٌ، وَاسْتِقْبَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُصْحَفِ لِلْقِرَاءَةِ مِنْهُ لَا لِلْعِبَادَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ لِلْقِرَاءَةِ، وَلِذَا قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُعَلَّقًا وَكَوْنُ السَّيْفِ آلَةُ الْحَرْبِ مُنَاسِبٌ لِحَالِ الِابْتِهَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا حَالُ الْمُحَارَبَةِ مَعَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَعَنْ هَذَا سُمِّيَ الْمِحْرَابُ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَوْ شَمَعٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْأَوْجَهِ وَالسُّكُونُ ضَعِيفٌ مَعَ أَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَيَنْبَغِي الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ كَانَ عَلَى جَانِبَيْهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بَحْرٌ: أَيْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ؛
أَمَّا الْمُقَابِلُ لَهَا مِنْ الْقَوْمِ فَتَلْحَقُهُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مُقَابِلِ الْمُخْتَارِ رَمْلِيٌّ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَجُوسَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ ط
(قَوْلُهُ قُنْيَةٌ) ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْقُنْيَةِ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ.
وَنَصُّهُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَمَعٌ أَوْ سِرَاجٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُمَا أَحَدٌ وَالْمَجُوسُ يَعْبُدُونَ الْجَمْرَ لَا النَّارَ الْمُوقَدَةَ، حَتَّى قِيلَ لَا يُكْرَهُ إلَى النَّارِ الْمُوقَدَةِ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوقَدَةِ الَّتِي لَهَا لَهَبٌ، لَكِنْ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: تُكْرَهُ إلَى شَمَعٍ أَوْ سِرَاجٍ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَانُونٌ فِيهِ جَمْرٌ أَوْ نَارٌ مُوقَدَةٌ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْمُوقَدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْجَمْرِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ كَوْنُهَا مُهَانَةً ح [فُرُوعٌ اشْتِمَالُ الصَّلَاة عَلَى الصَّمَّاءِ وَالِاعْتِجَارُ وَالتَّلَثُّمُ وَالتَّنَخُّمُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ بِلَا عُذْرٍ]
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْهَا، وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ بِثَوْبِهِ فَيُخَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ وَلَا يَرْفَعَ جَانِبًا يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْهُ؛ سُمِّيَ بِهِ لِعَدَمِ مَنْفَذٍ يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ
وَقِيلَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إزَارٌ، وَهُوَ اشْتِمَالُ الْيَهُودِ زَيْلَعِيٌّ. وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِالنَّهْيِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ كَمَا مَرَّ فِي نَظَائِرِهِ
(قَوْلُهُ وَالِاعْتِجَارُ) لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ، وَهُوَ شَدُّ الرَّأْسِ، أَوْ تَكْوِيرُ عِمَامَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ مَكْشُوفًا
وَقِيلَ أَنْ يَتَنَقَّبَ بِعِمَامَتِهِ فَيُغَطِّيَ أَنْفَهُ
إمَّا لِلْحَرِّ أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ لِلتَّكَبُّرِ إمْدَادٌ، وَكَرَاهَتُهُ تَحْرِيمِيَّةٌ أَيْضًا لِمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ وَالتَّلَثُّمُ) وَهُوَ تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ حَالَ عِبَادَتِهِمْ النِّيرَانَ زَيْلَعِيٌّ. وَنَقَلَ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ
(قَوْلُهُ وَالتَّنَخُّمُ) هُوَ إخْرَاجُ النُّخَامَةِ بِالنَّفَسِ الشَّدِيدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَحُكْمُهُ كَالتَّنَحْنُحِ فِي تَفْصِيلِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَيْ فَإِنْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ وَخَرَجَ بِهِ حَرْفَانِ أَوْ أَكْثَرُ أَفْسَدَ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالتَّخَتُّمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَيْسَ الْخَاتَمُ فِي الصَّلَاةِ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ
(قَوْلُهُ وَكُلُّ عَمَلٍ قَلِيلٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ
(قَوْلُهُ كَتَعَرُّضٍ. لِقَمْلَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْقَتْلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ إنَّمَا اخْتَارَ الدَّفْنَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ عَنْ إصَابَةِ الدَّمِ يَدَ الْقَاتِلِ أَوْ ثَوْبَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ، هَذَا إذَا تَعَرَّضَتْ الْقَمْلَةُ وَنَحْوُهَا بِالْأَذَى وَإِلَّا كُرِهَ الْأَخْذُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؛
أَمَّا فِيهِ فَلَا بَأْسَ. بِالْقَتْلِ بِشَرْطِ تَعَرُّضِهَا لَهُ بِالْأَذَى، وَلَا يَطْرَحُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِطَرِيقِ الدَّفْنِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْفَرُ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلُ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَدْفِنُهَا فِي الصَّلَاةِ أَيْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَفَنَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَسَاءَ. اهـ.
وَفِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْيَنْبُوعِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ طَرْحُ الْقَمْلِ فِي الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ مَيِّتًا حَرُمَ لِنَجَاسَتِهِ،
وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ بِالْجُوعِ،
بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ التُّرَابَ، وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ طَرْحُ الْقَمْلِ حَيًّا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا. اهـ.
قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْقَاءُ قِشْرِ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ. اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعِلَّةَ تَقْذِيرُ الْمَسْجِدِ وَإِلَّا فَالْمُصَرَّحُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ. مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى
(قَوْلُهُ وَتَرْكُ كُلِّ سُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ) السُّنَّةُ قِسْمَانِ: سُنَّةُ هَدْيٍ وَهِيَ الْمُؤَكَّدَةُ وَسُنَّةُ زَوَائِدَ. وَالْمُسْتَحَبُّ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمَنْدُوبُ، أَوْ هُمَا قِسْمَانِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُنَّةً وَقَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ: الْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ إنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً قَوِيَّةً لَا يَبْعُدُ كَوْنُ تَرْكِهَا مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا،
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ فَتَرْكُهَا مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ أَوْ الْمَنْدُوبُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ تَرْكُهُ أَصْلًا، لِقَوْلِهِمْ، يُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْأَضْحَى أَنْ لَا يَأْكُلَ أَوَّلًا إلَّا مِنْ أُضْحِيَّتِهِ؛
وَلَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يُكْرَهْ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا مَرْجِعُهُ إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ خِلَافُ الْأَوْلَى. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ اهـ
وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ، بِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ نَهْيٍ كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى
بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى أَعَمُّ، فَكُلُّ مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا عَكْسَ لِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى قَدْ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا حَيْثُ لَا دَلِيلَ خَاصَّ كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ كَوْنَ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ رَاجِعًا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا إلَّا بِنَهْيٍ خَاصٍّ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَحَمْلُ الطِّفْلِ) أَيْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ
(قَوْلُهُ وَمَا وَرَدَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ هُوَ أَنَّهُ: كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَاذَا قَامَ حَمَلَهَا» " وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ حَدِيثَ «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقِصَّةُ أُمَامَةَ بَعْدَهَا وَمِنْهَا مَا فِي الْبَدَائِعِ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُكْرَهْ مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ يَحْفَظُهَا، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْسِدٍ،
وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي زَمَانِنَا لَا يُكْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنَّا فِعْلُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ،
أَمَّا بِدُونِهَا فَمَكْرُوهٌ. اهـ. وَقَدْ أَطَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ كَوْنَهُ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ، فَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ،
وَإِنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ، وَمَا فِي جَوْفِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فِي مَعْدِنِهِ؛
وَأَنَّ ثِيَابَ الْأَطْفَالِ - وَأَجْسَادِهِمْ طَاهِرَةٌ حَتَّى تَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا،
وَأَنَّ الْأَفْعَالَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَةً لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَضْلًا عَنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ - إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَمَامُهُ فِيهِ.
[تَتِمَّةٌ] بَقِيَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ أَشْيَاءُ أُخَرُ ذَكَرَهَا فِي الْمُنْيَةِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْهَا الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ مَا يَشْغَلُ الْبَالَ وَيُخِلُّ بِالْخُشُوعِ كَزِينَةٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، وَلِذَلِكَ كُرِهَتْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ قُبَيْلَ بَابِ الْقُرْآنِ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي جَعْلُ نَحْوِ نَعْلِهِ خَلْفَهُ لِشَغْلِ قَلْبِهِ. وَمِنْهَا مَا فِي الْخَزَائِنِ تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ، وَالْهَرْوَلَةُ لِلصَّلَاةِ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَصًا فِي الْفَرْضِ بِلَا عُذْرٍ لَا فِي النَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْفَسَادِ شَاذٌّ وَإِتْمَامُ الْقِرَاءَةِ رَاكِعًا وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ؛
وَرَفْعِ الرَّأْسِ وَوَضْعِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ فِي مَظَانِّ النَّجَاسَةِ كَمَقْبَرَةٍ وَحَمَّامٍ؛ إلَّا إذَا غَسَلَ مَوْضِعًا مِنْهُ وَلَا تِمْثَالَ؛ أَوْ صَلَّى فِي مَوْضِعِ نَزْعِ الثِّيَابِ، أَوْ كَانَ فِي الْمَقْبَرَةِ مَوْضِعٌ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ وَلَا قَبْرَ وَلَا نَجَاسَةَ فَلَا بَأْسَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ. وَتَقَدَّمَ تَمَامُ هَذَا فِي بَحْثِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي جِهَةِ قَبْرٍ إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ كَمَا فِي جَنَائِزِ الْمُضْمَرَاتِ.
(قَوْلُهُ وَيُبَاحُ قَطْعُهَا) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا كَمَا فِي الْإِمْدَادِ
(قَوْلُهُ لِنَحْوِ قَتْلِ حَيَّةٍ) أَيْ بِأَنْ يَقْتُلَهَا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ، بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَصْحِيحِ الْفَسَادِ بِهِ
(قَوْلُهُ وَنَدِّ دَابَّةٍ) أَيْ هَرَبِهَا،
وَكَذَا لِخَوْفِ ذِئْبٍ عَلَى غَنْمٍ نُورُ الْإِيضَاحِ
(قَوْلُهُ وَفَوْرِ قِدْرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ فَوَاتِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ؛ سَوَاءٌ كَانَ مَا فِي الْقِدْرِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ وَضَيَاعِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ)
قَالَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ: لِأَنَّ مَا دُونَهُ حَقِيرٌ فَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِهِ؛ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّ الْحَبْسَ بِالدَّانَقِ يَجُوزُ، فَقَطْعُ الصَّلَاةِ أَوْلَى، وَهَذَا فِي مَالِ الْغَيْرِ،
أَمَّا فِي مَالِهِ لَا يَقْطَعُ.
وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ فِيهِمَا اهـ وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ التَّقْيِيدُ بِالدِّرْهَمِ
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ) كَذَا فِي مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَنُورِ الْإِيضَاحِ، لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَزَائِنِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ، مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ أَيْ يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا فَأَتَمَّهَا يَأْثَمُ لِأَدَائِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ لَا مُسْتَحَبٌّ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَارُّ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ.
لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُسَوِّغًا فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت الشُّرُنْبُلَالِيُّ بَعْدَ مَا صَرَّحَ بِنَدْبِ الْقَطْعِ كَمَا هُنَا قَالَ: وَقَضِيَّةُ الْحَدِيثِ تُوجِبُهُ
(قَوْلُهُ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ) عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ وَلِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَانِعَةٍ لِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَمَا هُنَا أَعَمُّ لِشُمُولِهِ لِنَحْوِ مَا إذَا مَسَّتْهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لِلْخُرُوجِ إلَخْ.
وَأَمَّا قَطْعُهَا لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ فَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ كَمَا يَقْطَعُهَا لِغَسْلِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ) الظَّاهِرُ مِنْهُ الِافْتِرَاضُ ط
(قَوْلُهُ لِإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ) سَوَاءٌ اسْتَغَاثَ بِالْمُصَلِّي أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فِي اسْتِغَاثَتِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ،
وَمِثْلُهُ خَوْفُ تَرَدِّي أَعْمَى فِي بِئْرٍ مَثَلًا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سُقُوطُهُ إمْدَادٌ
(قَوْلُهُ لَا لِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِمَا الْأُصُولُ وَإِنْ عَلَوَا، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ نَفْيٌ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ فَيَصْدُقُ مَعَ بَقَاءِ النَّدْبِ وَالْجَوَازِ ط.
قُلْت: لَكِنَّ ظَاهِرَ الْفَتْحِ أَنَّهُ نَفْيٌ لِلْجَوَازِ. وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْإِمْدَادِ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا قَطْعِهَا بِنِدَاءِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغَاثَةٍ وَطَلَبِ إعَانَةً لِأَنَّ قَطْعَهَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هَذَا فِي الْفَرْضِ،
وَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ إنْ عَلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَنَادَاهُ لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يُجِيبُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا فِي النَّفْلِ) أَيْ فَيُجِيبُهُ وُجُوبًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغِثْ لِأَنَّهُ لِيمَ عَابِدُ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى تَرْكِهِ الْإِجَابَةَ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مَعْنَاهُ. لَوْ كَانَ فَقِيهًا لَأَجَابَ أُمَّهُ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُصَلِّي.
فَإِنْ عَلِمَ لَا تَجِبَ الْإِجَابَةُ. لَكِنَّهَا أَوْلَى كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ إلَخْ. فَقَوْلُهُ فَإِنْ عَلِمَ تَفْصِيلُ الْحُكْمِ الْمُسْتَثْنَى ط، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ (لَا بَأْس) هُنَا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ بَأْسًا فِي عَدَمِ الْإِجَابَةِ وَكَوْنُهُ عُقُوقًا فَلَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِجَابَةَ أَوْلَى. وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَابِ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.